ليست العلاقة بين الأغلبية والمعارضة في المغرب مجرد توزيع عددي للمقاعد داخل البرلمان بل تعبير عن مستوى نضج النسق السياسي وقدرته على تحويل الاختلاف إلى تنافس مؤطر يخدم الصالح العام فهذه العلاقة تعكس مدى حيوية المؤسسات ومدى قدرتها على استيعاب التعدد وتحويله إلى قوة اقتراحية غير أن التجربة المغربية في ظل دستور 2011 أبانت أن المسألة أعقد من ثنائية غالب ومغلوب إذ إن توسيع صلاحيات الحكومة وتعزيز أدوار البرلمان والتنصيص على ربط المسؤولية بالمحاسبة وإقرار آليات الديمقراطية التشاركية لم ينه النقاش حول الفجوة القائمة بين النص والممارسة.
لقد راكم المغرب إصلاحات مهمة خلال العقدين الأخيرين غير أن التحدي اليوم لم يعد مرتبطا بشرعية المؤسسات بقدر ما هو مرتبط بفعاليتها وجودة أدائها فوجود انتخابات دورية وتعددية حزبية لا يكفيان لضمان تمثيلية قوية ولا مشاركة مواطنة مؤثرة إذا ظلت الوساطة الحزبية ضعيفة والتأطير المجتمعي محدودا فالتعددية قائمة من الناحية القانونية لكنها تعاني من هشاشة الامتداد الاجتماعي وضعف العمل القاعدي المستمر مما يجعل الحضور الحزبي مكثفا زمن الانتخابات وخافتا بين الاستحقاقات.
تتسم الأغلبية الحكومية في المغرب بطابع ائتلافي متنوع وهو ما يفرض منطق التوافق الدائم للحفاظ على الانسجام والاستقرار غير أن هذا التوافق قد يتحول أحيانا إلى تسويات تقنية تفتقر إلى نفس سياسي واضح في المقابل تجد المعارضة نفسها بين خطاب نقدي مرتفع السقف وبدائل غير مكتملة البناء فتبدو أحيانا أقرب إلى الاحتجاج منها إلى تقديم مشروع متكامل وقابل للتنفيذ وهنا يبرز الإشكال الجوهري المتعلق بفعالية الوساطة السياسية لا بشرعية المؤسسات ذاتها.
في السنوات الأخيرة انتقل جزء مهم من النقاش السياسي إلى الفضاء الرقمي حيث أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي مجالا للتعبير عن المطالب والانتقادات وهو تحول يعكس حيوية المجتمع لكنه يكشف أيضا عن أزمة تأطير فالمواطن يتكلم لكن صوته لا يجد دائما قناة مؤسساتية قادرة على تحويله إلى اقتراح سياسي منظم إننا أمام أزمة ثقة ومعنى أكثر من كوننا أمام أزمة أرقام أو توازنات فحين يشك المواطن في جدوى السياسة يضعف الانخراط وتزداد المسافة بين المجتمع والمؤسسات.
ضمن هذا السياق يبرز ما يمكن تسميته بالطريق الرابع ليس باعتباره حزبا جديدا ولا اصطفافا ظرفيا بل رؤية إصلاحية لإعادة بناء العلاقة بين المجتمع والسياسة في إطار الثوابت الدستورية فالطريق الأول القائم على هيمنة عددية بلا تنسيق يفضي إلى ضعف الانسجام والطريق الثاني القائم على معارضة احتجاجية بلا بدائل يظل عاجزا عن الإقناع أما الطريق الثالث المرتكز على توافقات موسمية مغلقة فيبقى محدود الأثر ومن هنا يقترح الطريق الرابع إعادة بناء السياسة من الأسفل عبر تفعيل الوساطة وتوسيع المشاركة وربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل فعلي مع الاهتمام بالأبعاد الحقوقية والاجتماعية للفئات الهشة.
يقوم هذا التصور على جملة من المقترحات العملية أولها تفعيل آليات الديمقراطية التشاركية المنصوص عليها دستوريا حتى تصبح العرائض والملتمسات التشريعية أدوات حقيقية للتأثير في القرار العمومي وثانيها تحويل الأحزاب إلى فضاءات للتكوين السياسي المستمر وتأهيل المنتخبين وربط العمل المحلي بالبرامج الوطنية وثالثها إعادة ربط الجامعة بالحياة السياسية عبر خلق فضاءات للحوار بين الباحثين والمنتخبين والمجتمع المدني بما يعزز النقاش العمومي العقلاني ويحد من الاستقطاب الانفعالي كما يتطلب الأمر تجديد النخب على أساس الكفاءة والشفافية وفتح المجال أمام الشباب والنساء والكفاءات الجهوية وتعزيز سياسة القرب بما يستجيب لانتظارات المواطنين في مجالات الشغل والصحة والتعليم والعدالة المجالية.
إن الرهان في المغرب لا يكمن في بناء مؤسسات جديدة بقدر ما يكمن في تحسين جودة أدائها وتقليص المسافة بين المقتضيات الدستورية والممارسة اليومية فالديمقراطية ليست حالة مكتملة بل مسار متدرج يتطلب تراكم الثقة وتعميق ثقافة المشاركة والمساءلة ومن هنا تبرز أهمية المبادرات المدنية ذات الطابع التنويري وفي مقدمتها تجربة الجامعة الشعبية المغربية التي تمثل فضاء وسيطا بين المعرفة والمجتمع.
فالجامعة الشعبية المغربية ليست مؤسسة تعليمية بديلة بل إطارا للنقاش العمومي الرصين وصناعة الأفكار والمقترحات وهي جسر بين الباحثين والفاعلين السياسيين والمجتمع المدني والمواطنين تسعى إلى إعادة الاعتبار للسياسة باعتبارها شأنا عموميا عقلانيا لا مجرد تنافس انتخابي ظرفي ومن خلال نشر الثقافة الدستورية وتبسيط المفاهيم السياسية وفتح النقاش حول قضايا الديمقراطية والتنمية تساهم في رفع منسوب الوعي وتعزيز المشاركة الواعية.
كما يمكن لهذه المبادرة أن تعزز الصلة بين القرار العمومي والمعرفة العلمية عبر تنظيم ندوات ومناظرات تجمع مختلف الفاعلين بما يحد من الشعبوية ويقوي ثقافة المساءلة فالمجتمع الذي يستثمر في الوعي السياسي يرفع من جودة نقاشه العمومي ويحصن تجربته الديمقراطية أما المجتمع الذي يهمل هذا البعد فيترك المجال للخطاب الانفعالي والتبسيط المخل.
إن إعادة بناء الثقة في السياسة تمر أيضا عبر التثقيف السياسي المستمر الذي يمكن المواطن من فهم آليات اشتغال المؤسسات وتحديد المسؤوليات وتقييم الأداء بموضوعية فالجامعة الشعبية المغربية تشتغل في منطق الإسناد لا المنافسة وتسهم في الارتقاء بالنقاش من مستوى الانفعال إلى مستوى الحجاج العقلاني وهو ما ينسجم مع روح الطريق الرابع الداعي إلى إعادة بناء السياسة من الأسفل عبر الحوار المنتظم وإشراك الشباب والنساء وتحويل المعرفة إلى قوة اقتراحية.
ولهذا فإن تجديد العلاقة بين الأغلبية والمعارضة في المغرب لا يعني التشكيك في المسار الإصلاحي بل تعميقه وترسيخه فالانتقال الحقيقي هو من سؤال من يدبر الشأن العام إلى سؤال كيف نطور جودة التدبير ونرسخ ثقافة المحاسبة ونوسع دائرة المشاركة في إطار الثوابت الوطنية إن الديمقراطية لا تضعف فقط حين تتعرض للضغط بل أيضا حين تفقد معناها لدى المواطنين واستعادة هذا المعنى تظل المهمة المركزية لمغرب يسعى إلى تعزيز ثقته في ذاته وبناء مستقبل يقوم على المشاركة والفعالية والعدالة الاجتماعية.






تعليقات الزوار ( 0 )