لا تبدو مسألة عدم إعلان تنظيم تنظيم القاعدة للخلافة، رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على تأسيسه، مجرد تفصيل تكتيكي أو تأجيل ظرفي مرتبط بميزان القوة، بل تعكس في العمق تصورا استراتيجيا وفكريا مختلفا لطبيعة مشروع الدولة الإسلامية وشروط تحققها التاريخي والسياسي والاجتماعي. فالقاعدة، بخلاف تنظيم الدولة الإسلامية، لم تنظر إلى الخلافة باعتبارها حدثا رمزيا يمكن فرضه بالقوة الدعائية أو العسكرية المباشرة، وإنما بوصفها نتيجة نهائية لمسار طويل من الاستنزاف والتدرج وإعادة تشكيل المجال الاجتماعي والسياسي والعسكري في العالم الإسلامي. ولهذا يمكن القول إن التنظيم لم يكن عاجزا عن إعلان الخلافة، بل كان ممتنعا عنها عن قصد، انطلاقا من قناعة راسخة بأن الاستعجال في إعلان الدولة قبل اكتمال شروطها سيقود حتما إلى الانهيار.
لقد تشكل هذا التصور داخل أدبيات القاعدة منذ تجربة الحرب السوفيتية في أفغانستان، ثم تعزز بعد سقوط نظام طالبان سنة 2001، حيث استخلص منظرو التنظيم أن الاحتفاظ بالأرض أصعب بكثير من السيطرة عليها، وأن إعلان الدولة قبل بناء منظومة حماية اجتماعية وقبل امتلاك عمق شعبي وإقليمي كاف سيحول الخلافة إلى هدف سهل للتدمير الخارجي. ومن هنا برز مفهوم التمكين الذي أصبح مركزيا في التفكير القاعدي، وهو مفهوم مستمد جزئيا من التراث الحركي الإسلامي ومن أدبيات إدارة التوحش ومن خبرات الجماعات الجهادية في أفغانستان والعراق واليمن والصومال.
لقد نظر قادة القاعدة إلى تجربة داعش باعتبارها المثال الأوضح على خطورة التسرع. فحين أعلن أبو بكر البغدادي الخلافة سنة 2014، رأت القاعدة أن التنظيم قفز فوق المراحل التاريخية الضرورية لبناء الدولة، وأنه انتقل من منطق الإنهاك والاستنزاف إلى منطق المواجهة الكونية المفتوحة في وقت لم يكن يمتلك فيه بنية مؤسساتية مستقرة ولا قدرة حقيقية على تحمل حرب دولية شاملة. ولذلك ركزت أدبيات القاعدة، خصوصا خطابات أيمن الظواهري، على نقد ما وصفته بـالاستعجال والاندفاع العاطفي لدى داعش، معتبرة أن الإعلان المبكر للخلافة أدى إلى توحيد القوى الدولية والإقليمية ضد التنظيم، وأن تحويل الدولة إلى كيان جغرافي واضح منح خصومه أهدافا ثابتة يمكن ضربها عسكريا واستخباراتيا بسهولة.
في المقابل، طورت القاعدة نموذجا أكثر مرونة وغموضا، يقوم على بناء “خلافة غير معلنة” أو ما يمكن تسميته بـ”الدولة الشبكية منخفضة الظهور”. ففي مناطق الساحل والصومال واليمن، لا يسعى التنظيم بالضرورة إلى رفع راية الدولة رسميا، بقدر ما يعمل على إنتاج وظائف الدولة نفسها بصورة تدريجية وهادئة. ففي أجزاء واسعة من مالي والنيجر وبوركينا فاسو، نجحت جماعات مرتبطة بالقاعدة، وعلى رأسها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، في إنشاء أنظمة جباية وفض نزاعات وتأمين طرق وتوفير حماية محلية، بل وإقامة تفاهمات قبلية واقتصادية مع المجتمعات المحلية. والأمر نفسه ينطبق على حركة الشباب في الصومال، حيث بات التنظيم يدير شبكات ضرائب ومحاكم وإدارة محلية موازية للدولة الرسمية، إلى درجة أن بعض الدراسات الأمنية الغربية باتت تصفه بأنه “دولة ظل” أكثر منه مجرد تنظيم مسلح.
تكمن أهمية هذا النموذج في أنه يقلل من كلفة الظهور السياسي المباشر. فالقاعدة تدرك أن الإعلان الرسمي للخلافة سيحوّلها من فاعل متمرد مرن إلى كيان سياسي صريح يخضع لمنطق السيادة التقليدية وما يستتبعه من حصار وتدخل عسكري واسع. ولذلك فضلت البقاء في منطقة رمادية: ليست مجرد جماعة حرب عصابات، وليست دولة مكتملة التعريف. هذا الغموض يمنحها قدرة أعلى على المناورة والبقاء، كما يسمح لها بالاندماج التدريجي داخل البنى القبلية والاقتصادية المحلية دون إثارة ردود فعل دولية بحجم تلك التي واجهها داعش.
كما أن تصور القاعدة للخلافة يرتبط بفكرة “النضج التاريخي”. فالتنظيم يرى أن إقامة الخلافة ليست مجرد إعلان فقهي أو عسكري، بل تتطلب تحولا شاملا في بنية الأمة الإسلامية وفي توازن القوى الدولي. ولذلك تتكرر في أدبياته إشارات إلى ضرورة “إعداد الأمة” و”تهيئة البيئة الحاضنة” و”استنزاف العدو البعيد” قبل الانتقال إلى مرحلة الدولة الشاملة. ومن هنا يمكن فهم تركيز القاعدة الطويل على ضرب الولايات المتحدة والغرب بوصفهما “رأس النظام العالمي” الذي يمنع قيام أي كيان إسلامي مستقل. فبالنسبة للتنظيم، فإن إسقاط الأنظمة المحلية وحده لا يكفي، لأن بقاء الهيمنة الغربية سيؤدي إلى إعادة إنتاج النظام الإقليمي نفسه.
لكن رغم ذلك، لا يبدو أن القاعدة مستعدة لإعلان الخلافة حتى الآن، لأن التنظيم لا يزال أسير ذاكرة الانهيارات السابقة، خصوصا تجربة طالبان الأولى وتجربة داعش لاحقا. فالقيادة القاعدية تعتقد أن البقاء الطويل أهم من الانتصار الرمزي السريع، وأن التغلغل الصامت داخل المجتمعات أكثر فاعلية من إعلان الدولة بصورة احتفالية. ويمكن القول إن التنظيم انتقل من فكرة “الدولة الظاهرة” إلى “السلطة المتخفية”، أي السيطرة دون إعلان رسمي، والحكم دون تحمل الأعباء الكاملة لفكرة الدولة الحديثة.
ومن زاوية أخرى، فإن القاعدة تدرك أيضا أن إعلان الخلافة سيعيد تفجير الانقسامات الجهادية الداخلية. فداعش بنى شرعيته أساسا على احتكار مفهوم “الخلافة”، وأي إعلان مماثل من القاعدة سيعني الدخول في حرب شرعية ورمزية مفتوحة داخل التيار الجهادي العالمي. ولذلك تفضّل القاعدة الحفاظ على خطاب أكثر مرونة وأقل حدية، يسمح لها باستيعاب طيف واسع من الجماعات المحلية والقبلية دون فرض مركزية عقائدية صارمة.
وعليه، فإن امتناع القاعدة عن إعلان الخلافة لا يعكس غياب المشروع أو ضعف الطموح، بل يكشف عن اختلاف جذري في الرؤية الاستراتيجية مقارنة بداعش. فالتنظيم لا يؤمن بالخلافة بوصفها لحظة إعلان، بل بوصفها مسارا تراكميا طويل الأمد يقوم على التغلغل، والتمدد البطيء، وبناء شبكات النفوذ المحلي، واستنزاف الخصوم، وانتظار اللحظة الدولية المناسبة. ومن هنا يمكن فهم لماذا تبدو مناطق مثل الساحل والصومال اليوم أقرب إلى “خلافة غير معلنة” منها إلى مجرد ساحات تمرد عابر، ولماذا قد يكون أخطر ما في القاعدة ليس ما تعلنه، بل ما تؤجله عمدا.
الدولة القاعدية
يرى تنظيم القاعدة أن إقامة “الدولة الإسلامية” ليست مجرد لحظة عسكرية أو إعلان رمزي يمكن تحقيقه بمجرد السيطرة على مدينة أو منطقة، بل هي مشروع طويل ومعقد يحتاج إلى شروط شرعية وسياسية واجتماعية وأمنية واسعة. ولهذا انتقد التنظيم تجربة تنظيم الدولة الإسلامية بشدة، واعتبر أن إعلان “الخلافة” سنة 2014 كان تعبيرًا عن استعجال غير محسوب أدى إلى صدام شامل مع العالم وإلى انهيار سريع للتجربة. فالقاعدة لا تنظر إلى نفسها باعتبارها “الدولة” ذاتها، بل تعتبر نفسها حركة جهادية أو “طليعة قتالية” تمهد لقيام دولة إسلامية مستقبلية تتشكل تدريجيًا عبر مراحل من التمكين وبناء النفوذ.
ومن خلال رسائل أسامة بن لادن وكتابات أيمن الظواهري ووثائق فروع التنظيم في أفغانستان واليمن والساحل والصومال، يمكن استخلاص تصور عام لما يمكن تسميته “الدولة القاعدية”. فهذا التصور يقوم أساسًا على رفض الدولة الوطنية الحديثة وحدودها السياسية التي تعتبرها القاعدة نتاجًا للاستعمار وتقسيمًا للأمة الإسلامية. لذلك تؤمن القاعدة بفكرة “دولة الأمة” العابرة للحدود، حيث تكون الشريعة الإسلامية المرجع الأعلى للحكم والتشريع، وترفض في المقابل المفهوم الديمقراطي الغربي القائم على سيادة الشعب والتشريع البرلماني، معتبرة أن “السيادة لله” وأن الشريعة وحدها مصدر القوانين والسلطة.
لكن القاعدة، بخلاف داعش، لم تطرح نموذجًا مؤسساتيًا واضحًا ومفصلًا للدولة، ولم تقدم دستورًا أو هيكلًا سياسيًا متكاملًا. فخطابها ظل أقرب إلى مشروع تعبوي وعسكري منه إلى نظرية سياسية حديثة. وهي ترى أن الوصول إلى “الخلافة” يجب أن يمر بمراحل طويلة تبدأ بإنهاك القوى الدولية والمحلية، ثم بناء الحاضنة الشعبية، والسيطرة التدريجية على مناطق النفوذ، وإنشاء إمارات محلية مستقرة، قبل الانتقال لاحقًا إلى شكل أوسع من الوحدة الإسلامية. ولهذا تبنت القاعدة عمليًا فكرة “الإمارات المتعددة” بدل إعلان خلافة عالمية فورية، فظهرت إمارات أو مناطق نفوذ مرتبطة بها في أفغانستان واليمن ومالي والصومال والساحل الإفريقي.
ويظهر من تجارب هذه الفروع أن القاعدة تهتم كثيرًا بالإدارة المحلية وكسب المجتمع أكثر مما فعلت داعش. ففي الساحل الإفريقي مثلًا، ركزت جماعات مرتبطة بالقاعدة على التحالفات القبلية والتفاهمات الاجتماعية وتقديم نوع من القضاء الشرعي والخدمات المحلية ومحاولة تقليل الصدام المباشر مع السكان. كما حرصت في كثير من الحالات على عدم فرض أنماطها بالقوة المطلقة أو الدخول في مواجهات شاملة مع كل القوى الاجتماعية دفعة واحدة. وهذا ما جعل بعض الباحثين يعتبرون أن القاعدة تتبنى “براغماتية جهادية” تختلف عن النزعة الصدامية المطلقة التي ميزت داعش.
والدولة التي تتصورها القاعدة تبدو عمليًا كيانًا محافظًا شديد المركزية من الناحية الدينية، يقوم على سلطة شرعية وعسكرية متداخلة، حيث يحتل العلماء والقادة الشرعيون موقعًا محوريًا في منح الشرعية السياسية والعسكرية. كما تعتمد هذه الدولة على القضاء الشرعي والجباية والزكاة والاقتصاد المحلي البسيط، مع أولوية واضحة للأمن والعسكرة. غير أن هذا النموذج يبقى غامضًا في قضايا أساسية تتعلق بشكل المؤسسات الحديثة، وتداول السلطة، وحقوق الأقليات، ومفهوم المواطنة، والعلاقات الدولية، وحدود المشاركة السياسية. ولهذا يوجه كثير من الباحثين انتقادات للقاعدة باعتبارها تمتلك مشروعًا قتاليًا وأيديولوجيًا أكثر مما تمتلك تصورًا متكاملًا لإدارة دولة حديثة.
كما أن القاعدة تعتقد أن التمكين الحقيقي لا يتحقق بمجرد السيطرة العسكرية على الأرض، بل يتطلب القدرة على إدارة الاقتصاد، وحفظ الأمن، وإقامة القضاء، وتأمين نوع من القبول الاجتماعي والاستقرار. ومن هنا جاء حذرها الطويل من إعلان “الخلافة” رغم امتلاك بعض فروعها مناطق نفوذ واسعة. فهي ترى أن تجربة داعش أثبتت مخاطر التسرع، لأن إعلان الدولة قبل اكتمال شروطها يؤدي إلى استنزاف عسكري واسع، وفقدان الحاضنة الشعبية، واستعداء الجماعات الإسلامية الأخرى، وفتح مواجهة دولية مبكرة لا تستطيع الجماعات المسلحة تحملها طويلًا.
ولهذا يمكن القول إن “الدولة القاعدية” هي مشروع مؤجل أكثر منها كيانًا مكتمل المعالم؛ فهي دولة تتصورها القاعدة بوصفها ثمرة مسار طويل من التدرج والتمكين، لا مجرد إعلان ثوري مفاجئ. وهي دولة دينية عابرة للحدود، تستند إلى الشريعة وفق فهم سلفي جهادي، وتقوم على شبكة من الإمارات المحلية المتحالفة التي يُفترض أن تتوحد مستقبلًا ضمن كيان إسلامي أوسع. غير أن هذا المشروع ظل حتى اليوم محاطًا بالغموض النظري والتناقض العملي، لأن القاعدة ركزت تاريخيًا على الجهاد والعمل العسكري أكثر من تركيزها على بناء نموذج سياسي وإداري واضح للدولة الحديثة.




تعليقات الزوار ( 0 )