ظلّت مدينة سيدي قاسم، المتواجِدة في عُمق المغرب غير النافِع، اسمًا يُكرَه نُطقه في صفوف الجالية اليهودية المغربية المنتشِرة عبر بقاع العالم منذ سنة 1954، أي تاريخ أحد أسوأ المشاهد التي عاشها اليهود المغاربة في منطقة الشرق الأوسط.
“المحرقة” أو الحادثة التي عانت معها ساكنة سيدي قاسم من التصاق وسمٍ غير مؤكَّد في التاريخ إلا من خلال بعض التقارير والدراسات العبرية التي شابتها اختلالات منهجية ومعرفية عدّة، ما جعل المدينة “نقطة سوداء” في المشترك اليهودي-الإسلامي عبر العالم.
قصة ياهو
شهدت مدينة سيدي قاسم، التي كانت تعرف تواجدًا يهوديًا مهمًا خلال القرنين الماضيين، واقعة عُرفت في تاريخ المنطقة بـ”محرقة اليهود”، حيث بدأت القصة بإقدام شاب يهودي اسمه ياهو، يوم 3 غشت سنة 1954، بنزع صورة السلطان محمد الخامس من أحد الجدران وتمزيقها، تزامنًا مع نفيه من طرف قوى الحماية الفرنسية نحو مدغشقر.
خطوة الشاب اليهودي ياهو دفعت الوطنيين من تجار مدينة سيدي قاسم، التي كان اسمها “Petit Jean” حينها، إلى الخروج بصدرٍ يحمل الإيمان بالسلطان محمد الخامس، والقيام بالإجهاز على ياهو وحرق محلات اليهود المتواجدة في سوق يُعرف اليوم بـ”السويقة المحروقة”.
ما قام به التجار المغاربة المنتفِضون، ورغم الروايات العبرية المتعصبة، كان ردَّ فعلٍ يحمل الصواب والخطأ، لكنه في الأصل جاء من منطلق سياسي وطني، لا من خلاف ديني وعقدي بين اليهود والمسلمين كما أحبّت بعض السرديات العبرية الترويج لذلك.
الحاجّ المنوّر.. نقضة ضوء
فرّ عشرات اليهود المغاربة من “محرقة مفترضة” كان الدافع الظاهِر وراءها هو أخذ الثأر لتمزيق صورة السلطان محمد الخامس، ملك المغرب المنفي في مدغشقر، بينما لقي عدد من التجار في السوق حتفهم متأثرين بحريقٍ التهم ما تبقى من أمل استمرار “أبناء العمومة” في ممارسة أنشطتهم التجارية بالمدينة.
لكن المشهود الذي حكاه مصدر “الشعاع” والذي أغفلته مختلف الروايات التي تطرقت لقصة حريق “السويقة”، هو قيام عدد من التجار المغاربة والجزائريين المتعقلين بإنقاذ حياة اليهود الذين فروا من “المحرقة”.
ومن بين القصص التي كان مصدر “الشعاع” شاهدًا عليها، نجد قصة “الحاج المنوّر”، أحد أعيان المدينة آنذاك، وهو تاجر جزائري كان يقطن وسط مدينة “Petit Jean” ويمتلك عقارًا شاسعًا بالقرب من مكان المحرقة.
“وضع السلالم من سطح منزلٍ مجاورٍ للسويقة، وبالضبط في شارع الرباط، وقام بدفع الفارّين من الحريق إلى صعودها من أجل حمايتهم من الاحتراق”، يقول المتحدث في معرض حديثه عن الدور الذي لعبه “الحاج المنوّر” في إنقاذ العشرات من اليهود المغاربة.
وحسب الشهادة نفسها، فإن عشرات التجار اليهود قد فروا إلى منزل “الحاج المنوّر” وعدد من الأشخاص الآخرين الذين وفروا الحماية لهم إلى حين انتهاء الانتفاضة ووضع الحريق أوزاره، قبل أن يقوموا بمغادرة المدينة بشكل نهائي والتوجه إما نحو مدن مغربية أخرى أو مغادرة المغرب بشكل نهائي.
السويقة المحروقة
توجد في قلب أهم شارع تجاري في “Petit Jean” وتعرف محلاتها أنشطة تجارية مختلفة بين العطارة وبيع المأكولات الخفيفة، بقيت مرتبطة في ذهن ساكنة المدينة بمعلومة بسيطة هي “السوق الذي حُرِق فيه التجار اليهود قبل أن يفروا نحو إسرائيل”.
وبقيت “السويقة المحروقة” شاهدة على جزء مهم من تاريخ الانتفاضة المتمردة على سلطة الاستعمار، التي راح ضحيتها عدد من اليهود المغاربة، الذين اعتبرهم عدد من المؤرخين “ضحايا سلطات الحماية”، حيث كان التفضيل الذي يوليه الحاكم الفرنسي لليهود أحد المسببات الرئيسية لقيام هذه الانتفاضة.
وبقي وسم “الكراهية” لليهود المغاربة يحوم حول اسم وصورة “السويقة المحروقة”، التي لا تزال جدرانها شاهدة على واقعة راح ضحيتها 6 قتلى من “أبناء العمومة” الذين ظلت محافل الندب الإسرائيلية واليهودية تسترجع أسماءهم في كل مناسبة حزينة.




تعليقات الزوار ( 0 )