في سياق يتسم بتصاعد النقاش العمومي حول قضايا الهجرة واللجوء بالمغرب، عاد ملف السياسات الهجرية إلى واجهة الاهتمام بعد إطلاق المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، عبر منصة “أُشارِكُ” (Ouchariko)، مشاورة رقمية حول موضوع “الهجرة نحو المغرب”، وهذه المبادرة التي قدمت باعتبارها آلية لتعزيز الحكامة التشاركية وإشراك المواطنين في صياغة السياسات العمومية، فتحت في المقابل باب التساؤل حول حدود النقاش المؤسساتي في القضايا ذات الحساسية السياسية والأمنية.
وفي ورقة تحليلية أنجزها الباحث المتخصص في قضايا الهجرة واللجوء حسن بنطالب، ونشرتها منصة ّ “ميغرابريس” (Migrapress)، جرى تقديم قراءة نقدية لهذه المشاورة الرقمية، من خلال تفكيك أبعادها السياسية والمنهجية، والتوقف عند ما اعتبره الباحث “المفارقات البنيوية” التي تحكم إنتاج المعرفة العمومية حول الهجرة بالمغرب.
تشاور محدود
ترى الورقة أن الإشكال المرتبط بالمشاورات الرقمية لا يقتصر فقط على الجوانب التقنية أو طريقة صياغة الأسئلة، بل يتجاوز ذلك إلى طبيعة المواضيع التي يسمح بطرحها داخل الإطار المؤسساتي الرسمي.
والهجرة بحسب التحليل الذي قدمه الخبير حسن بنطالب، ليست مجرد قضية اجتماعية أو ديموغرافية، بل ملف يتداخل فيه الأمني بالدبلوماسي والسيادي.
وفي هذا الإطار، يشير الباحث إلى أن الاستبيان الذي أطلقه المجلس ركز أساسا على قضايا الإدماج الاجتماعي والتعايش والخدمات العمومية وفرص الاندماج، بينما تم تغييب ملفات أكثر حساسية، من قبيل الترحيل القسري، والعنف الحدودي، والاعتقالات الجماعية، ودور التمويل الأوروبي في دعم السياسات الأمنية المرتبطة بالهجرة.
ويعتبر بنطالب أن هذا الغياب لا يمكن التعامل معه باعتباره أمرًا عرضيًا، بل يعكس حدودًا بنيوية للمشاورات المؤسساتية، بحكم ارتباطها بالحفاظ على تماسك الخطاب الرسمي وعدم فتح المجال أمام مساءلة مباشرة للسياسات العمومية في جوانبها الأكثر حساسية.
شرعية مؤسساتية
تذهب الورقة إلى أن هذه المبادرات تبدو في جانب منها، أقرب إلى أدوات لإنتاج الشرعية المؤسساتية أكثر من كونها آليات مستقلة لإنتاج معرفة نقدية حول الهجرة.
والمؤسسات وفق التحليل، توظف المشاورات الرقمية لإظهار انفتاحها على آراء المواطنين، دون أن يعني ذلك بالضرورة إدماج القضايا الأكثر تعقيدا أو تمثيل الفئات الأكثر تضررا من السياسات الهجرية.
كما يطرح الباحث أسئلة مرتبطة بطبيعة المشاركة الرقمية نفسها، من قبيل: من يشارك فعليا في هذه الاستبيانات؟ وهل تعكس النتائج فعلا مواقف الفئات الأكثر احتكاكاً بملف الهجرة؟ وأين موقع المهاجرين غير النظاميين أو سكان المناطق الحدودية داخل هذه المشاورات؟
ويرى أن هذه الآليات الرقمية تميل عمليا إلى استبعاد الفئات الهشة أو الأقل قدرة على الولوج الرقمي، وهو ما يجعل نتائجها محدودة من حيث التمثيلية الاجتماعية والسياسية.
تناقض قائم
من أبرز النقاط التي توقفت عندها الورقة، ما وصفته بالتناقض البنيوي بين الخطاب الدبلوماسي الإفريقي للمغرب والممارسات الأمنية المرتبطة بالهجرة.
والمغرب بحسب التحليل، يقدم نفسه قاريا باعتباره شريكا استراتيجيا لإفريقيا ومدافعا عن التعاون جنوب-جنوب، كما يحرص على إبراز بعده الإفريقي في السياسة الخارجية.
وغير أن تقارير حقوقية متعددة، يشير الباحث، تتحدث في المقابل عن عمليات ترحيل داخلية، وتفكيك لمخيمات مهاجرين، وضغوط أمنية على مهاجرين قادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء.
وترى الورقة أن هذا التوتر يمثل إحدى “الزوايا العمياء” داخل النقاش المؤسساتي، بالنظر إلى أن المؤسسات الرسمية لا تستطيع، بحكم موقعها السياسي، طرح أسئلة تمس مباشرة العلاقة بين التمويلات الأوروبية والسياسات الأمنية المغربية، أو تناقش بشكل صريح انعكاسات المقاربة الأمنية على صورة المغرب الإفريقية.
معرفة رقمية
كما تنتقد الورقة طبيعة المعرفة التي تنتجها المشاورات الرقمية، معتبرة أن الاستبيانات المغلقة والأسئلة القصيرة تؤدي غالبا إلى تبسيط ظواهر اجتماعية وسياسية معقدة.
ويؤكد الباحث أن الهجرة لا يمكن اختزالها في مجرد مؤشرات كمية مرتبطة بنسب القبول أو معدلات الرضا أو ترتيب الأولويات، لأن الأمر يتعلق بتجارب إنسانية واجتماعية متشابكة ترتبط بالسلطة والعنف والحدود والتفاوتات الاقتصادية العالمية.
وبحسب التحليل، فإن هذا النوع من الأدوات الرقمية يساهم أحيانا في اختزال النقاش العمومي داخل معطيات تقنية، مع تغييب الأسئلة المرتبطة ببنية السلطة والاقتصاد السياسي للهجرة.
مقاربة مستقلة
في مقابل ذلك، تدعو الورقة إلى تطوير مقاربة بحثية مستقلة لفهم ظاهرة الهجرة بالمغرب، تقوم على بحوث ميدانية ومقابلات معمقة مع المهاجرين، إلى جانب دراسة السياسات الأمنية والحدودية وتحليل التمويلات الأوروبية وتتبع الخطاب الإعلامي والسياسي المرتبط بالهجرة.
كما يشدد الباحث على أن التعامل مع ملف الهجرة لا ينبغي أن ينحصر في منطق “التدبير التقني”، بل يتطلب مقاربة أوسع تستحضر البعد الحقوقي والسياسي والعلاقات الدولية والتفاوتات العالمية التي تؤطر الظاهرة.
مفارقة النقاش
تشير الورقة إلى أن مبادرة المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي تكشف مفارقة أساسية في السياسات العمومية المعاصرة، مفادها أن توسيع أدوات المشاركة الرقمية لا يعني بالضرورة توسيع حدود النقاش العمومي.
وفي القضايا الحساسة سياسيا، تظل المشاورات المؤسساتية وفق التحليل، محكومة بما يمكن قوله داخل الإطار الرسمي، أكثر من انفتاحها على مساءلة البنية العميقة للسياسات العمومية.
ومن هنا، يعتبر الباحث أن القيمة الحقيقية لمثل هذه المبادرات لا تكمن فقط فيما تعلنه أو تصرح به، بل أيضا في المساحات التي تتجنب الاقتراب منها، باعتبارها تكشف بشكل غير مباشر طبيعة التوازنات السياسية والمؤسساتية التي تؤطر إنتاج المعرفة حول الهجرة بالمغرب.


تعليقات الزوار ( 0 )