مع كل نسخة جديدة من كأس العالم، تتجه أنظار الجماهير نحو المنافسات الكروية والإنجازات الرياضية التي تصنعها المنتخبات الوطنية، غير أن خلف هذا المشهد الاحتفالي تبرز قصة أخرى لا تقل أهمية عن النتائج والألقاب، وهي قصة الهجرة وما أنتجته من تحولات اجتماعية وإنسانية عميقة انعكست بشكل واضح داخل ملاعب كرة القدم.
وتسلط ورقة تحليلية أنجزتها منصة “ميغرابريس” (MigraPress) الرقمية، المتخصصة في تحليل سياسات الهجرة بالمغرب، الضوء على العلاقة الوثيقة بين الهجرة وكرة القدم، معتبرة أن البطولة العالمية تحولت إلى مناسبة تكشف مفارقات الخطابات السياسية حول المهاجرين، بعدما أصبح أبناء المهاجرين يشكلون أحد أبرز أعمدة المنتخبات الوطنية الكبرى، ويجسدون مساهمات الهجرة في بناء المجتمعات الحديثة.
قصة الهجرة
ترى الورقة أن كرة القدم لم تعد تقتصر على كونها منافسة رياضية، بل أصبحت تعكس مسارات اجتماعية وتاريخية معقدة ارتبطت بحركة الهجرة عبر العالم. فخلف العديد من النجوم الذين يتألقون في كأس العالم توجد قصص عائلات غادرت بلدانها الأصلية بحثا عن فرص عمل أو عن الأمن والاستقرار أو عن ظروف معيشية أفضل.
وتوضح أن آلاف الأسر القادمة من المغرب والسنغال ومالي والجزائر وتركيا وباكستان والكونغو وغيرها استقرت منذ عقود داخل عدد من الدول الأوروبية، حيث اشتغل الآباء والأمهات في قطاعات شاقة، من بينها المصانع والمناجم وورش البناء والمهن التي كانت تعاني نقصا في اليد العاملة، مساهمين بذلك في دعم اقتصادات بلدان الاستقبال، رغم أنهم ظلوا في كثير من الأحيان بعيدين عن الاعتراف الحقيقي بإسهاماتهم.
وتؤكد أن هؤلاء المهاجرين لم يستقبلوا باعتبارهم إضافة بشرية وثقافية للمجتمعات الأوروبية، وإنما جرى التعامل معهم في كثير من الأحيان كقوة عمل مؤقتة أو كغرباء، وهو ما جعلهم يواجهون أشكالا مختلفة من التمييز والإقصاء الاجتماعي والهشاشة الإدارية وصعوبات الاندماج والسكن، فضلا عن الصور النمطية التي رافقت وجودهم لسنوات طويلة.
مفارقة الاعتراف
تعتبر الورقة أن واحدة من أبرز المفارقات التي تكشفها كأس العالم تتمثل في التحول الذي يطرأ على نظرة المجتمعات إلى أبناء المهاجرين، إذ يتحول الأشخاص الذين كانت أصولهم المهاجرة تستحضر أحيانا ضمن النقاشات المرتبطة بالأمن أو الهجرة أو الاندماج، إلى رموز وطنية تحظى بإجماع جماهيري واسع بمجرد تألقهم فوق أرضية الملعب.
وتبرز أن اللاعب الذي يسجل هدفا حاسما أو يقود منتخب بلده إلى إنجاز تاريخي يصبح نموذجا للنجاح ومصدرا للفخر الوطني، رغم أن المسار الذي أوصله إلى تلك اللحظة ارتبط بتضحيات طويلة قدمها والداه أو أجداده، وهي التضحيات التي غالبا ما بقيت بعيدة عن الأضواء ولم تحظ بما تستحقه من اعتراف.
وترى المنصة أن هذا التحول يعكس تناقضا واضحا بين بعض الخطابات السياسية التي تنظر إلى الهجرة باعتبارها عبئا أو تحديا، وبين الواقع الذي يثبت أن أبناء تلك الهجرة أصبحوا جزءا من النجاح الرياضي والثقافي والعلمي والاقتصادي للدول التي يعيشون فيها.
النموذج المغربي
تخصص الورقة حيزا مهما لتجربة المنتخب المغربي، باعتبارها مثالا واضحا على الترابط بين الهجرة والهوية الوطنية، فعددا كبيرا من لاعبي المنتخب ولدوا أو ترعرعوا في بلدان أوروبية، وينحدرون من أسر مغربية استقرت منذ سنوات طويلة في هولندا وبلجيكا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا.
وترى أن هذه المسارات تعكس قدرة الجاليات المغربية على الحفاظ على روابطها بوطنها الأصلي، رغم استقرارها خارج المغرب، وهو ما جعل عددا من اللاعبين يختارون الدفاع عن ألوان المنتخب الوطني، في تعبير عن انتماء يتجاوز الحدود الجغرافية التقليدية.
وتؤكد الورقة أن هذه الاختيارات تكشف أيضا محدودية بعض المقاربات التقليدية التي تنظر إلى الهوية باعتبارها انتماء أحاديا، بينما تثبت تجارب أبناء المهاجرين إمكانية الجمع بين أكثر من فضاء ثقافي وأكثر من ذاكرة تاريخية دون أن يشكل ذلك تعارضا مع الولاء للوطن الذي يختارون تمثيله.
قراءة جنوبية
من منظور بلدان الجنوب، تشير الورقة إلى أن هذه الظاهرة تستحق قراءة أوسع، خاصة في ظل استمرار العديد من الدول الصناعية في تشديد سياسات الهجرة، وتكثيف إجراءات مراقبة الحدود، وتوسيع أنظمة التأشيرات، وإنفاق مليارات اليوروهات على الحد من التنقلات البشرية، في الوقت الذي تحتفي فيه بإنجازات أبناء المهاجرين داخل أكبر المحافل الرياضية.
وترى أن هذا الواقع يعكس مفارقة أخرى تتمثل في الترحيب بنتائج الهجرة بعد تحققها، مقابل استمرار التشدد تجاه المهاجرين خلال رحلاتهم أو في مراحل وصولهم الأولى، وهو ما يجعل كأس العالم مناسبة تكشف التناقض بين الخطاب السياسي والممارسة الفعلية.
رسالة إنسانية
تشير الورقة إلى أن كأس العالم يقدم صورة مختلفة عن الهجرة، باعتبارها جزءا من التاريخ الإنساني وليست مجرد قضية أمنية أو إدارية، إذ تؤكد أن المجتمعات الأكثر دينامية هي تلك التي تشكلت عبر حركة البشر وتبادل الخبرات والثقافات.
وتلفت إلى أن البطولة العالمية تبرز التناقض القائم في عالم يتيح حرية واسعة لتنقل رؤوس الأموال والبضائع والكفاءات، بينما يفرض قيودا مشددة على تنقل الفئات الفقيرة، رغم أن مساهماتها تظهر لاحقا في مختلف مجالات الحياة، ومنها الرياضة.
وتشدد على أن الحدود قد تبطئ انتقال الأشخاص، لكنها لا تستطيع وقف انتقال الأحلام والمهارات والإرث الإنساني بين الأجيال، وأن خلف كل هدف يسجله ابن مهاجر، وكل نشيد وطني يردده لاعب من أصول مهاجرة، تختبئ قصة طويلة من الكفاح والعمل والتضحيات، وهي قصة تجعل من كأس العالم أكثر من مجرد بطولة رياضية، بل مرآة تعكس التناقضات التي لا تزال تحكم نظرة العالم إلى الهجرة.




تعليقات الزوار ( 0 )