لَم يكُن “آل بنزروال” المعروفين بنفوذِهم القَبلي والانتخابي الكبير في منطقة شراردة بإقليم سيدي قاسم يعلَمون أن تاريخ 16 فبراير 2024 سيكون أخِر “طَلقَة” في عُنقِ مسارِهم السياسي الذي امتَدّ منذ خمسينيات القرن الماضي وعهد الحماية مع القائد عبد الرحمن بنزروال.
بتاريخ 16 فبراير 2024، وُضِعَت على طاولة الوكيل العام، لدى محكمة الاستئناف بالرباط، شكايَة تخصّ ملفا ملأ الدنيا وشغل الناس، إذ أصبح فيما بعَد هو الملف الأكثر رواجا في الجرائِد الوطنية والقنوات الإذاعية لأكثر من سنة ونصِف بعد أن انطلَقت مرحلة البحث مع أكبر عائلة ادّعت النفوذ بالمنطقة، من طرف الفرقة الوطنيّة للشرطة القضائية بالدار البيضاء.
اليوم، عُزِل رئيس المجلس الإقليمي السابق بسيدي قاسم، بنعيسى بنزروال، من منصبه، ووضِعَ رفقة شقيقه، سعد بنزروال، تحت تدبير المراقبة القضائية بقرار من قاضي التحقيق المكلّف بجرائم الأموال في محكمة الاستئناف في الرباط.
من مشروع اجتماعي إلى ملف قضائي
منذ فبراير 2024 إلى غاية نونبر 2025، عاشَ “آل بنزروال” أحلَك مرحلة في تاريخهم السياسي على مر العصور وتقلب الدهور، حتى أصبح ملاحِظون يرَون أن ملف “فندق بناصا” الذي تمّ تدشينه من أموال المبادرة الوطنية إلى فندق تابع للخواصّ وتفويتُهِ لصديقِهم، المكي الزيزي، قد تسبّب في توقيع النهاية السياسية لعائِلة عُرفت تاريخيا بما كان يحوم حولها من إشاعات مرتبِطة بشبكة العلاقات القوية على مستوى دوائر السلطة.
تعددت التأويلات، وحام صمتٌ كبير حول الخلفيات الحقيقية لإغلاق فندق بناصا يوم 26 يوليوز 2025، حين شُوهِد عدد من الموظفين والأطُر وهم يغادِرون بناية الفندق بعد وضع السلاسِل على أبوابها وإغلاقها.
مصادِر “الشعاع الجديد ” أكدت أن عامل إقليم سيدي قاسم السابق، أعطى أوامره الصارمة من أجل إخراج محضر واحد إلى الرأي العام وهو المتعلّق بمحضر اللجنة التي عاينت وجود مخالفات في شروط السلامة الصحيّة داخل مطعم الفندق وعدم توفّر مستخدميه على زيّ موحدّ، إضافة إلى وجود بعض الحشرات والأوساخ في أطراف المطبخ.
والحقيقَة حسب مصادر “الشعاع الجديد” هي أن الإغلاق جاءَ بناء على محضرين تمّ إنجازهما من طرف لجنتين، الأول تم تعمّد تسريبه لإيهام الساكنة أن الإغلاق جاء بناء على قرار لجنة دورية تقوم بعملها العادي، أما الثاني فهو الذي عاينَت اللجنة من خلالِه وجود خروقات تعميرية في البناء والرخص، وهو ما يمسّ في الأصل مسؤولية الشقيقين بنزروال ورئيس المجلس الجماعي المعزول أيضاً عبد الإله أوعيسى.
كانَ إغلاق “فندق بناصا” ضربَة قاسية بدأت معها ملامح اقتراب قرارات جزرية إدارية وقضائية من “آل بنزروال” وصديقهم السابق عبد الإله أوعيسى.
منطق الاطمئنان يسقط أمام الوكيل العام
بعد أقل من شهرين على إغلاق “فندق بناصا” جرى تقديم بنعيسى بنزروال، رئيس المجلس الإقليمي السابق في سيدي قاسم، وشقيقه السعد بنزروال رئيس المجلس الأسبق، وعبد الإله أوعيسى، رئيس جماعة سيدي قاسم، إضافة إلى المكي الزيزي، رئيس جهة غرب شراردة بني حسن السابق، ومالِك شركة “بناصا سانتر” وعدد من الموظفين، أمام أنظار الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف.
ممّا توفّر لدى جريدة “الشعاع الجديد” من مصادِر عليمة أن الشقيقين بنزروال مثُلا أمام الوكيل العام وهما ينتظِران إسقاط المتابعة عنهما ومتابعة المشتبه فيهم الأخرين.
وظلّ أنصار بنزروال يروّجون في سيدي قاسم بأن الأخوين سعد وبنعيسى يتواجدان في منزليهما بالرباط وأن خبر تقديمهما أمام الوكيل العام عار من الصحة.
دخل المشتبه فيهم قصر العدالة بالرباط على الساعة الثامنة و43 دقيقة ولم يغادراه إلا عند التاسعة مساء، حيث قرّر الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف بالرباط، إحالة المتشبه فيهم جميعا على قاضي التحقيق المكلّف بجرائم الأموال، هذا الأخير الذي قرّر وضعهم تحت المراقبة القضائية وسحب جوازات سفرهم مع عقل ممتلكاتهم.
مباشرة بعد قرار قاضي التحقيق، أصبَحت أيام الإخوة بنزروال على رأس مربّع السلطة بإقليم سيدي قاسم قصيرة، حيث انتقل المسار القضائي إلى مسارٍ أخر، إداري، انتهى معه “أبناء القايد” خارِج جميع المسؤوليات التي تقلّدوها بعد انتخابات 8 شتنبر.
تغيّر الإيقاع السياسي … انتهت اللعبة!!
ظلَ أبناء “القايد” عبد الرحمن بنزروال يتباهون بقربِهم من المتعاقِبين على “أم الوزارات” منذ الاستقلال، وكانَت “أسطورَة” زيارة عدد من الوزراء والمسؤولين النافذين في الدولة لضيعات “بير الطالب” من أجل القنص تنتشِر بشكلٍ واسع في دواوير شراردة والغَرب لسنوات طويلة.
أسطورة علاقة “آل بنزروال” بالنافذين في السلطة سقطت مباشرة في أذهان ساكنة إقليم سيدي قاسم بعد إعفاء عامل الإقليم سيدي قاسم، إذ تفاجأ بنعيسى بنزروال رئيس المجلس الإقليمي آنذاك، وحليفه رئيس جماعة سيدي قاسم، بإحالة ملف عزلهما على المحكمة الإدارية من طرف العامل السابق يوما واحدا قبل تسليم السلط بينه وبين العامل الحالي عبد العزيز الزروالي.
بتاريخ 24 أكتوبر 2025، توصّل أربعة منتخبين بجماعة سيدي قاسم بقرار توقيفهم عن مزاولة مهامه، كان بينهم اسم لم تعتَد ساكنة المنطقة على ظهورِه في لوائِح الأشخاص الذين تتخِّد الدولة في حقّهم أي نوعٍ من الإجراءات العقابية، بنعيسى بنزروال.
وفي 21 نونبر 2025، قضَت المحكمة الإدارية الابتدائية بالرباط بعزل المنتخبين الخمسة مع النفاذ المعجّل وحلّ المجلسين الإقليمي والجماعي لسيدي قاسم لينطلِق بعد ذلِك مسلسل جديد من إنهاك “آل بنزروال” انتخابياً خصوصاً بعد انتخاب، الاستقلالي عبد الله الحافظ، صاحِب الشكاية التي كانت وراء عزل ومتابعة بنعيسى وسعد بنزروال قضائيا، رئيسا للجملس الجماعي لسيدي قاسم.
نفسُها وزارة الداخلية التي لطالما انتشَرت الشائعات حول علاقة “أبناء القايد” بوزرائِها، وقّعت بداية انهيار “إمبراطورية” هذه العائلة التي حكَمت المدينة والإقليم بضعة عقود من الزمن. فهل كان الأمر يتعلّق بآدعاء وهمي للسلطة ؟ أم أن الدولة حقا رفعت يدها عن عدد من الأعيان الذين كانَت ترعاهم في منطقة الغرب ؟.
ويبقى السؤال الأهم المطروح، اليوم، من قبل الأوساط السياسية المحلية: هل كان “فندق بناصا” مجرد خطأ تدبيري كشف ما كان مستورا؟ أم أن ما جرى يعكس تحولا أعمق في طريقة تعاطي الدولة مع الأعيان التقليديين؟
كيفما كان الجواب عن هذه الأسئلة، لكن الملاحظ أنه بات من المؤكد أن الآلة الانتخابية لآل بنزروال لم تعد تعمل كما في السابق، وأن ملف فندق بناصا لم يكن مجرد مشروع فندقي، بل لحظة فاصلة أغلقت صفحة طويلة من النفوذ الذي تمنع عن المبيت في الفندق، وفتحت لحظة زمنية أخرى لا تزال فصولها قيد التشكل في منطقة الشراردة والغرب في سيدي قاسم.




تعليقات الزوار ( 0 )