أبرز يونس السكوري، وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، على هامش أشغال المؤتمر العالمي السادس للقضاء على عمل الأطفال بمراكش، أن المغرب اعتمد مقاربة شمولية لمكافحة تشغيل الأطفال، لافتاً إلى أن نسبة الأطفال في وضعية عمل تراجعت بنحو 60 في المائة بين 2017 و2024، لتصل إلى أقل من 1.3 في المائة، مذكراً بملاءمة التشريعات الوطنية مع الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، ومنع تشغيل من هم دون 15 سنة، وتشديد المراقبة على الفئة ما بين 15 و18 سنة.
وفي المقابل، حذرت منظمات حقوقية من استمرار تشغيل الأطفال في قطاعات غير مهيكلة، معتبرة أن الظاهرة تعكس فجوة بين الخطاب والممارسة، وأن القوانين تظل محدودة الأثر دون تفعيل صارم ومحاسبة فعلية، وبينما يراهن المؤتمر العالمي السادس للقضاء على عمل الأطفال على تعزيز الالتزامات والتعاون الدولي، يبرز سؤال حول مدى قدرة هذه الدينامية على التحول إلى أثر ملموس في الأحياء الهامشية والورشات السرية، وحول ما إذا كانت المؤشرات المعلنة كافية لطمأنة المدافعين عن حقوق الطفولة بشأن نهاية فعلية لهذه الظاهرة.
-“خلل إحصائي”
يرى عز العرب لحلو، رئيس الجمعية الوطنية لحماية الطفولة، أن الحديث عن تراجع نسبة تشغيل الأطفال دون 15 سنة يطرح إشكالاً منهجياً قبل أن يكون نقاشاً رقمياً.
واعتبر لحلو في تصريح لجريدة “الشعاع”، أن هناك خلل بنيوي في النظام الإحصائي ذاته، يجعل من الصعب التسليم بثبات الأرقام المعلنة أو اعتبارها معبرة بدقة عن الواقع الميداني.
وأردف رئيس الجمعية الوطنية لحماية الطفولة، أن التصريح بأرقام عامة، بمعزل عن التحولات الاجتماعية والاقتصادية العميقة، لا يعكس الصورة الكاملة لما يجري في الشارع.
ولفت إلى أنه من خلال المعاينة اليومية التي تقوم بها الجمعية، يبرز واقع مختلف، حيث تتفاقم الظاهرة في أشكال جديدة وأكثر تعقيداًً.
وأوضح أن الطفل اليوم، لم يعد فقط عاملاً في ورشة أو ضيعة، بل أصبح يجمع بين الدراسة والعمل، أو بالأحرى بين الدراسة وأشكال من التسول المقنع الذي يقدم أحياناً باعتباره “نشاطاً تجارياً بسيطاً”.
وفي السياق ذاته، أبرز أن بيع المناديل الورقية أو الشوكولاتة في التقاطعات الطرقية، بالنسبة لهؤلاء الأطفال، يتحول إلى عمل يومي ينظر إليه كوسيلة “مساعدة” للأسرة.
وشدد على أن هؤلاء الأطفال، حين يتم التواصل معهم في حملات التحسيس، يجيبون غالباً بأنهم يتابعون دراستهم، معتبرًا أن هذا الجمع بين الدراسة والعمل يخفي هشاشة عميقة؛ فالطفل يعيش ضغطاً مزدوجاً بين متطلبات المدرسة وعبء إعالة الأسرة.
ويطرح المتحدث تساؤلاً ضمنياً حول مدى قدرة الإحصائيات الرسمية على رصد هذه الفئات، خصوصاً الأطفال الباعة المتجولين، متسائلاً عن إمكانية تقديم أرقام دقيقة بشأنهم.
-هشاشة اجتماعية
يربط رئيس الجمعية الوطنية لحماية الطفولة تفاقم الظاهرة بسياق اقتصادي واجتماعي متأزم، موضحاً أن الأزمة الاقتصادية، وتراجع القدرة الشرائية، كلها عوامل انعكست مباشرة على الأسرة المغربية، وأدت إلى انحدار في السلم الاجتماعي لمستويات واسعة من المجتمع، والنتيجة حسب قوله، أن الطفل أصبح يتحمل مسؤوليات تفوق سنه بكثير.
ووصف وضعية الطفل اليوم بأنه بات في حالات كثيرة “رب البيت”، إذ يخرج إلى الشارع بدافع الرغبة في مساعدة والدته تحديداً، في ظل غياب أو تراجع دور الأب، سواءً بسبب البطالة أو الإدمان أو التخلي عن المسؤولية.
وأردف رئيس الجمعية الوطنية لحماية الطفولة، أنه عندما يسأل الطفل عن سبب عمله، يجيب بأنه يريد مساعدة أمه، ما يعكس تحولاً خطيراً في بنية الأدوار داخل الأسرة.
وهذه المعطيات في نظره، تجعل من تشغيل الأطفال نتيجة مباشرة لاختلالات بنيوية، وليست مجرد حالات فردية معزولة، مشيراً إلى أن لطفل يوجد في قلب أزمة اجتماعية شاملة، ما يستدعي مقاربة تتجاوز المعالجة الظرفية إلى سياسات عمومية متكاملة تعالج جذور الهشاشة، وليس فقط مظاهرها.
-فراغ قانوني
على المستوى القانوني، يقر لحلو بوجود ترسانة زجرية واضحة تمنع تشغيل الأطفال، وتفرض غرامات مالية تتراوح بين 25 ألفاً و30 ألف درهم، مع مضاعفة العقوبات في حالة العود وإمكانية الحكم بالحبس من شهر إلى ثلاثة أشهر.
وذكَّر رئيس الجمعية الوطنية لحماية الطفولة، بأن القانون يمنع تشغيل من هم دون 18 سنة في حالات معينة، ويلزم المشغلين بالتصريح بالأجراء.
وغير أن الإشكال في تقديره، يكمن في التطبيق، مبرزاً أن العمل المنزلي مثلاً يجري في الخفاء، وغالباً ما يتم تبريره بادعاءات “التربية” أو “الكفالة”، دون أي سند قانوني واضح.
واستطرد قائلاً إنه عند مساءلة الأسر المشغلة، يكتفى بتبريرات جزئية تتجاهل حقيقة المخالفة، موضحاً أنه هنا تظهر فجوة بين النص القانوني والممارسة اليومية.
وأشار إلى أن الأمر ذاته ينطبق على الورشات التقليدية وميكانيك السيارات والوحدات الصناعية الصغيرة غير المهيكلة، حيث تغيب المراقبة الفعلية، لافتاً إلى محدودية عدد مفتشي الشغل مقارنة باتساع هذه القطاعات، إضافة إلى أن الزيارات لا تكون دائماً مفاجئة، ما يفقدها فعاليتها في ضبط المخالفات.
-حماية مفقودة
ينتقل لحلو إلى الحديث عن تجربة شخصية تجسد في نظره، حجم الفراغ القانوني الذي تعانيه وحدات حماية الطفولة، ففي إحدى عمليات الرصد، صادف حالة لطفلين يتراوح عمرهما بين 12 و14 سنة، جرى نقلهما داخل شاحنة تبريد دون تهوية، وبعد محاولة إيقاف السائق وتنبيهه إلى خطورة الوضع، تطورت الأمور إلى اعتداء ومحاولة دهس.
ويروي المتحدث تفاصيل الحادثة، مؤكداً أنه لولا تدخل متدربتين من السنغال كانتا ترافقان الفريق، لتعرض لأذى جسيم، حيث تطورت القضية إلى مسار قضائي انتهى ابتدائياً بغرامة قدرها 5000 درهم، مع تكييف الفعل باعتباره تخريب ممتلكات، رغم أن الخسائر المادية تجاوزت 37 ألف درهم، وفق الخبرة المنجزة.
وهذه الواقعة بحسب لحلو، تكشف هشاشة الوضع القانوني للعاملين في الميدان، فالعاملون في وحدات حماية الطفولة لا يتمتعون بصفة قانونية تخول لهم الولوج إلى الورشات أو إجراء المعاينات، ولا بحماية مؤسساتية تضمن سلامتهم، كما أن تكاليف التقاضي تبقى على عاتقهم الشخصي، في غياب دعم فعلي من الجهات المعنية.
-“مؤسسات شكلية”
يقر لحلو بأن إحداث 43 وحدة لحماية الطفولة على الصعيد الوطني خطوة إيجابية، غير أنها تظل في تقديره، ذات “قوة شكلية” ما لم تُدعَّم بالموارد البشرية واللوجستية الكافية.
وأبرز رئيس الجمعية الوطنية لحماية الطفولة، أن غياب وسائل التنقل يجعل من الصعب القيام بالرصد في مدن كبيرة، كما أن ضعف التعويضات المالية للعاملين يحد من استقطاب كفاءات مؤهلة.
وأشار إلى أن بعض الأطر، كالمساعدين الاجتماعيين، يتقاضون أجوراً دون الحد الأدنى، في حين لا يتجاوز تعويض الطبيب النفسي أو المستشار القانوني سقفاً متواضعاً، ما يعكس اختلالاً في ترتيب الأولويات، كما يثير مسألة غياب الحماية القانونية للعاملين، الذين قد يتعرضون للأذى دون أي غطاء رسمي.
وفي المقابل، يدعو لحلو إلى إحداث فرق شرطة متخصصة ومتنقلة في حماية الطفولة، تتوفر على الصفة القانونية للدخول إلى الورشات والمعاينة والرصد، سواءً في الشارع أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ويرى رئيس الجمعية الوطنية لحماية الطفولة، أن هذا الإجراء كفيل بتحرير وحدات الحماية من مهام المواجهة المباشرة، وتركها تركز على تسوية وضعيات الأطفال وإعادة إدماجهم.
-أولويات إصلاح
في أفق تحويل الالتزامات الدولية إلى حماية فعلية، يشير لحلو إلى مشروع الوكالة الوطنية لحماية الطفولة، معتبراً أنها قد تشكل آلية مهمة إذا منحت ميزانية كافية وصلاحيات حقيقية.
وأكد على ضرورة أن تكون تحت إشراف رئاسة الحكومة لضمان التنسيق بين القطاعات المعنية، في ظل ما يسميه “تشتت القطاعات” الذي يجعل الطفل ضحية لتداخل الاختصاصات.
وجدد الدعوة إلى إخراج “مدونة الطفل” إلى حيز الوجود، لتجميع النصوص القانونية المتفرقة في إطار موحد يكرس حقوق الطفل في شموليتها، مطالباً أيضاً إلمراجعة بعض مقتضيات القانون الجنائي لتشديد العقوبات على الاعتداءات وتشغيل الأطفال.
وشدد على ضرورة تفعيل اللجان الإقليمية، وإدراج موضوع تشغيل الأطفال كنقطة قارة في جداول أعمالها، مع إشراك جمعيات فاعلة ميدانياً، فالرهان في نظره، ليس على التقارير المكتبية أو الندوات الرسمية، بل على النزول إلى الشارع، والأحياء الهامشية، وحتى الورشات الليلية، حيث يختبر صدق الأرقام على وقع أنين الأطفال.



تعليقات الزوار ( 0 )