اعتبر الشاعر والناقد الدكتور صلاح بوسريف، الأستاذ بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، أن الثقافة في جوهرها هي “عمران بشري” وشبكة علاقات متشعبة لا يمكن اختزالها في القراءة والكتابة فقط.
وأكد على أن الأزمة الراهنة في المغرب تكمن في غياب سياسة ثقافية واضحة، وفي “استقالة” المثقف من دوره النقدي والمجتمعي لصالح الصمت أو الانشغال بمطالب فئوية ضيقة.

وأوضح الدكتور بوسريف، في مداخلته خلال الندوة الفكرية التي نظمتها جريدة “الشعاع الجديدة” بمقرها في الرباط تحت عنوان: “أي ثقافة.. وأي دور لمثقف اليوم في المغرب الراهن؟”، أن المفهوم الأنثروبولوجي للثقافة يربطها ببناء “الإنسان المواطن” القادر على الانخراط في الشأن العام.
وشدد على أن المثقف ليس مجرد منتج للرموز، بل هو “العقل والخيال” الذي يبادر لطرح الحلول في مختلف المجالات، بدءا من السلوك اليومي وصولا إلى الفضاء الجامعي.

وتوقف الدكتور بوسريف عند التحول التاريخي لوضعية المثقف المغربي، مشيرا إلى أنه في الماضي كان “محميا” داخل الهياكل الحزبية ويتحدث بلسانها.
وأردف أنه مع تراجع هذه الأحزاب وتلاشي دور المؤسسات الثقافية العريقة -مثل اتحاد كتاب المغرب الذي وصفه بأنه في حالة “غيبوبة مطلقة”- وجد المثقف نفسه في “العراء”، وبدلا من أن يختار الاستقلالية والمواجهة، اختار التواري عن القضايا الكبرى.
وشخَّص واقع التعليم والجامعة المغربية بكونه وضعا “محرجا”، معتبرا أن الإصلاحات المتتالية لم تكن سوى “إفسادا” ممنهجا أدى إلى نتائج عكسية، كان هدفها الحد من الدور الثقافي والسياسي للجامعة.

واستعاد في هذا الجانب؛ المقارنة بين سقراط الذي نزل للساحات العامة لغرس الوعي، وبين النموذج الحالي الذي جعل الجامعة “جزيرة مسيجة” معزولة عن قضايا المجتمع الحقيقية.
وفي سياق متصل، انتقد بوسريف بشدة هيمنة “الليبرالية المتوحشة” وقيم رجال المال والأعمال على تدبير الشأن العام، معتبرا أن هذه المقاربة لا تعير وزنا للثقافة، وهو ما يظهر في تهميش المثقفين داخل المؤسسات الدستورية والتمثيلية مثل البرلمان ووزارة الثقافة نفسها.
ولفت الانتباه إلى خطورة تراجع “الثقافة العالمة” في وسائل الإعلام التقليدية لصالح “الخبير” و”المؤثر”، مشيرا إلى أن غياب البرامج الفكرية الرصينة ساهم في تسليم الفضاء العمومي لوسائل التواصل الاجتماعي التي “تزييف الوعي”.
ودعا إلى ضرورة عودة المثقف لممارسة “الحق في النقد” وتفكيك بنيات الخلل، ليكون فاعلا حقيقيا في بناء “التأنس” المجتمعي ومواجهة موجات التوحش التي بدأت تظهر في الفضاءات العامة.

وتجدر الإشارة إلى أن الندوة شارك فيها إلى جانب الشاعر صلاح بوسريف كل من د خالد حاجي من جامعة محمد الأول في وجدة، ود المصطفي المريزق أستاذ السوسيولوجيا بجامعة المولى اسماعيل بمكناس، والدكتور امحمد جبرون، وأطرها الزميل د نورالدين لشهب.
وستنشر الندوة بالصوت والصورة، مساء السبت، على جريدة الشعاع الجديد والمنصات التابعة لها.


تعليقات الزوار ( 0 )