من تشخيص الأزمة إلى بناء البديل
عندما تشتد الأزمات، تتعدد التفسيرات، وتتباين القراءات، وتكثر الأعذار. لكن الشعوب لا تقيس نجاح السياسات بما يقال عنها، بل بما تتركه من أثر في حياتها اليومية. فالمواطن لا يسأل عن عدد الاجتماعات التي عُقدت، ولا عن حجم الشعارات التي رُفعت، بل يسأل عن قدرته على العيش الكريم، وعن حق أبنائه في التعليم الجيد، وعن فرص الشغل، وعن جودة العلاج، وعن السكن اللائق، وعن الأمل في غد أفضل.
لقد دخل المغرب خلال السنوات الأخيرة مرحلة دقيقة اتسمت بتراكم مجموعة من التحديات الاقتصادية والاجتماعية والمجالية والثقافية والبيئية. فرغم الأوراش الكبرى التي يقودها جلالة الملك محمد السادس، ورغم ما تحقق من مكتسبات مهمة على مستوى البنيات التحتية والاستقرار المؤسساتي، فإن عدداً من المؤشرات الاجتماعية ما يزال يبعث على القلق ويطرح أسئلة عميقة حول نجاعة السياسات العمومية وقدرتها على تحويل النمو إلى تنمية، والتنمية إلى رفاه اجتماعي يشعر به المواطن في حياته اليومية.
فمعدل البطالة ما يزال يدور حول 13.3%، بينما ترتفع النسبة بشكل أكبر في صفوف الشباب وحاملي الشهادات. وما تزال نسبة الأمية تقارب ربع السكان، في الوقت الذي يغادر فيه مئات الآلاف من التلاميذ مقاعد الدراسة سنوياً قبل استكمال مسارهم التعليمي. كما تواجه الأسر المغربية ضغطاً متزايداً على قدرتها الشرائية نتيجة ارتفاع أسعار عدد من المواد والخدمات الأساسية، في حين تستمر الفوارق المجالية بين المدن والقرى وبين الجهات في التأثير على تكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية.
وفي المجال الاقتصادي، ما يزال عدد المقاولات المصدرة لا يتجاوز ستة آلاف مقاولة، وهو رقم لا يعكس الإمكانيات الحقيقية للاقتصاد الوطني ولا طموحات المغرب في الاندماج القوي داخل الاقتصاد العالمي. أما المنظومة الصحية، فرغم الإصلاحات الجارية، فما تزال تواجه تحديات مرتبطة بجودة الخدمات، وسهولة الولوج إليها، والتوزيع العادل للموارد الصحية بين مختلف المجالات الترابية. وإلى جانب كل ذلك، أصبحت التغيرات المناخية وندرة الموارد المائية تفرض على المغرب تحديات غير مسبوقة تستوجب رؤية جديدة في تدبير التنمية والاستدامة.
إنها أزمة متعددة الأبعاد، لكنها ليست أزمة مستعصية على الحل. فكل أزمة تحمل في داخلها فرصة للمراجعة والتصحيح وإعادة البناء. ومن هنا تنطلق رؤية حزب الحركة الشعبية، ليس من منطق المعارضة من أجل المعارضة، ولا من منطق المزايدة السياسية، وإنما من منطق المسؤولية الوطنية التي تقتضي تقديم بدائل عملية وقابلة للتنفيذ، تنطلق من الواقع كما هو، وتتجه نحو المستقبل كما ينبغي أن يكون.
وفي هذا السياق، يقترح التعاقد الحركي الجديد عشرة مفاتيح استراتيجية كبرى للخروج من الأزمة الوطنية بمختلف أبعادها، باعتبارها مداخل أساسية لمعالجة الاختلالات التي يتحمل المواطن وحده كلفتها الاقتصادية والاجتماعية والنفسية. وهي مفاتيح لا تقدم حلولاً جزئية أو ظرفية، بل تؤسس لرؤية متكاملة تجعل الإنسان المغربي محور التنمية وغايتها الأولى.
وتستند هذه الرؤية إلى أهداف وطنية واضحة وقابلة للقياس، من أبرزها مضاعفة عدد المقاولات المصدرة من 6000 إلى 12000 مقاولة، وخفض معدل البطالة من 13.3% إلى أقل من 9.9%، والقضاء على الأمية للوصول إلى نسبة 0%، وإنهاء الهدر المدرسي لتحقيق هدف 0% هدر مدرسي، إلى جانب تعميم الحماية الصحية الفعلية وتقليص الفوارق المجالية وتحسين جودة العيش.
ومن الأهمية بمكان التأكيد على أن هذه الوثيقة لا تمثل البرنامج الانتخابي الرسمي للحركة الشعبية، ولا تقدم جميع الآليات التقنية والمنهجية والمالية والقانونية الكفيلة بتحقيق هذه الأهداف. فالمفاتيح العشر الواردة فيها تمثل الإطار الاستراتيجي العام للتعاقد الحركي، وتحدد وجهة الإصلاح وأولوياته الكبرى، أما البرامج التفصيلية، والمؤشرات التنفيذية الدقيقة، والطرائق العلمية والمنهجية للتنزيل، فستشكل موضوع البرنامج الانتخابي الرسمي للحزب، الذي سيُعرض على المواطنات والمواطنين باعتباره تعاقداً سياسياً واضحاً وقابلاً للمحاسبة والتقييم.
إنها ليست وعوداً انتخابية عابرة، بل مفاتيح لبناء مغرب أكثر عدالة وإنصافاً وتوازناً، وأكثر قدرة على تحويل الطموحات المشروعة للمواطنين إلى واقع ملموس.
المفتاح الأول: الأمن المعيشي وحماية القدرة الشرائية
تشكل القدرة الشرائية اليوم إحدى أكثر القضايا إلحاحاً في الحياة اليومية للمغاربة. فالمواطن لا يقيس نجاح السياسات العمومية بحجم الأرقام المعلنة في التقارير الرسمية، بل يقيسها بقدرته على تأمين حاجيات أسرته الأساسية، وبما يتبقى من دخله بعد أداء التزاماته المعيشية. وحين تصبح كلفة الغذاء والسكن والنقل والطاقة والخدمات الأساسية أكبر من قدرة الأسر على التحمل، تتحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة اجتماعية تمس الاستقرار والثقة والأمل.
لقد عرفت السنوات الأخيرة موجات متتالية من ارتفاع الأسعار مست عدداً من المواد الاستهلاكية الأساسية، مما أدى إلى تآكل القدرة الشرائية للطبقة الوسطى والفئات الهشة. وأصبح جزء مهم من دخل الأسر يوجه لتغطية النفقات الأساسية، بينما تقلصت هوامش الادخار والاستثمار الأسري، وهو ما انعكس مباشرة على جودة العيش وعلى الدينامية الاقتصادية الداخلية.
وتزداد خطورة هذا الوضع عندما تتحول الأسواق إلى فضاءات غير شفافة يصعب على المواطن معرفة حقيقة الأسعار وهوامش الربح ومسارات توزيع المنتجات، مما يفتح المجال أمام المضاربة والاحتكار واستغلال الأزمات لتحقيق أرباح غير مبررة على حساب المستهلك.
وانطلاقاً من هذا التشخيص، يعتبر التعاقد الحركي أن حماية القدرة الشرائية ليست مجرد إجراء اقتصادي ظرفي، بل هي ركيزة أساسية من ركائز الأمن الاجتماعي والاستقرار الوطني، وأن أي مشروع تنموي لا يضع المواطن في صلب اهتماماته محكوم عليه بفقدان أثره وشرعيته المجتمعية.
ولهذا يقترح المفتاح الأول ثلاثة مداخل إصلاحية متكاملة
أولاً، إحداث منصة رقمية وطنية للأسعار تمكن المواطن من الاطلاع الفوري على أسعار المواد الأساسية والخدمات في مختلف جهات المملكة، بما يعزز الشفافية ويحد من المضاربة ويمنح المستهلك حق الوصول إلى المعلومة الاقتصادية الدقيقة. فالمعلومة اليوم أصبحت جزءاً من العدالة الاقتصادية، ولا يمكن حماية المستهلك دون تمكينه من المعرفة.
ثانيا، إحداث الحساب الضريبي الاجتماعي باعتباره آلية جديدة لتحقيق العدالة الجبائية. فالمواطن لا ينبغي أن يُعامل ضريبياً بمعزل عن وضعيته الأسرية والاجتماعية وعدد الأشخاص الذين يعيلهم أو حجم الأعباء التي يتحملها. لذلك يدعو التعاقد الحركي إلى تخفيف العبء الضريبي عن الطبقة الوسطى والفئات المنتجة، بما يعيد التوازن بين المداخيل والنفقات ويحفز الاستهلاك والاستثمار الأسري.
ثالثا، اعتماد هدنة تصديرية ذكية في القطاعات المرتبطة بالمواد الأساسية عند الضرورة، بما يضمن إعطاء الأولوية لتزويد السوق الوطنية واستقرار الأسعار قبل توجيه الفائض نحو الأسواق الخارجية. فالتصدير يظل خياراً استراتيجياً للاقتصاد الوطني، لكنه لا ينبغي أن يتم على حساب الأمن الغذائي أو القدرة الشرائية للمواطن المغربي.
إن الهدف من هذا المفتاح ليس فقط مواجهة الغلاء، بل بناء منظومة اقتصادية أكثر عدالة وشفافية وتوازناً بين مصالح المنتج والمستهلك. ولذلك يلتزم التعاقد الحركي بالعمل على رفع الدخل الحقيقي للأسر المغربية بما لا يقل عن 20% خلال الولاية الحكومية، وخفض أثر التضخم على المواد الأساسية إلى أدنى المستويات الممكنة، حتى يستعيد المواطن ثقته في السوق وفي السياسات العمومية وفي قدرته على العيش الكريم.
فالقدرة الشرائية ليست مجرد مؤشر اقتصادي، بل هي مقياس مباشر لكرامة المواطن. وحين يشعر المواطن بأن دخله يحفظ كرامته ويؤمن حاجيات أسرته، يصبح أكثر ثقة في المستقبل وأكثر استعداداً للمساهمة في بناء الوطن. ومن هنا يبدأ الإصلاح الحقيقي: من جيب المواطن، ومن مائدته، ومن حقه المشروع في حياة كريمة و المستقرة
المفتاح الثاني: اقتصاد وطني منتج للثروة ومولد لفرص الشغل
لا توجد دولة قوية باقتصاد ضعيف، ولا تنمية مستدامة دون إنتاج حقيقي للثروة. فكل السياسات الاجتماعية، مهما بلغت أهميتها، تظل رهينة بقدرة الاقتصاد الوطني على خلق القيمة المضافة، وتوسيع الاستثمار، وخلق فرص الشغل، وتعزيز تنافسية المقاولة الوطنية.
لقد نجح المغرب خلال العقود الأخيرة في بناء بنية تحتية متطورة، وتوفير مناخ مؤسساتي مستقر، وإطلاق أوراش استراتيجية كبرى في مجالات الصناعة والطاقة واللوجستيك. غير أن هذه المكتسبات لم تنعكس بالقدر الكافي على النسيج الاقتصادي الوطني، خاصة بالنسبة للمقاولات الصغرى والمتوسطة التي تشكل العمود الفقري لأي اقتصاد منتج.
فالمعطيات الحالية تشير إلى أن عدد المقاولات المغربية المصدرة لا يتجاوز حوالي 6000 مقاولة، وهو رقم يظل محدوداً مقارنة بالإمكانات الاقتصادية للمملكة وبحجم الطموحات التي يفرضها موقع المغرب الإقليمي والدولي. كما أن عدداً كبيراً من المقاولات الوطنية ما يزال يواجه صعوبات مرتبطة بالولوج إلى الأسواق، وتعقيد المساطر، وتعدد المتدخلين، وغياب المواكبة الاستراتيجية.
وفي المقابل، ما تزال البطالة في حدود 13.3% وطنياً، مع نسب أعلى بكثير وسط الشباب وحاملي الشهادات، مما يؤكد أن التحدي الاقتصادي لم يعد يتعلق فقط بتحقيق النمو، بل بتحويل النمو إلى فرص شغل حقيقية ومستدامة.
إن التعاقد الحركي ينطلق من قناعة مفادها أن الاقتصاد ليس مجرد أرقام في التقارير المالية، بل هو الوسيلة الأساسية لتحقيق الكرامة الاجتماعية والاستقرار الوطني. ولذلك فإن بناء اقتصاد قوي لا يعني فقط زيادة الناتج الداخلي الخام، بل يعني خلق الثروة وتوزيع فرص الاستفادة منها بشكل عادل ومتوازن.
ولهذا يقترح المفتاح الثاني ثلاثة مداخل إصلاحية مترابطة
أولاً، إحداث منصة وطنية موحدة للمعاملات والعقود الاقتصادية تغطي مختلف مراحل التعاقد والتبادل الاقتصادي، من الأمر بالشراء إلى التسوية النهائية، بما يربط القطاعين العام والخاص داخل منظومة رقمية شفافة وفعالة. فتبسيط المساطر الإدارية والرقمية لم يعد ترفاً إدارياً، بل أصبح شرطاً من شروط التنافسية الاقتصادية.
ثانياً، إطلاق منصة رقمية وطنية للتصدير تمكن المقاولات المغربية، وخاصة الصغرى والمتوسطة، من الولوج السلس إلى الأسواق الخارجية، وتوفير المواكبة التقنية واللوجستيكية والمالية اللازمة لتوسيع قاعدة المصدرين. ويهدف هذا التوجه إلى مضاعفة عدد المقاولات المصدرة من 6000 إلى 12000 مقاولة خلال أفق البرنامج، بما يعزز حضور المنتوج المغربي في الأسواق الدولية ويخلق دينامية جديدة للاستثمار والتشغيل.
ثالثاً، إحداث خلية استراتيجية وطنية للاستشراف الاقتصادي والتنافسية تتولى الرصد والتحليل والتوقع، وتقديم المقترحات الاستباقية لمواجهة التحولات الاقتصادية العالمية، حتى ينتقل المغرب من منطق تدبير الأزمات إلى منطق صناعة الفرص واستباق التحديات.
إن الغاية النهائية لهذا المفتاح لا تتمثل فقط في تحسين المؤشرات الاقتصادية، بل في بناء اقتصاد وطني أكثر إنتاجية وقدرة على خلق الثروة وفرص الشغل. ولذلك يلتزم التعاقد الحركي بالعمل على مضاعفة عدد المقاولات المصدرة من 6000 إلى 12000 مقاولة، ورفع مساهمة المقاولات الصغرى والمتوسطة في التصدير والاستثمار، وجعل الاقتصاد الوطني رافعة أساسية لخفض البطالة وتحقيق التنمية المستدامة.
فالثروة لا تُوزع قبل أن تُنتج، والعدالة الاجتماعية لا تستقيم دون عدالة اقتصادية، والمغرب الذي نطمح إليه هو مغرب يخلق الفرص لأبنائه قبل أن يطلب منهم انتظارها. ومن هنا يبدأ بناء اقتصاد وطني قوي: اقتصاد منتج، تنافسي، مبتكر، ومنفتح على العالم، لكنه مرتبط أولاً بخدمة المواطن المغربي وتحسين جودة حياته.
المفتاح الثالث: العدالة الصحية وبناء منظومة علاجية فعالة ومنصفة
تُقاس قوة الدول بما توفره لمواطنيها من تعليم وصحة وعدالة. وإذا كان التعليم يصنع المستقبل، فإن الصحة تحمي الحاضر وتضمن استمرارية الحياة الكريمة. لذلك لم يعد إصلاح المنظومة الصحية مجرد مطلب قطاعي، بل أصبح أحد أهم رهانات الدولة الاجتماعية الحديثة.
ورغم المجهودات الكبيرة التي بذلتها المملكة خلال السنوات الأخيرة، وخاصة في ورش تعميم الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية، فإن الواقع ما يزال يكشف عن مجموعة من الاختلالات التي تؤثر بشكل مباشر على جودة الخدمات الصحية وعلى ثقة المواطن في المنظومة العلاجية.
فالمغرب ما يزال يعاني من خصاص مهم في الموارد البشرية الصحية مقارنة بالمعايير الدولية، كما أن الفوارق المجالية في توزيع الأطباء والتجهيزات والمؤسسات الصحية تجعل الولوج إلى العلاج متفاوتاً بين المدن والقرى وبين الجهات. ويضاف إلى ذلك طول آجال المواعيد الطبية، وتعقيد مساطر التعويض، وارتفاع تكاليف العلاج بالنسبة لعدد من الأسر، وهو ما يجعل المرض في كثير من الأحيان عبئاً اجتماعياً واقتصادياً فوق كونه معاناة صحية.
وتزداد حدة هذه الإشكالات عندما يجد المواطن نفسه مضطراً إلى التنقل مئات الكيلومترات للحصول على خدمة صحية متخصصة، أو الانتظار أشهراً لإجراء فحص أو عملية جراحية، أو الدخول في مساطر إدارية معقدة لاسترجاع مصاريف العلاج. وهي أوضاع تتنافى مع فلسفة الدولة الاجتماعية التي تجعل الإنسان محور السياسات العمومية وغايتها الأساسية.
ومن هذا المنطلق، يعتبر التعاقد الحركي أن إصلاح الصحة لا ينبغي أن يقتصر على توسيع التغطية الصحية، بل يجب أن يمتد إلى ضمان الولوج الفعلي والسريع والعادل إلى العلاج، لأن الحق في الصحة لا يكتمل بمجرد الحصول على بطاقة التأمين، بل يتحقق عندما يحصل المواطن على العلاج المناسب في الوقت المناسب وبالجودة المطلوبة.
ولهذا يقترح المفتاح الثالث ثلاثة مداخل إصلاحية متكاملة
أولا، إرساء منظومة صحية رقمية وطنية متكاملة تقوم على رقمنة مختلف الخدمات الصحية والملفات الطبية والإجراءات الإدارية، بما يسمح بتسريع الولوج إلى العلاج، وتحسين التنسيق بين مختلف المؤسسات الصحية، وتقليص الزمن الضائع بين التشخيص والعلاج. فالرقمنة لم تعد خياراً تقنياً، بل أصبحت ضرورة لضمان النجاعة والشفافية وجودة الخدمة.
ثانيا، اعتماد نظام الأداء المباشر للخدمات الصحية، بحيث يؤدي المواطن فقط الجزء غير المشمول بالتغطية الصحية، بينما تتم تسوية باقي المستحقات مباشرة بين هيئات التأمين ومقدمي الخدمات الصحية. ويهدف هذا الإجراء إلى إنهاء معاناة المواطنين مع مساطر التعويض الطويلة والمعقدة، والتخفيف من الأعباء المالية التي تتحملها الأسر عند المرض.
ثالثا، إعادة هيكلة منظومة الاستفادة من التأمين الصحي عبر فتح المجال أمام مزيد من الفاعلين وتبسيط شروط الولوج، مع مراجعة آليات الاستهداف الاجتماعي للفئات الهشة، بما يضمن وصول الدعم والحماية إلى مستحقيهما الحقيقيين، بعيداً عن الاختلالات التي أفرزتها بعض النظم المعتمدة سابقاً.
ويحدد التعاقد الحركي لهذا المفتاح أهدافاً وطنية واضحة تتمثل في تحقيق تغطية صحية فعلية بنسبة 100%، وتقليص آجال الانتظار للحصول على الخدمات الصحية المتخصصة إلى أقل من النصف، وضمان الولوج المتكافئ إلى العلاج بين مختلف الجهات والأقاليم، مع الرفع التدريجي من نسبة الأطر الصحية لكل ألف نسمة بما يقرب المغرب من المعايير الدولية المعتمدة.
إن الصحة ليست خدمة إدارية تقدمها الدولة للمواطن، بل هي حق إنساني أصيل، وأحد أهم شروط الكرامة والاستقرار والتنمية. ولذلك فإن نجاح أي نموذج تنموي يقاس بقدرته على حماية صحة مواطنيه قبل أي شيء آخر.
فحين يطمئن المواطن على صحته، وعلى صحة أبنائه ووالديه، يشعر بأن الدولة قريبة منه، وأن التنمية ليست مجرد أرقام في التقارير، بل واقع يلامس حياته اليومية. ومن هنا يبدأ بناء الثقة الجديدة بين المواطن والمؤسسات: من مستشفى يحفظ الكرامة، ومن طبيب متاح للجميع، ومن منظومة صحية تجعل العلاج حق لا امتيازاً.
المفتاح الرابع: تحصين الأسرة المغربية وتجديد منظومة القيم وترسيخ تمغربيت
ليست قوة الأمم في اقتصادها وحده، ولا في مؤسساتها فقط، بل في قدرتها على المحافظة على تماسكها القيمي والاجتماعي عبر الأجيال. فحين تضعف الأسرة، وتضطرب منظومة القيم، وتغيب القدوة، يصبح المجتمع أكثر عرضة للتفكك والاغتراب وفقدان الثقة في ذاته وفي مستقبله.
لقد عرف المغرب خلال العقود الأخيرة تحولات اجتماعية وثقافية عميقة فرضتها العولمة الرقمية، وتغير أنماط العيش، وتسارع وسائل التواصل الحديثة. وهي تحولات حملت معها فرصاً كبيرة للانفتاح والتطور، لكنها حملت أيضاً تحديات جديدة مست الأسرة المغربية ومنظومة القيم المشتركة التي شكلت على الدوام أحد أهم عناصر استقرار المجتمع المغربي ووحدته.
ففي الوقت الذي تواجه فيه الأسرة ضغوطاً اقتصادية واجتماعية متزايدة، تتراجع أدوار التأطير والتوجيه أحياناً أمام التأثير المتنامي للفضاءات الرقمية المفتوحة، كما تتعرض الهوية الثقافية الوطنية لموجات متلاحقة من الاستلاب والتقليد وفقدان المرجعيات. ويزداد الأمر تعقيداً عندما تصبح النماذج السطحية أكثر حضوراً من نماذج العلم والعمل والنجاح والإبداع.
إن الأزمة هنا ليست أزمة أرقام فقط، بل أزمة معنى أيضاً. فالمجتمعات لا تنهض بالاقتصاد وحده، وإنما تنهض عندما تمتلك منظومة قيمية متماسكة تمنحها القدرة على مواجهة التحولات دون أن تفقد شخصيتها وهويتها.
ومن هذا المنطلق، يعتبر التعاقد الحركي أن الأسرة ليست مجرد وحدة اجتماعية، بل هي المؤسسة الأولى لصناعة المواطن الصالح، وأن قيم تمغربيت ليست مجرد شعار ثقافي، بل هي الإطار الحضاري الذي يجمع المغاربة على اختلاف مشاربهم ومناطقهم ولغاتهم داخل مشروع وطني واحد.
ولهذا يقترح المفتاح الرابع ثلاثة مداخل إصلاحية متكاملة
أولاً، تعزيز دور الأسرة في التنشئة والتأطير وحماية القيم من خلال تطوير برامج التوعية الأسرية والدعم النفسي والتربوي، وتمكين الأسرة المغربية من الوسائل الضرورية لمواجهة التحديات الجديدة المرتبطة بالتربية والتنشئة في العصر الرقمي. فالأسرة القوية هي أساس المجتمع القوي.
ثانياً، بناء صناعة ثقافية مغربية بمعايير دولية تجعل من الثقافة الوطنية رافعة للتنمية والهوية والإشعاع الحضاري. فالمغرب يمتلك رصيداً حضارياً ولغوياً وفنياً وإنسانياً غنياً، لكنه يحتاج إلى تحويل هذا الرصيد إلى قوة ناعمة قادرة على المنافسة والإبداع والتأثير داخل الوطن وخارجه.
ثالثاً، صناعة القدوة وإبراز النماذج المغربية الناجحة في مختلف المجالات العلمية والاقتصادية والثقافية والرياضية والاجتماعية. فالأمم التي تحتفي بالنجاح تخلق النجاح، والمجتمعات التي تقدم لأبنائها نماذج إيجابية تمنحهم أسباب الطموح والثقة والإبداع.
ويحدد التعاقد الحركي لهذا المفتاح هدفاً استراتيجياً يتمثل في تعميم برامج التأطير الأسري والتربية على القيم في مختلف جهات المملكة، وتعزيز حضور الإنتاج الثقافي الوطني داخل الفضاء العمومي والإعلامي، وتحويل ثقافة القدوة إلى سياسة عمومية مستدامة تساهم في بناء أجيال أكثر ارتباطاً بهويتها وأكثر انفتاحاً على العصر.
كما يطمح هذا المفتاح إلى جعل الثقافة والأسرة شريكين أساسيين في التنمية الوطنية، باعتبار أن التنمية ليست فقط بناء طرق ومصانع ومؤسسات، بل هي أيضاً بناء الإنسان القادر على حماية مكتسبات وطنه وصناعة مستقبله.
إن تمغربيت ليست مجرد إرث تاريخي، بل مشروع حضاري متجدد. والأسرة ليست مجرد إطار للعيش المشترك، بل المدرسة الأولى للمواطنة والانتماء. وحين نحمي الأسرة ونقوي الثقافة ونصنع القدوة، فإننا لا نحافظ فقط على المجتمع، بل نؤسس لمغرب أكثر تماسكاً وثقة وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.
فالأوطان تُبنى بالاقتصاد، لكنها تستمر بالقيم. والقيم تولد دائماً من الأسرة.
المفتاح الخامس: ثورة تربوية لبناء الرأسمال البشري والقضاء على الأمية والهدر المدرسي
إذا كانت الثروات الطبيعية تصنع قوة الدول في الحاضر، فإن التعليم يصنع قوتها في المستقبل. فالأمم التي تستثمر في الإنسان تكسب معركة التنمية قبل أن تبدأ، بينما تدفع الأمم التي تهمل التعليم أثماناً باهظة في الاقتصاد والمجتمع والاستقرار لعقود طويلة.
لقد جعل المغرب من إصلاح التعليم أولوية وطنية منذ الاستقلال، ورُصدت لهذا القطاع موارد مالية وبشرية مهمة، غير أن النتائج المحققة ما تزال دون مستوى الطموحات الوطنية والانتظارات المجتمعية. فالمعضلة لم تعد مرتبطة فقط بولوج المدرسة، بل أصبحت مرتبطة بجودة التعلمات، واستمرار التلاميذ في الدراسة، وقدرة المنظومة التربوية على إعداد المواطن لسوق الشغل وللحياة.
وتكشف المؤشرات الوطنية أن المغرب ما يزال يواجه تحدياً كبيراً في مجال محاربة الأمية، حيث تبلغ نسبة الأمية حوالي 24.8% من السكان الذين تفوق أعمارهم عشر سنوات، أي ما يقارب ربع المجتمع المغربي. وهو رقم لا ينسجم مع طموحات دولة تسعى إلى الولوج إلى مجتمع المعرفة والاقتصاد الرقمي.
كما أن الهدر المدرسي ما يزال يمثل نزيفاً حقيقياً للرأسمال البشري الوطني، إذ يغادر مئات الآلاف من التلاميذ مقاعد الدراسة سنوياً قبل استكمال تعليمهم، وهو ما يحرم الاقتصاد الوطني من طاقات بشرية كان يمكن أن تتحول إلى كفاءات ومنتجين ومبدعين.
إن أخطر ما في الأمية والهدر المدرسي أنهما لا يصنعان فقط الفقر، بل يعيدان إنتاجه جيلاً بعد جيل. فكل طفل يغادر المدرسة مبكراً يصبح أكثر عرضة للبطالة والهشاشة والإقصاء الاجتماعي، وكل أمي يُحرم من المعرفة يُحرم في الوقت نفسه من جزء من مواطنته ومن فرص اندماجه الاقتصادي والاجتماعي.
ومن هذا المنطلق، يعتبر التعاقد الحركي أن معركة التعليم ليست معركة قطاع وزاري، بل معركة وطن بأكمله، وأن المدرسة ليست مجرد مؤسسة عمومية، بل هي مصنع المستقبل وورش بناء الإنسان المغربي.
ولهذا يقترح المفتاح الخامس ثلاثة مداخل إصلاحية استراتيجية
أولا، إطلاق حملة وطنية شاملة لمحو الأمية تحت شعار “مسيرة النور”، باعتبار أن المعرفة حق لكل مواطن ومواطنة، وأن الأمية لم تعد مجرد إشكال اجتماعي بل أصبحت عائقاً أمام التنمية الاقتصادية والرقمية والثقافية. وتستهدف هذه المبادرة تعبئة مختلف الفاعلين العموميين والمدنيين والمؤسسات التعليمية والجامعية من أجل خفض الأمية بشكل تدريجي وصولاً إلى القضاء عليها نهائياً.
ثانيا، اعتماد مبدأ “الجامعة للجميع” من خلال توسيع فرص الولوج إلى التعليم العالي، وتعزيز التكوين المستمر، وإقرار نظام للتصديق على المكتسبات المهنية والخبرات العملية، حتى لا يبقى الارتقاء العلمي حكراً على مسار دراسي تقليدي، بل يصبح حقاً متاحاً لكل من يمتلك الإرادة والكفاءة والخبرة.
ثالثا، تكريس حرية اختيار لغة التدريس في إطار رؤية تربوية متوازنة تجعل من اللغات أدوات للمعرفة والانفتاح والتنافسية، دون أن تتحول إلى عائق أمام التحصيل العلمي أو الاندماج المهني أو الحفاظ على الهوية الوطنية.
ويحدد التعاقد الحركي لهذا المفتاح هدفين استراتيجيين غير مسبوقين في تاريخ السياسات التعليمية الوطنية:
* خفض نسبة الأمية من حوالي 24.8% إلى 0%.
* خفض نسبة الهدر المدرسي إلى 0% وتحقيق مدرسة تستوعب جميع الأطفال وتحافظ عليهم إلى نهاية مسارهم التعليمي الإلزامي.
كما يهدف إلى جعل التعليم رافعة أساسية لتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وإلى تحويل المدرسة المغربية من فضاء لتلقي المعارف فقط إلى فضاء لصناعة الكفاءات والابتكار والمواطنة.
إن الرهان الحقيقي ليس بناء المزيد من المؤسسات التعليمية فقط، بل بناء أجيال قادرة على التفكير والإبداع والإنتاج. فكل درهم يُستثمر في التعليم يوفر على الدولة أضعافه في محاربة البطالة والفقر والهشاشة مستقبلاً.
وحين ننجح في تحقيق صفر أمية وصفر هدر مدرسي، فإننا لا نحقق مجرد مؤشرين إحصائيين، بل نضع الأساس الصلب لمغرب المعرفة، ومغرب العدالة الاجتماعية، ومغرب الفرص المتكافئة.
فالأمم التي تريد أن تربح المستقبل،تبدأ أولاً من المدرسة.
المفتاح السادس: تمكين الشباب وبناء اقتصاد الفرص من أجل خفض البطالة إلى أقل من 9.9%
لا توجد ثروة وطنية أكبر من الشباب، ولا يوجد استثمار أكثر ربحية من الاستثمار في طاقاتهم وقدراتهم وأحلامهم. فالشباب ليس مجرد فئة اجتماعية ضمن مكونات المجتمع، بل هو القوة المنتجة للمستقبل، والمحرك الحقيقي للتنمية، والجسر الذي تعبر عليه الأمم نحو التقدم والازدهار.
غير أن المفارقة المؤلمة التي يعيشها المغرب اليوم تتمثل في أن الفئة الأكثر قدرة على العطاء والإبداع هي نفسها الفئة الأكثر معاناة من البطالة والهشاشة وفقدان الأمل. فوفق المؤشرات الوطنية الأخيرة، يبلغ معدل البطالة حوالي 13.3% على المستوى الوطني، بينما ترتفع النسبة بشكل أكبر في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، لتتحول البطالة من مجرد مؤشر اقتصادي إلى معضلة اجتماعية ونفسية وتنموية تهدد التماسك الاجتماعي وتستنزف الرأسمال البشري الوطني.
ولا تتجلى خطورة البطالة فقط في فقدان الدخل، بل في ما تخلقه من إحساس بالإقصاء وانعدام الجدوى وتأجيل مشاريع الحياة لدى آلاف الشباب. فكل شاب عاطل عن العمل هو مشروع طاقة معطلة، وكل كفاءة لا تجد فرصتها هي خسارة مباشرة للوطن.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن محاربة البطالة لا تتم عبر التوظيف العمومي وحده، ولا عبر الحلول الظرفية والمؤقتة، وإنما عبر بناء منظومة متكاملة تفتح أبواب المبادرة والإنتاج والابتكار أمام الشباب، وتجعلهم شركاء في التنمية بدل أن يكونوا مجرد متلقين لنتائجها.
ومن هذا المنطلق، يعتبر التعاقد الحركي أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في خلق مناصب شغل جديدة، بل في بناء مجتمع الفرص الذي يسمح لكل شاب بأن يجد مكانه الطبيعي داخل الدورة الاقتصادية والاجتماعية.
ولهذا يقترح المفتاح السادس ثلاثة مداخل إصلاحية استراتيجية
أولا، إعادة تأهيل دور الشباب والفضاءات العمومية وتحويلها إلى مراكز للتكوين والتأطير والابتكار وريادة الأعمال. فهذه المؤسسات ينبغي أن تتحول من فضاءات تقليدية محدودة الأدوار إلى منصات حقيقية لصناعة الكفاءات واكتشاف المواهب ومواكبة المشاريع الشبابية.
ثانيا، إحداث منظومة وطنية لمواكبة الكفاءات الشابة وربط التكوين بسوق الشغل، عبر تعزيز التوجيه المهني والتكوين المستمر وتشجيع المبادرة الذاتية والمقاولة الناشئة. فالمغرب يحتاج إلى اقتصاد يصنع فرص العمل بقدر ما يحتاج إلى شباب قادر على اغتنامها وصناعتها.
ثالثاً، إطلاق برنامج وطني للفرصة الثانية يستهدف الشباب الذين انقطعوا عن الدراسة أو تعثر اندماجهم المهني، من خلال توفير مسارات جديدة للتكوين والتأهيل والإدماج الاقتصادي، حتى لا يتحول التعثر المؤقت إلى إقصاء دائم.
ويضع التعاقد الحركي لهذا المفتاح هدفاً وطنياً واضحاً وقابلاً للقياس يتمثل في خفض معدل البطالة من 13.3% إلى أقل من 9.9% خلال أفق البرنامج، عبر خلق دينامية اقتصادية جديدة ترتكز على الاستثمار المنتج، ومضاعفة عدد المقاولات المصدرة، وتشجيع الاقتصاد الرقمي والصناعات المبتكرة والاقتصاد الأخضر.
كما يهدف إلى تمكين الشباب من ولوج أفضل إلى سوق الشغل، وتقليص الفجوة بين التكوين والتشغيل، وتعزيز حضورهم في مختلف دوائر القرار والإنتاج والإبداع.
إن الشباب لا يحتاج إلى الشفقة، بل إلى الثقة. ولا يحتاج إلى الخطابات بقدر ما يحتاج إلى الفرص. فالأمم التي تمنح شبابها فرصة الحلم والعمل هي الأمم التي تضمن مستقبلها، أما الأمم التي تترك طاقاتها معطلة فإنها تؤجل تنميتها وتراكم أزماتها.
وحين ننجح في خفض البطالة إلى أقل من 9.9%، فإننا لا نحقق مجرد هدف اقتصادي، بل نعيد الأمل إلى مئات الآلاف من الأسر المغربية، ونفتح أبواب المستقبل أمام جيل كامل يستحق أن يكون شريكاً في بناء المغرب الذي نريده جميعاً: مغرب الفرص، ومغرب الكرامة، ومغرب الثقة في الغد.
المفتاح السابع: العدالة المجالية وبناء مغرب التوازن الترابي
لا يمكن لوطن أن يبلغ كامل قوته إذا كانت التنمية تتحرك بسرعتين، ولا يمكن لمشروع وطني أن يحقق العدالة إذا ظل مكان ميلاد المواطن أو محل إقامته يحدد مسبقاً فرصه في التعليم والصحة والشغل والاستثمار.
لقد استطاع المغرب خلال العقود الأخيرة أن يحقق تقدماً مهماً في البنيات التحتية والتجهيزات الأساسية، غير أن الفوارق المجالية ما تزال تشكل أحد أبرز التحديات التي تواجه النموذج التنموي الوطني. فما تزال بعض الجهات والأقاليم تستقطب الجزء الأكبر من الاستثمارات وفرص الشغل والخدمات العمومية، بينما تستمر مناطق أخرى، خصوصاً في العالم القروي والمجالات الجبلية، في مواجهة تحديات مرتبطة بفك العزلة وضعف الاستثمار وندرة فرص التشغيل.
وتكشف المؤشرات الوطنية أن نسب الفقر والهشاشة والبطالة والانقطاع الدراسي تكون في الغالب أعلى بالمناطق القروية والجبلية مقارنة بالمجالات الحضرية الكبرى. كما أن تفاوت الولوج إلى الخدمات الصحية والتعليمية والبنيات الأساسية ينعكس بشكل مباشر على جودة الحياة وعلى تكافؤ الفرص بين المواطنين.
إن أخطر ما تفرزه الفوارق المجالية ليس فقط التفاوت في التنمية، بل الشعور بعدم الإنصاف. فحين يشعر المواطن بأن فرصه في النجاح مرتبطة بجغرافيته أكثر من كفاءته، تتحول التنمية من مشروع وطني جامع إلى تجربة غير متوازنة في توزيع ثمار النمو.
ومن هذا المنطلق، يعتبر التعاقد الحركي أن العدالة المجالية ليست مجرد سياسة عمومية قطاعية، بل هي فلسفة تنموية متكاملة تجعل من التوازن الترابي أساساً للاستقرار الاجتماعي والوحدة الوطنية والتنمية المستدامة.
ولهذا يقترح المفتاح السابع ثلاثة مداخل إصلاحية استراتيجية
أولاً، إحداث أقطاب اقتصادية كبرى جديدة خارج المراكز التقليدية للاستثمار، بما يضمن توزيعاً أكثر توازناً للأنشطة الاقتصادية والصناعية والخدماتية بين مختلف جهات المملكة. فالاستثمار حين يتمركز في مناطق محدودة يخلق الثروة في مكان ويخلق الهجرة والضغط الاجتماعي في أماكن أخرى.
ثانياً، بناء أقطاب تنموية للمدن والمراكز القروية الصاعدة عبر توفير البنيات الأساسية والخدمات العمومية ومناخ الاستثمار، حتى تتحول هذه المجالات إلى فضاءات جاذبة للسكان والمقاولات بدل أن تبقى مناطق طاردة للطاقات والكفاءات.
ثالثاً، إطلاق برامج خاصة بالمجالات الجبلية والمناطق الأكثر هشاشة تأخذ بعين الاعتبار خصوصياتها الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية، وتوفر لها آليات تمويل وتنمية تتناسب مع احتياجاتها الحقيقية، بعيداً عن المقاربات الموحدة التي لا تراعي اختلاف المجالات.
ويضع التعاقد الحركي لهذا المفتاح هدفاً وطنياً يتمثل في تقليص الفوارق المجالية بنسبة لا تقل عن 50% خلال أفق البرنامج، من خلال ضمان توزيع أكثر عدالة للاستثمار العمومي، وتحسين مؤشرات الولوج إلى التعليم والصحة والبنيات الأساسية وفرص الشغل في مختلف الجهات.
كما يهدف إلى رفع مساهمة العالم القروي والمجالات الجبلية في الدورة الاقتصادية الوطنية، وتحويلها من مجالات مستهلكة للتنمية إلى مجالات منتجة للثروة والقيمة المضافة.
إن المغرب ليس مجرد مجموعة من المدن الكبرى، بل هو شبكة متكاملة من القرى والجبال والواحات والسهول والمدن المتوسطة والكبيرة. وقوة الوطن لا تقاس بما تحققه جهة واحدة من نمو، بل بما تحققه جميع جهاته من توازن وإنصاف وتكامل.
فحين تصل التنمية إلى آخر دوار في الجبل، وإلى أبعد قرية في البادية، وإلى كل جهة من جهات المملكة بنفس الروح ونفس الإرادة، يصبح الانتماء الوطني أكثر قوة، وتصبح التنمية أكثر استدامة، وتصبح العدالة المجالية حقيقة يعيشها المواطن لا شعاراً يقرأه في الوثائق.
إن مغرب المستقبل الذي تؤمن به الحركة الشعبية ليس مغرب المركز والهامش، بل مغرب التوازن الترابي، حيث تكون الجغرافيا فرصة للتنمية لا سبباً للتهميش، وحيث يشعر كل مواطن، أينما كان، بأنه شريك كامل في الوطن وفي ثرواته و في مستقبله.
المفتاح الثامن: تفعيل الأمازيغية كرافعة للوحدة الوطنية والتنمية الثقافية والمجالية
ليست الأمازيغية مجرد لغة من لغات المغرب، ولا مجرد مكون من مكونات هويته المتعددة، بل هي أحد الجذور العميقة التي تشكل الشخصية الحضارية للأمة المغربية. فمنذ قرون طويلة، ساهمت الأمازيغية، إلى جانب العربية وروافد الهوية المغربية الأخرى، في بناء نموذج فريد من التعايش والتنوع والوحدة، جعل من المغرب استثناءً حضارياً داخل محيطه الإقليمي والدولي.
وقد شكل ترسيم الأمازيغية في دستور المملكة لسنة 2011 محطة تاريخية في مسار الإنصاف اللغوي والثقافي، كما شكل صدور القانون التنظيمي المتعلق بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية خطوة مؤسساتية مهمة نحو تنزيل هذا الاختيار الدستوري. غير أن المسافة بين الاعتراف القانوني والتفعيل الفعلي ما تزال تحتاج إلى جهود أكبر وإرادة أقوى وتسريع وتيرة التنزيل.
فبعد أكثر من عقد على دسترة الأمازيغية، ما يزال حضورها داخل الإدارة العمومية والمؤسسات والخدمات العمومية متفاوتاً، كما أن تدريسها لم يبلغ بعد المستوى الذي ينسجم مع مكانتها الدستورية. وتبقى وضعية عدد من الأطر التربوية المتخصصة في تدريس الأمازيغية من بين الإشكالات التي تستوجب حلولاً عملية وعادلة تضمن الاستقرار المهني وتحسن جودة التعليم.
وفي المقابل، ما تزال الإمكانات الاقتصادية والثقافية والتنموية المرتبطة بالمجالات الأمازيغية غير مستثمرة بالشكل الكافي، رغم ما تزخر به من مؤهلات سياحية وثقافية وبيئية وتراثية قادرة على خلق الثروة وفرص الشغل وتعزيز التنمية المحلية.
إن التعاقد الحركي ينطلق من قناعة راسخة مفادها أن الأمازيغية ليست قضية فئة أو منطقة، بل قضية وطنية جامعة، وأن تفعيلها ليس مجرد استجابة لالتزام دستوري، بل استثمار في وحدة المغرب وتنوعه وغناه الحضاري.
ولهذا يقترح المفتاح الثامن ثلاثة مداخل إصلاحية مترابطة
أولاً، تسوية وضعية أساتذة الأمازيغية وتعزيز إدماجها في المنظومة التعليمية من خلال توفير الموارد البشرية الكافية، وتسريع تعميم تدريسها بمختلف مستويات التعليم، بما يضمن المساواة اللغوية والإنصاف التربوي ويعزز مكانة الأمازيغية داخل المدرسة المغربية.
ثانياً، تحويل الأمازيغية إلى رافعة للإنتاج الثقافي والإبداعي عبر دعم الصناعات الثقافية والفنية والإعلامية المرتبطة بها، وتشجيع الإنتاج الأدبي والسينمائي والمسرحي والرقمي باللغة الأمازيغية، حتى تصبح الثقافة الأمازيغية جزءاً فاعلاً من الاقتصاد الثقافي الوطني.
ثالثاً، ربط التنمية المحلية بالمقومات اللغوية والثقافية للمجالات الأمازيغية من خلال تثمين التراث المادي واللامادي، وتشجيع السياحة الثقافية والإيكولوجية، ودعم المشاريع الاقتصادية المرتبطة بالخصوصيات المحلية، بما يجعل الهوية رافعة للتنمية لا مجرد عنصر من عناصر الذاكرة الجماعية.
ويضع التعاقد الحركي لهذا المفتاح هدفاً استراتيجياً يتمثل في بلوغ نسبة 100% من تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية داخل الإدارات والمؤسسات العمومية والخدمات الأساسية خلال أفق البرنامج، مع تعميم تدريسها تدريجياً وتوسيع حضورها في الفضاء العمومي والإعلامي والثقافي.
كما يهدف إلى جعل الأمازيغية شريكاً أساسياً في التنمية الترابية، وخاصة بالمجالات الجبلية والقروية التي تشكل عمقها التاريخي والحضاري، بما يساهم في خلق فرص جديدة للتنمية والتشغيل والاستثمار.
إن قوة المغرب لم تكن يوماً في إلغاء تنوعه، بل في قدرته على تحويل هذا التنوع إلى مصدر للوحدة والقوة والإبداع. والأمازيغية، بما تحمله من تاريخ وقيم وذاكرة جماعية، ليست فقط لغة يجب حمايتها، بل طاقة وطنية يجب استثمارها.
فحين تصبح الأمازيغية حاضرة في المدرسة والإدارة والثقافة والتنمية، فإن المغرب لا يحقق فقط مقتضى دستورياً، بل يعزز أحد أعمدة هويته الوطنية الجامعة، ويؤكد مرة أخرى أن الوحدة الحقيقية لا تُبنى على التشابه، بل على الاعتراف المتبادل والاندماج الخلاق بين جميع مكونات الأمة.
إن تفعيل الأمازيغية ليس عودة إلى الماضي، بل استثمار في المستقبل؛ مستقبل مغربي متوازن، متصالح مع ذاته، وفخور بكل روافده الحضارية.
المفتاح التاسع: السكن الكريم وجودة العيش وبناء المدينة المغربية المتوازنة
لا يختزل السكن في جدران وسقف يؤوي الأسرة، بل يمثل أحد أهم شروط الكرامة الإنسانية والاستقرار الاجتماعي. فحين يمتلك المواطن سكناً لائقاً، فإنه لا يحصل فقط على فضاء للعيش، بل يحصل على الشعور بالأمان والانتماء والاستقرار، وهي مقومات أساسية لأي مشروع تنموي ناجح.
ورغم الجهود التي بذلتها المملكة خلال العقود الأخيرة في مجال محاربة السكن غير اللائق وتوسيع العرض السكني، فإن تحديات جديدة برزت بفعل التحولات الديمغرافية والاجتماعية والاقتصادية التي يعرفها المغرب. فقد أدى ارتفاع أسعار العقار ومواد البناء وكلفة التمويل إلى صعوبة الولوج إلى السكن بالنسبة لفئات واسعة من الشباب والطبقة الوسطى، كما أن العالم القروي ما يزال يعاني من خصاص واضح في البرامج السكنية الموجهة لخصوصياته المجالية والاجتماعية.
وفي الوقت نفسه، لم تعد جودة الحياة داخل المدن تقاس بعدد المساكن فقط، بل أصبحت ترتبط أيضاً بجودة النقل العمومي، والمساحات الخضراء، والخدمات الصحية والتعليمية، ومستويات الأمن، وجودة البيئة، وسهولة الولوج إلى المرافق العمومية. فالمواطن اليوم لا يبحث فقط عن منزل، بل يبحث عن بيئة متكاملة للعيش الكريم.
كما أن التوسع العمراني السريع الذي عرفته العديد من المدن المغربية خلال السنوات الأخيرة أفرز تحديات جديدة مرتبطة بالضغط على البنيات التحتية والخدمات الأساسية، وهو ما جعل سؤال “جودة العيش” يحتل مكانة متقدمة ضمن أولويات المواطنين.
ومن هذا المنطلق، يعتبر التعاقد الحركي أن سياسة السكن لا ينبغي أن تنحصر في دعم اقتناء المساكن، بل يجب أن تتحول إلى سياسة شاملة تهدف إلى بناء فضاءات للعيش الكريم وتحقيق التوازن بين التنمية العمرانية والتنمية الاجتماعية.
ولهذا يقترح المفتاح التاسع ثلاثة مداخل إصلاحية متكاملة
أولاً، توسيع قاعدة المستفيدين من الدعم المباشر للسكن عبر مراجعة شروط الاستفادة وتبسيط المساطر الإدارية وتوجيه الدعم نحو الفئات الأكثر حاجة، بما يضمن تمكين أكبر عدد ممكن من الأسر المغربية من امتلاك سكن لائق يحفظ كرامتها ويعزز استقرارها الاجتماعي.
ثانياً، إحداث صندوق وطني خاص بالسكن القروي يستجيب للخصوصيات العمرانية والاجتماعية للعالم القروي، ويمكن الأسر القروية من الولوج إلى سكن آمن ومطابق لشروط السلامة والكرامة، مع الحفاظ على الخصوصيات المعمارية والثقافية للمجالات القروية والجبلية.
ثالثاً، إحداث المرصد الوطني لجودة العيش باعتباره آلية استراتيجية لرصد وتتبع مؤشرات النقل والصحة والتعليم والثقافة والأمن والبيئة والخدمات الأساسية، وربط السياسات العمومية بمستوى الرضا الفعلي للمواطنين عن ظروف عيشهم وجودة الخدمات المقدمة لهم.
ويضع التعاقد الحركي لهذا المفتاح هدفاً استراتيجياً يتمثل في تمكين جميع الأسر المغربية المستحقة من الولوج إلى سكن لائق وآمن، وتقليص العجز السكني إلى أدنى مستوياته، مع الرفع المستمر لمؤشرات جودة العيش داخل المدن والقرى على حد سواء.
كما يهدف إلى تقليص الفوارق بين المجالين الحضري والقروي في الولوج إلى السكن والخدمات الأساسية، وتحويل جودة الحياة إلى معيار رئيسي لتقييم السياسات العمومية وليس فقط عدد المشاريع المنجزة أو حجم الاستثمارات المخصصة.
إن السكن الكريم ليس امتيازاً تمنحه الدولة، بل حق أساسي من حقوق المواطنة. وجودة العيش ليست ترفاً اجتماعياً، بل شرطاً من شروط التنمية والاستقرار والعدالة المجالية.
فحين يتمكن الشاب من امتلاك سكنه، والأسرة من العيش في بيئة آمنة وصحية، والطفل من الاستفادة من خدمات عمومية ذات جودة، فإن التنمية تتحول من أرقام ومؤشرات إلى واقع ملموس يشعر به المواطن في تفاصيل حياته اليومية.
إن المغرب الذي تطمح إليه الحركة الشعبية ليس مغرب الإسمنت فقط، بل مغرب الإنسان؛ مغرب المدن التي توفر الكرامة، والقرى التي توفر الأمل، والسياسات التي تجعل من جودة العيش حقاً مشتركاً لكل المغاربة أينما وجدوا.
فالسكن الكريم هو بداية الاستقرار، وجودة العيش هي عنوان التنمية الحقيقية.
المفتاح العاشر: السيادة المناخية والأمن المائي من أجل تنمية مستدامة للأجيال القادمة
لم تعد التغيرات المناخية قضية بيئية تهم الخبراء والمتخصصين فقط، بل أصبحت واحدة من أكبر التحديات الاستراتيجية التي تواجه الدول والمجتمعات في القرن الحادي والعشرين. فالمناخ اليوم يؤثر في الأمن الغذائي، والأمن المائي، والاستقرار الاقتصادي، وفرص الشغل، والهجرة، والصحة، وجودة الحياة، بل أصبح عاملاً مؤثراً في الأمن القومي للدول.
وإذا كانت العديد من الدول تواجه آثار التغيرات المناخية، فإن المغرب يوجد في قلب هذا التحدي بحكم موقعه الجغرافي وخصائصه المناخية. فقد عرف البلد خلال السنوات الأخيرة توالياً غير مسبوق لموجات الجفاف، حيث شهد ما يقارب سبع سنوات متتالية من الإجهاد المائي وتراجع التساقطات، مما انعكس بشكل مباشر على الموارد المائية والإنتاج الفلاحي والأسعار وفرص الشغل في العالم القروي.
وتشير المعطيات الوطنية إلى أن حصة الفرد من الموارد المائية تراجعت من أكثر من 2500 متر مكعب سنوياً خلال ستينيات القرن الماضي إلى أقل من 600 متر مكعب حالياً، وهو ما يضع المغرب ضمن خانة الدول التي تعاني من الإجهاد المائي الحاد. كما أن التغيرات المناخية أصبحت تؤثر بشكل متزايد على التوازنات البيئية والاقتصادية، خاصة في المناطق القروية والجبلية الأكثر هشاشة.
إن أخطر ما في التغيرات المناخية أنها لا تهدد الحاضر فقط، بل تهدد مستقبل الأجيال القادمة. ولذلك فإن التعامل معها لم يعد خياراً سياسياً، بل أصبح ضرورة وطنية واستراتيجية.
ومن هذا المنطلق، يعتبر التعاقد الحركي أن الانتقال من تدبير آثار الأزمات المناخية إلى بناء السيادة المناخية الوطنية يشكل أحد أهم رهانات المغرب خلال العقود المقبلة. فالسيادة المناخية تعني قدرة الدولة على حماية مواردها الطبيعية وتأمين احتياجات مواطنيها والتكيف مع التحولات المناخية بأقل الخسائر الممكنة.
ولهذا يقترح المفتاح العاشر ثلاثة مداخل إصلاحية استراتيجية
أولاً، تعزيز سياسات التأقلم مع التغيرات المناخية والحد من المخاطر الطبيعية عبر تطوير برامج حماية الموارد المائية، وتحديث أنظمة الري، وتشجيع الزراعات المقاومة للجفاف، وتأهيل المناطق الأكثر عرضة للمخاطر المناخية. فالتأقلم لم يعد مجرد إجراء احترازي، بل أصبح شرطاً للاستمرار والتنمية.
ثانياً، تطوير الاقتصاد الدائري والاقتصاد الأخضر وتحويلهما إلى رافعة للتنمية وخلق فرص الشغل. فالنفايات يمكن أن تتحول إلى موارد، والطاقة النظيفة يمكن أن تصبح محركاً للنمو، والابتكار البيئي يمكن أن يفتح آفاقاً جديدة للاستثمار والإنتاج والتشغيل، خاصة في صفوف الشباب.
ثالثاً، إرساء منظومة وطنية متطورة للإنذار المبكر والاستباق المناخي تعتمد على الرقمنة والذكاء الاصطناعي والرصد العلمي المستمر، بما يسمح بالتدخل المبكر والحد من آثار الكوارث الطبيعية والخسائر الاقتصادية والبشرية المرتبطة بها.
ويضع التعاقد الحركي لهذا المفتاح أهدافاً وطنية واضحة تتمثل في تعزيز الأمن المائي الوطني، والرفع من قدرة المغرب على التأقلم مع التغيرات المناخية إلى أقصى المستويات الممكنة، وتقليص هشاشة المجالات الأكثر تأثراً بالجفاف والتصحر، وتوسيع مساهمة الاقتصاد الأخضر في خلق فرص الشغل والثروة.
كما يطمح إلى جعل المغرب نموذجاً إقليمياً في مجال التنمية المستدامة، من خلال الربط بين حماية البيئة وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، حتى لا تكون البيئة ضحية للتنمية، ولا تكون التنمية ضحية للبيئة.
إن معركة المناخ ليست معركة الطبيعة وحدها، بل هي معركة الإنسان أيضاً. فكل قطرة ماء يتم الحفاظ عليها هي استثمار في المستقبل، وكل شجرة تُغرس هي رسالة أمل للأجيال القادمة، وكل مشروع أخضر يُنجز هو خطوة نحو اقتصاد أكثر استدامة وعدالة.
وحين ينجح المغرب في تأمين موارده المائية، وتعزيز قدرته على مواجهة التحديات المناخية، وتحويل الاقتصاد الأخضر إلى مصدر للثروة وفرص الشغل، فإنه لا يحمي بيئته فقط، بل يحمي سيادته واستقراره ومستقبل أبنائه.
إن التنمية الحقيقية ليست تلك التي تستهلك موارد الغد لإشباع حاجات اليوم، بل تلك التي تحفظ حق الأجيال القادمة في العيش الكريم. ومن هنا يبدأ الطريق نحو مغرب مستدام، قوي بموارده، واثق في مستقبله ومتصالح مع بيئته.
خاتمة: من المفاتيح إلى صناعة المستقبل
ليست الأزمات قدراً محتوماً على الشعوب، كما أن التنمية ليست هبة تمنحها الظروف، بل هي نتيجة إرادة سياسية واضحة، ورؤية استراتيجية متبصرة، وتعاقد صادق بين الدولة والمجتمع. والتاريخ يعلمنا أن الأمم التي امتلكت الشجاعة لمواجهة أعطابها، هي نفسها الأمم التي استطاعت تحويل التحديات إلى فرص، والأزمات إلى بدايات جديدة.
إن المفاتيح العشر للتعاقد الحركي ليست مجرد عناوين قطاعية متفرقة، بل تشكل رؤية وطنية متكاملة تنطلق من الإنسان وتنتهي إليه. فهي تبدأ بحماية قدرته الشرائية، وتمر عبر بناء اقتصاد منتج للثروة وفرص الشغل، وإصلاح المنظومة الصحية، وتقوية الأسرة والقيم، وتأهيل المدرسة المغربية، وتمكين الشباب، وتحقيق العدالة المجالية، وتفعيل الأمازيغية، وضمان السكن الكريم، وصولاً إلى حماية الأمن المائي والسيادة المناخية.
وإذا كانت الأزمات التي يعيشها المغرب اليوم متعددة الأبعاد، فإن التعاقد الحركي يقدم بدوره استجابة متعددة الأبعاد، قائمة على أهداف واضحة ومؤشرات قابلة للقياس والمحاسبة. فالمطلوب ليس فقط تدبير الواقع، بل تغييره. وليس فقط التخفيف من الاختلالات، بل معالجتها من جذورها.
ومن هذا المنطلق، يلتزم التعاقد الحركي بالسعي إلى تحقيق أهداف وطنية كبرى، من بينها:
– مضاعفة عدد المقاولات المصدرة من 6000 إلى 12000 مقاولة.
– خفض معدل البطالة من 13.3% إلى أقل من 9.9%.
– بلوغ صفر أمية (0%).
– بلوغ صفر هدر مدرسي (0%).
– تحقيق تغطية صحية فعلية بنسبة 100%.
– تقليص الفوارق المجالية بما لا يقل عن 50%.
– تعميم التفعيل الفعلي للأمازيغية في مختلف المرافق والمؤسسات العمومية.
– ضمان الحق في السكن الكريم وتحسين مؤشرات جودة العيش.
– تعزيز الأمن المائي والقدرة الوطنية على التأقلم مع التغيرات المناخية.
غير أن هذه الوثيقة لا تدعي امتلاك جميع الأجوبة، ولا تقدم البرنامج الانتخابي التفصيلي للحركة الشعبية، وإنما تضع أمام المغاربة المفاتيح الكبرى للخروج من الأزمة، وتحدد الاتجاه الذي ينبغي أن تسير فيه السياسات العمومية خلال السنوات المقبلة. أما البرامج التنفيذية، والآليات العلمية، والمؤشرات القطاعية الدقيقة، ووسائل التمويل والتنزيل، فستشكل موضوع البرنامج الانتخابي الرسمي للحزب، الذي سيُعرض بكل وضوح وشفافية أمام المواطنات والمواطنين.
*لقد جاء الوقت* لأن ننتقل من سياسة تدبير الانتظارات إلى سياسة تحقيق الإنجازات، ومن منطق ردود الأفعال إلى منطق صناعة المستقبل، ومن الاكتفاء بتشخيص الأعطاب إلى الجرأة في تقديم البدائل.
*لقد جاء الوقت* لأن نستعيد الثقة في السياسة باعتبارها أداة للإصلاح لا مجالاً للصراع العقيم، وأن نستعيد الثقة في المواطن باعتباره شريكاً لا متلقياً، وأن نستعيد الثقة في المغرب باعتباره بلداً يملك من المؤهلات ما يجعله قادراً على تحقيق نهضة جديدة تليق بتاريخه وطموحات أبنائه.
إن الحركة الشعبية، وهي تقدم هذه المفاتيح العشر للتعاقد الحركي، لا تخاطب فقط الحاضر، بل تخاطب المستقبل. مستقبل مغرب قوي باقتصاده، عادل في تنميته، متوازن في مجالاته، معتز بهويته، منفتح على العالم، ومؤمن بأن الإنسان المغربي هو الثروة الحقيقية لهذا الوطن.
فالأوطان العظيمة لا تُبنى بالشعارات وحدها، بل تُبنى بالرؤية والإرادة والعمل.
*وجاء الوقت…*
*جاء الوقت* لنضع الإنسان في قلب التنمية.
*جاء الوقت* لنحول الطموحات إلى سياسات، والسياسات إلى نتائج، والنتائج إلى واقع يعيشه المواطن.
*وجاء الوقت* لتنزيل المفاتيح العشر للتعاقد الحركي… من أجل مغرب متوازن، منصف، مزدهر، وقادر على كسب رهانات المستقبل.
عضو المجلس الوطني للحزب ورئيس هيئة المتصرفيين الحركيين






تعليقات الزوار ( 0 )