في ظل التحولات المتسارعة التي تعرفها القارة الإفريقية على مستوى التهديدات الأمنية، يتجه الاهتمام نحو أنماط جديدة من الشراكات التي تتجاوز المقاربات التقليدية، لتشمل أبعادًا مركبة تجمع بين الأمن العسكري والتكنولوجي والتنمية المستدامة، ويبرز في هذا السياق توجه متنامٍ نحو إعادة تعريف أدوار الفاعلين الإقليميين داخل منظومة السلم والأمن الإفريقية.
وتعكس الدينامية الراهنة في العلاقات بين المغرب والاتحاد الإفريقي تحولاً نوعيًا في طبيعة هذا التعاون، حيث لم يعد يقتصر على التنسيق الظرفي، بل يتجه نحو بناء مقاربات استراتيجية شاملة تستجيب لمختلف التحديات؛ سواءً المرتبطة بالأمن الميداني أو التهديدات الرقمية، في سياق دولي يتسم بتزايد التنافس على النفوذ داخل القارة.
❖ تحول بنيوي
يؤكد هشام معتضد، الخبير في العلاقات الدولية والباحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية والعسكرية، أن التقارب الأمني المتسارع بين المغرب والاتحاد الإفريقي يعكس تحولاً عميقًا في تموقع المملكة داخل المنظومة القارية، حيث لم يعد دورها مقتصرًا على المشاركة في آليات السلم والأمن، بل انتقل إلى مستوى أكثر تأثيرًا يرتبط بهندسة هذه الآليات وصياغة توجهاتها الكبرى.
وأوضح معتضد في تصريح لجريدة “الشعاع”، أن المغرب لم يعد يكتفي بدعم المبادرات الإفريقية، بل أصبح فاعلاً يساهم في إعادة ترتيب أولوياتها العملياتية؛ خاصة فيما يتعلق بالانتقال من منطق تدبير الأزمات إلى منطق استباقها، عبر الاستثمار في بناء القدرات وتعزيز المرونة المؤسسية.
وأردف أن هذا التحول يرتبط برؤية استراتيجية تقوم على جعل العمق الإفريقي امتدادًا وظيفيًا للأمن القومي المغربي، حيث يصبح استقرار الساحل وغرب إفريقيا جزءًا لا يتجزأ من منظومة الدفاع الوطني.
ولفت الباحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية والعسكرية، إلى أنه في هذا الإطار، يشتغل المغرب على ترسيخ موقعه كـ”مزود للأمن”، من خلال تصدير الخبرة والتكوين والدعم اللوجستي، بدل الاكتفاء بدور المتلقي للمخاطر.
واستطرد أن هذا التموضع الجديد يمنح الرباط قدرة أكبر على التأثير داخل هياكل القرار الإفريقي؛ خصوصًا في الملفات المرتبطة بإعادة هيكلة منظومة السلم والأمن، وتطوير آليات التدخل السريع، وتعزيز التنسيق بين الفاعلين الإقليميين والدوليين، مبرزًا أن ذلك يعكس انتقالاً من دبلوماسية الحضور إلى دبلوماسية التأثير في قواعد اللعبة نفسها.
❖ توازن إفريقي
يعتبر معتضد أن هذا التقارب يعكس أيضًا توجها مغربيًا لإعادة التوازن داخل المنظومة الإفريقية، من خلال تقديم نموذج أمني قائم على الربط بين التنمية والاستقرار، في مقابل مقاربات أخرى تظل محصورة في البعد العسكري الصرف.
وأبرز الباحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية والعسكرية، أن هذا النموذج يسعى إلى معالجة جذور الأزمات وليس فقط مظاهرها، بما يضمن استدامة الحلول.
وأوضح أن المغرب يعمل من خلال هذا التوجه، على ترسيخ شرعية استراتيجية قائمة على الفعالية الميدانية، وليس فقط على الخطاب السياسي، وهو ما يعزز من جاذبية النموذج المغربي لدى عدد من الدول الإفريقية التي تبحث عن شراكات عملية وناجعة.
وأضاف أن هذا المسار يندرج ضمن سياق دولي يتسم بتزايد التنافس على النفوذ داخل القارة الإفريقية، حيث يحاول عدد من الفاعلين الدوليين فرض رؤاهم الأمنية، في حين يقدم المغرب نفسه كفاعل إفريقي قادر على إنتاج حلول من داخل القارة، مع الحفاظ على استقلالية نسبية في القرار.
❖أمن هجين
فيما يتعلق بالتركيز على الأمن السيبراني والتمارين العسكرية المشتركة، أوضح معتضد أن ذلك يعكس إدراكًا متقدمًا لطبيعة التهديدات الجديدة التي تواجه القارة، حيث لم تعد المخاطر تقتصر على الجماعات المسلحة، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي، الذي أصبح ساحة موازية للصراع الاستراتيجي.
وأشار إلى أن الاستثمار في الأمن السيبراني يهدف إلى إغلاق الثغرات غير المرئية التي يمكن أن تستغل لزعزعة استقرار الدول دون مواجهة مباشرة، مبرزًا أن هذا التعاون يسعى إلى بناء بنية تحتية رقمية سيادية قادرة على حماية المعطيات الاستراتيجية وتأمين الأنظمة الحيوية، وتعزيز الثقة في الاقتصاد الرقمي الإفريقي.
وفي المقابل، أكد أن التمارين العسكرية المشتركة تتجاوز بعدها التدريبي لتشكل مختبرًا لإنتاج قابلية التشغيل البيني بين الجيوش الإفريقية، بما يتيح تحسين التنسيق واختبار العقائد القتالية ودمج التكنولوجيا في العمليات، وهو ما يعزز الجاهزية الجماعية.
وشدد على أن هذا التوجه يعكس تحولاً نحو نموذج أمني هجين يجمع بين الأبعاد التقليدية واللا-متماثلة والرقمية، حيث يسعى المغرب إلى التموضع كفاعل قادر على الربط بين مختلف عناصر القوة، وتقديم مقاربة شاملة للأمن الإفريقي تقوم على التكامل بين التكنولوجيا والقدرات البشرية والتنسيق متعدد الأطراف.



تعليقات الزوار ( 0 )