أخبار ساعة

12:15 - نشرة إنذارية.. موجة حر قوية تضرب عدة أقاليم مغربية ابتداء من الاثنين ودرجات الحرارة قد تصل إلى 44 درجة12:02 - إحباط تهريب دولي يقارب 3 أطنان من الشيرا بضواحي ابن سليمان11:39 - ترامب يتراجع عن تشديد إجراءات البطاقة الخضراء بعد ضغوط من شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الأمريكية10:08 - معاهدة تاريخية تعيد رسم مستقبل العلاقات المغربية الفرنسية.. شراكة استراتيجية شاملة تشمل الاقتصاد والدفاع والصحراء المغربية09:31 - الألم الساخر بين محمد الماغوط وتشارلز بوكوفسكي09:27 - مارجان ساترابي… حين يصبح الفن ذاكرةً في مواجهة النسيان09:05 - طقس السبت.. أجواء حارة بعدد من المناطق وارتفاع درجات الحرارة بالشمال ورياح قوية مصحوبة بالغبار00:43 - أمينة الدحاوي تحرز برونزية الجائزة الكبرى للتايكواندو بروما00:22 - الصويرة تحتضن منتدى الأطلسي لبحث صمود السواحل والاقتصاد الأزرق23:45 - عبد الله الجباري: الفتوى ليست حكرا على المجلس العلمي والمذهب المالكي يحتاج إلى مراجعة
الرئيسية » مقالات الرأي » لا تناسب بين الشكر والنعم

لا تناسب بين الشكر والنعم

يتأسس المفهوم اللغوي والشرعي لمصطلح النعمة في التراث الإسلامي على عطاء مجاني يتجاوز حدود الاستحقاق البشري الفعلي، ليقابله مصطلح الشكر المعبر عن اعتراف إنساني قاصر بالضرورة عن إدراك حجم المعطى الرباني الدقيق.

وتؤكد المعاجم اللغوية المعتمدة، كمعجم لسان العرب لابن منظور، عجز اللفظ الإنساني المحدود عن الإحاطة بالمعنى المطلق لصفة العطاء، مما يضعنا أمام معادلة غير متكافئة الأطراف بين الخالق الغني والمخلوق المفتقر.

ويدفع هذا التباين الجوهري العقل الفلسفي الإسلامي، كما صاغه بدقة أبو حامد الغزالي في مؤلفه إحياء علوم الدين، إلى الإقرار باستحالة تحقيق أي تناسب عددي أو نوعي بين المنح المتدفقة باستمرار والشكر المقيد بزمان ومكان وقدرات ضيقة. ويشكل هذا الفهم العميق نقطة الارتكاز المحورية لتفكيك النظرة المادية المعاصرة التي تتعامل مع الخالق بمنطق المعاوضة التجارية وتسديد الفواتير.

وفي هذا السياق، يقرر النص القرآني حقيقة رياضية ووجودية قاطعة تنفي قدرة العقل الإنساني على الإحصاء العددي للمنح الإلهية، حيث جاء التصريح الواضح في سورة إبراهيم بعجز البشر المطلق عن عد عطايا الله وحصرها في سجلات.

ويشكل هذا العجز الإحصائي البديهي المانع الأول لتأسيس أي تكافؤ منطقي محتمل بين النعمة والشكر، فما يعجز العقل عن حصره نظريا يستحيل على الجوارح واللسان أداء مقابله العملي على أرض الواقع.

وتفسر كتب التفسير وعلوم القرآن المعتبرة، ككتاب جامع البيان للإمام الطبري، هذه الاستحالة بكون المنحة الواحدة تتفرع فورا إلى سلسلة غير متناهية من النعم الدقيقة المتداخلة. وتتحول حاسة البصر مثلا إلى منظومة مركبة تستوجب توفر الضوء الخارجي، وسلامة العصب البصري، والإدراك الدماغي المعقد لتحليل الصور، لتصبح كل ثانية من الوجود متوالية هندسية من العطاءات الخفية.

وبموازاة ذلك، يبرز المأزق الفلسفي والمنطقي الأكبر في مبحث الشكر عند فحص طبيعة فعل الشكر نفسه، والذي يمثل في جوهره المعرفي نعمة إلهية جديدة تستوجب امتنانا إضافيا من العبد.

ويوضح العلامة ابن القيم الجوزية في كتابه مدارج السالكين تفاصيل هذه المعضلة المنطقية الدقيقة، مبينا افتقار الإنسان الدائم إلى توفيق إلهي للقيام بفعل الحمد أصلا، مما يدخل المؤمن في متوالية لا نهائية من الديون الروحية المتراكمة. ويبطل هذا التركيب المعرفي الرصين أي ادعاء بشري بامتلاك رصيد كاف لتسديد استحقاقات الخالق العظيم، محولا وظيفة الشكر من أداة للمكافأة وطي السجل، إلى محض إعلان دائم عن العجز المطلق والافتقار التام لمصدر النعم ومسديها. وتتأسس العبودية الحقة بناء على هذا التحليل فوق الاعتراف الصريح بالتقصير، بعيدا عن أوهام الاستغناء الذاتي أو الكفاءة الشخصية المستقلة.

وعلى الصعيد العملي، ينتقل هذا التصور الفلسفي المجرد إلى الحقل الأصولي والفقهي من خلال علم مقاصد الشريعة الذي أسس له ورسخ قواعده إبراهيم بن موسى الشاطبي في سفره المرجعي الموافقات.

ويرفض الفقه الإسلامي رفضا قاطعا تأطير علاقة العبد بربه ضمن عقود المعاوضات ومقايضات السوق القائمة على مبدأ التسديد والمقابل الدقيق الحرفي. ويصنف الفقهاء فعل الشكر كفرض عين لا يسقط عن المكلف البالغ العاقل تحت أي ظرف، لكنهم يجردونه تماما من وظيفة الثمنية أو المكافأة، ليصبح محض امتثال تعبدي يهدف بالأساس إلى تحقيق الكليات الخمس، وتحديدا حفظ الدين وحفظ النفس.

ويتحقق هذا الحفظ المقاصدي عبر توجيه الجوارح لاستخدام العطايا في مرضاة مانحها وتجنب معاصيه، وهو ما يمثل الحد الأقصى للاستطاعة البشرية المقررة شرعا، مع بقاء اليقين الراسخ بانتفاء التناسب التام بين العمل الدنيوي والجزاء الإلهي.

وانطلاقا من هذه المعطيات، يؤسس المنهج النبوي نظرية متكاملة للتعاطي مع تقلبات الحياة اليومية، تتجاوز التقسيم السطحي المتداول بين حالة الرخاء وحالة الشدة.

ويوثق صحيح مسلم حديثا محوريا للصحابي صهيب الرومي يصف أمر المؤمن كله بالخير المحض، لكون هذا الفرد يمتلك آلية نفسية وعقدية صلبة تتيح تحويلا مستمرا لكل الوقائع المادية إلى رصيد إيجابي. وتتجسد هذه الآلية العملية في استحضار الحمد الفوري عند توفر المسرات، واستدعاء الصبر العميق عند نزول المكاره، مع اعتبار الصبر ذاته شكرا عمليا متقدما على نعمة الاصطفاء للابتلاء وتكفير الخطايا. وتذوب الفوارق المادية الظاهرية بين الصحة والمرض، وبين الفقر والغنى، ضمن هذا المنظور العقدي الصارم، لتصبح جميع الحالات الوجودية مجرد أدوات اختبار دقيقة لقياس مدى تحقق مقام العبودية ومحطات للارتقاء الروحي.

وفي مقابل هذا الطرح، يتصادم البناء المعرفي الإسلامي الرصين تصادما عنيفا مع التشوهات الإدراكية التي تسيطر على بنية العقل المعاصر، والذي يميل بشراسة إلى اختزال مفهوم النعم في الجوانب المادية القابلة للقياس المالي والاستهلاك اللحظي.

وتساهم النزعة المادية الطاغية في تعميق غفلة الإنسان عن العطايا الباطنة المتصلة بالاستقرار النفسي، وصحة البدن الدقيقة، وانتظام دورة الحياة الطبيعية حوله بصمت. ويؤدي جهل المجتمعات الحديثة بعمق الفلسفة الإسلامية في مبحث المنح والابتلاء إلى تفشي مشاعر التذمر اليومي وتعاظم معدلات القلق والاكتئاب السريري، كنتيجة حتمية للركض المستمر والمنهك خلف سراب التملك الكامل ومحاولة السيطرة على الأقدار. ويقود هذا العمى البصيرة إلى الانخراط المهووس في مقارنة الأرصدة المادية مع الآخرين، بدل استبصار الهبات الربانية الموزعة بعدل وحكمة تخفى تفاصيلها عن النظرة المادية القاصرة والمحدودة بحدود المظاهر الدنيوية الزائلة.

ويفرض هذا الخلل المعرفي الشامل مراجعة جذرية وعاجلة للمناهج المعتمدة في صياغة الخطاب الديني وتوجيه المسار التربوي داخل المؤسسات الوصية على تدبير الشأن العام والروحي.

ويتطلب الواقع الميداني المعقد تجاوز أساليب التلقين المباشر للنصوص التراثية، نحو تبني استراتيجية مبنية على إعادة إحياء المدارس الفلسفية والمقاصدية القادرة على تفكيك هذه المفاهيم الدقيقة وتبسيطها للجمهور الواسع بطريقة عقلانية ومنطقية. وتتحمل المجالس العلمية، والمجامع الفقهية، والقطاعات الحكومية المكلفة بالتعليم، العبء الأكبر والمسؤولية التاريخية المباشرة في تصحيح هذه الاختلالات المفاهيمية المتجذرة في العقول.

ويستوجب الوضع الميداني تركيز الجهود المؤسساتية المشتركة على بناء عقل تحليلي نقدي يدرك بوضوح حجم الافتقار البشري وينزع نحو الطمأنينة الداخلية المستدامة، بدل الاكتفاء باجترار خطابات تقليدية مفرغة من عمقها الفكري تعجز كليا عن تحصين الأفراد والمجتمع ضد موجات العدمية المادية الجارفة.

           
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

الألم الساخر بين محمد الماغوط وتشارلز بوكوفسكي

6 يونيو 2026 - 9:31 ص

     لَيس الألمُ دائمًا صرخةً مُدَوِّية، ولا الحُزن دمعة تسيل على الخد. أحيانًا، يرتدي الوجعُ قناعَ السُّخرية، ويختبئ خلف ابتسامة

مارجان ساترابي… حين يصبح الفن ذاكرةً في مواجهة النسيان

6 يونيو 2026 - 9:27 ص

في كل مرحلة تاريخية مضطربة تظهر أصوات قادرة على تحويل التجربة الفردية إلى قضية إنسانية عامة. ومن بين هذه الأصوات

الدعاء للملك في منظومة الحكم بالمغرب

5 يونيو 2026 - 9:37 م

ارتبط الدعاء للسلطان تاريخياً بطبيعة النظام السياسي المغربي، حيث لم تكن الشرعية تقوم فقط على القوة العسكرية، بل أيضاً على

أمهات يصنعن أجمل صور العالم

4 يونيو 2026 - 10:04 م

منذ شهر شتنبر، وإلى غاية شهر يونيو، ظل مشهد صغير يوقفني في شارع أعبره كل يوم تقريبا وأنا أتوجه إلى

الكهنة الجدد والحنين المفضوح لزمن الاستعمار والحماية الجديدة

4 يونيو 2026 - 6:04 م

لقد ابتلينا في السنوات الأخيرة بنقاش عمومي  واستقطاب حاد، بين طرفين يراد لنا أن نتصورهم كنقيضين، الخونة والوطنيين، يوصف المدافعون

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°