اعتبر المحلل السياسي سمير بنيس، المختص في ملف الصحراء، أن المحادثات التي احتضنتها مدريد برعاية الولايات المتحدة الأمريكية تشكل محطة مفصلية في المسار السياسي للنزاع الإقليمي حول الصحراء، ليس فقط من حيث توقيتها وسياقها الدولي، ولكن أيضاً من حيث طبيعة الأطراف المشاركة والإطار المرجعي الذي يؤطرها.
وأوضح بنيس أن مشاركة الجزائر على مستوى وزير خارجيتها لا يمكن قراءتها باعتبارها خطوة بروتوكولية عادية، بل هي تعبير عن تحول عميق في موازين القوى وفي إدراك الفاعلين الإقليميين لطبيعة المرحلة الجديدة.
وشدد المحلل السياسي على أن القرار 2797 الصادر عن مجلس الأمن وضع، بشكل لا لبس فيه، الأساس السياسي الذي ينبغي أن تدور حوله المفاوضات، حين اعتبر مبادرة الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية أرضية جدية وواقعية للتوصل إلى حل سياسي نهائي.
وأضاف بنيس أن أهمية هذا القرار لا تكمن فقط في مضمونه، بل في كونه جاء تتويجاً لمسار تراكمي انطلق منذ القرار 2440 لسنة 2018، الذي كرس مقاربة الموائد المستديرة ودعا الجزائر صراحة إلى تحمل مسؤوليتها كطرف معني بالنزاع.
ويرى الخبير في ملف الصحراء أن الجدل الذي أثير في بعض الأوساط حول ما إذا كانت الجزائر ستنخرط في مفاوضات “جدية” أم ستواصل التمسك بخطابها التقليدي القائم على نفي صفة الطرف عن نفسها، لم يعد مطروحاً بنفس الحدة بعد اعتماد القرار 2797. فبحسب تحليله، فإن مجلس الأمن حسم عملياً النقاش القانوني والسياسي بشأن طبيعة الأطراف المعنية، وأدرج الجزائر ضمن الفاعلين الأساسيين المدعوين إلى التفاوض، وهو ما يفسر – في تقديره – مشاركة الجزائر في محادثات مدريد رغم القطيعة الدبلوماسية القائمة مع المغرب منذ سنوات.
وأضاف، الباحث في العلاقات الدولية، أن ما جرى في مدريد يعكس إدراكاً جزائرياً بأن الإدارة الأمريكية عازمة على لعب دور مباشر وأكثر حسماً في الملف، بعيداً عن منطق تدبير الأزمة عبر آليات أممية تقليدية أثبتت محدوديتها.
واعتبر أن هذا المعطى الدولي الجديد قلّص هامش المناورة أمام الدبلوماسية الجزائرية، ودفعها إلى التكيف مع واقع سياسي لم يعد يسمح بإعادة إنتاج نفس الخطاب الذي ساد خلال العقود الماضية.
وفي هذا السياق، شدد المتحدث على أن القرار 2797 “حطم منطقة الراحة” التي تحركت ضمنها الجزائر لسنوات، حيث كانت تستفيد من غموض بعض الصياغات الأممية ومن توازنات دولية لم تكن تميل بوضوح لصالح أي طرف.
أما اليوم، يضيف بنيس، فإن التحولات التي أعقبت الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء في دجنبر 2020، ثم المواقف الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي من قبل إسبانيا وفرنسا وبريطانيا، أعادت رسم الخريطة الدبلوماسية للنزاع بشكل غير مسبوق.
وأوضح أن هذه الدينامية الدولية جعلت من مبادرة الحكم الذاتي المرجعية الوحيدة ذات المصداقية على طاولة النقاش، وهو ما يفسر الطابع التقني الذي يتوقع أن تتخذه الجولات المقبلة من المفاوضات. فبحسب تحليله، لم يعد النقاش منصبا على “طبيعة الحل” بقدر ما أصبح متمحوراً حول “تفاصيل تفعيله” وضماناته المؤسساتية والاقتصادية والسياسية.
وعاد بنيس إلى البعد الرمزي لاختيار مدريد لاحتضان هذه الجولة، معتبرا أن للمدينة حمولة تاريخية مرتبطة باتفاق 14 نونبر 1975، الذي شكل محطة مفصلية في إنهاء الوجود الاستعماري الإسباني بالصحراء.
واعتبر أن استحضار هذا المعطى التاريخي يبرز كيف أن العاصمة الإسبانية ظلت، عبر العقود، فضاءً تتقاطع فيه رهانات الفاعلين الإقليميين والدوليين بشأن مستقبل الإقليم.
وفي قراءته للتاريخ الدبلوماسي للنزاع، أشار بنيس إلى أن مرحلة 1974-1975 عرفت انقساما داخل دوائر القرار الإسباني بين تيار كان يميل إلى تسوية تفاوضية مع المغرب تحفظ مصالح الطرفين، وآخر تمسك بتأويل حرفي لقرارات الجمعية العامة بشأن تقرير المصير.
وأضاف بنيس أن هذا الانقسام أتاح للجزائر هامش تحرك واسع، استثمرته لتعقيد مسار التفاهم الثنائي بين الرباط ومدريد.
وشدد على أن اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، ثم تنظيم المسيرة الخضراء، شكّلا لحظتين مفصليتين في إعادة تشكيل ميزان القوى آنذاك. غير أن التطورات اللاحقة، خاصة المواقف التي تبنتها حكومات إسبانية متعاقبة أواخر السبعينيات، ساهمت، بحسب تحليله، في منح الجزائر زخما دبلوماسيا مكّنها من توسيع دائرة الاعتراف بالأطروحة الانفصالية داخل بعض المحافل الدولية والقارية.
وأضاف أن التحولات التي شهدتها نهاية سبعينيات القرن الماضي، بما في ذلك إعلان مدريد سنة 1979 اعتبار البوليساريو “ممثلاً شرعيا”، كان لها أثر مباشر في موازين التصويت داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة وفي منظمة الوحدة الإفريقية آنذاك. غير أنه اعتبر أن تلك المرحلة مثلت ذروة مسار لم يستطع الحفاظ على زخمه على المدى الطويل، في ظل تغير السياقات الدولية وانهيار منظومة الحرب الباردة.
وانتقل بنيس إلى تحليل المرحلة الراهنة، معتبرا أن الفارق الجوهري بين سياق سبعينيات القرن الماضي والسياق الحالي يكمن في طبيعة البيئة الدولية. فاليوم، يضيف بنيس، أصبح الاستقرار الإقليمي ومحاربة الإرهاب والهجرة غير النظامية أولويات مركزية في أجندات القوى الكبرى، وهو ما يجعلها أقل ميلاً لدعم كيانات غير معترف بها أو مشاريع انفصالية تفتقر إلى مقومات الدولة.
وأكد أن مشاركة الجزائر في محادثات مدريد لا تعني بالضرورة تخليا فوريا عن خطابها التقليدي، لكنها تعكس بداية إدراك بأن الاستمرار في نفس المقاربة قد يفضي إلى مزيد من العزلة. وشدد بنيس على أن التحدي الأكبر أمام صناع القرار في الجزائر لن يكون فقط على مستوى التفاوض الخارجي، بل أيضا في كيفية تهيئة الرأي العام الداخلي لتقبل تحولات محتملة في الموقف الرسمي.
وأضاف بنيس أن الجولات المقبلة من المحادثات ستكون محكومة بسقف واضح رسمه القرار 2797، وأن أي نقاش لن يمس جوهر السيادة المغربية، بل سيركز على آليات تنزيل الحكم الذاتي وضمان مشاركة الساكنة المحلية في تدبير شؤونها في إطار الوحدة الترابية للمملكة.
واعتبر أن هذا التحول من “نقاش المبدأ” إلى “نقاش التفاصيل” يعكس انتقال النزاع إلى مرحلة جديدة أكثر براغماتية.
وخلص سمير بنيس، في تحليله، إلى أن محادثات مدريد ليست حدثا معزولا، بل هي حلقة في مسار طويل أعاد تشكيل توازنات النزاع تدريجيا لصالح مقاربة الحل السياسي الواقعي.
وأكد بنيس أن التحولات الدولية والإقليمية الحالية تفرض على جميع الأطراف إعادة تقييم استراتيجياتها، مشددا على أن نجاح المسار التفاوضي سيظل رهينا بمدى استعداد الفاعلين للانخراط في تسوية تستجيب لمتطلبات الاستقرار الإقليمي وتحترم في الآن ذاته المعطيات السيادية والقانونية التي كرستها قرارات مجلس الأمن الأخيرة.




تعليقات الزوار ( 0 )