لم يكن الجدل الذي أعقب عيد الأضحى لسنة 2026 مجرد نقاش عابر حول ارتفاع أسعار الأضاحي، بل أعاد إلى الواجهة سؤالا أعمق يتعلق بطبيعة التحولات التي عرفتها الدولة المغربية في علاقتها بالسوق.
وحين ارتفعت أسعار الأكباش إلى مستويات غير مسبوقة، وسيطر الوسطاء والمضاربون على مسالك البيع، وجد كثير من المغاربة أنفسهم يستحضرون مؤسسة تاريخية ظلت لقرون تؤدي وظيفة مزدوجة: ضبط المعاملات الاقتصادية وحماية الأخلاق العامة للسوق. إنها مؤسسة المحتسب.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط أين اختفى المحتسب؟ بل هل كان اختفاؤه نتيجة حتمية لتحول أوسع قادته النيوليبرالية؟
مع صعود اقتصاد السوق وتراجع تدخل الدولة المباشر في تنظيم الأسعار، جرى نقل اختصاصات الحسبة إلى مؤسسات تقنية وإدارية حديثة، وأصبحت حرية الأسعار والمنافسة هي الآلية الأساسية لتنظيم المبادلات الاقتصادية. غير أن التجربة كشفت أن السوق لا ينتج دائماً التوازن الموعود، بل قد يفتح المجال أمام أشكال جديدة من الاحتكار والمضاربة واستغلال حاجات المستهلكين.
لقد كان المحتسب، في الذاكرة التاريخية المغربية، أكثر من مجرد مراقب للأسعار والأوزان، كان يمثل سلطة أخلاقية تستمد مشروعيتها من المرجعية الدينية ومن فكرة حماية المصلحة العامة.
وكان حضوره يجسد نوعا من التوازن بين حرية التجارة وواجب حماية المجتمع من الجشع والغش والاحتكار.
أما اليوم، فقد أفرزت النيوليبرالية نموذجا جديدا يقوم على الثقة في آليات السوق أكثر من الثقة في الرقابة الاجتماعية والأخلاقية.
ونتيجة لذلك، لم يعد السؤال متعلقا بعودة المحتسب بصيغته التقليدية، بل بإمكانية استعادة فلسفته ووظيفته في إطار مؤسسات عصرية قادرة على التوفيق بين مقتضيات الاقتصاد الحر ومتطلبات العدالة الاجتماعية.
من هنا تبدو أزمة غلاء الأضاحي مناسبة لإعادة فتح نقاش أوسع حول مستقبل الضبط الاقتصادي في المغرب: هل يكفي الاحتكام إلى قوانين السوق وحدها؟ أم أن حماية المستهلك تقتضي إعادة الاعتبار لدور الدولة كحارس للمصلحة العامة، ولو بأدوات جديدة تستلهم روح المحتسب وإن تجاوزت شكله التاريخي؟




تعليقات الزوار ( 0 )