
التصوف المغربي تصوف سني نقي، عرفناه من خلال شيوخ التربية الحقيقيين كابن برجان وابن العريف وعبد الجليل القصري وأبي القاسم اللجائي وابن العربي الحاتمي والإمام الششتري إلى أن وصلنا إلى مولاي العربي الدرقاوي والإمام ابن ناصر الدرعي وعبد القادر الفاسي وأبي علي اليوسي وأمثالهم.
عرفنا من هؤلاء التصوف والتخلق والتأدب مع الله والتأدب مع رسول الله وتربية المريدين بما يتوافق مع الكتاب والسنة.
لكن التصوف المغربي عرف بعض المنعرجات والهنات، وهي استثناءات في المسيرة الصوفية، حيث انتسب إلى التصوف أو ادعاه بعض الدجالين الذين يشعبذون على الناس بحيلهم وبمعجمهم الصوفي الذي يستعملونه فينخدع بهم الأتباع، ويكونون طائفة خاصة غالبا ما تعيش عزلة بسبب يقظة العلماء من جهة، والحسبة الداخلية التي يمارسها الصوفية أنفسهم من جهة ثانية.
هذا التصوف الزائف الدخيل لا يعدم وجودا في عصرنا، وهذا مقبول وسائغ، لأن عصرنا الحالي هو عصر التفاهة بامتياز، ولا يمكن أن يخلو عصر التفاهة من صوفية التفاهة أيضا، لذا وجدنا جماعة من المتمشيخين الذين يدعون المشيخة ويصيرون بين ليلة وضحاها يرفلون في الألقاب التي لم يتحل بها إلا الندرة من السابقين، وقد وجدنا مجموعة من الشباب يطلق عليهم زورا وبهتانا ألقاب “القطب” و”العارف بالله” و”المجدد” وغيرها مما كان إلى وقت قريب أندر من الندرة ذاتها، فصارت هذه الألقاب العزيزة مبتذلة بابتذال منتحليها.
وقد ظهر بفاس شخص يدعى عزيز الكبيطي، كثير الدعاوى عريضُها، لا يتكلم إلا عن الروح والتربية والتزكية والشيخ المربي الحي والشيخ المأذون والإكثار من استعمال المصطلح الصوفي كالمراقبة والمشاهدة والذكر والإحسان والحال والمقام إلخ، مع الادعاء أنه الشيخ المحمدي الذي لا يبعثه الله إلا مرة كل 300 سنة ليجدد أمر الدين.
ولبيان المكانة العلمية والصوفية لهذا الرجل، ارتأينا أن نقدم عشر ملاحظات حول أحد كتبه، وهو الكتاب الذي أخبرني أحد أتباعه أنه موجه إلى خاصة الخاصة، وهو الموسوم بـ”مقام المراقبة كمال الإحسان”، يباع ب 70 درهما كما هو مثبت في موقع الكبيطيين، وقد وصفه في خاتمة الكتاب بقوله: “لهذا الكتاب السبق في تأسيس علم المراقبة”، وليس هذا الكتاب الوحيد الذي ادعى فيه الكبيطي الأسبقية، فقد ادعاها في غيره، كقوله في مقدمة كتابه “الطاقة والروح”: “هذه معارف غضة طرية لم يسبق لها أن جاءت في كتب السابقين”.
وملاحظاتنا العشر حول كتاب “مقام المراقبة كمال الإحسان” تتمثل في:
الملاحظة الأولى: الكتاب يتطرق إلى قضايا شرعية عالية المستوى، فهو يتكلم عن الإحسان والمراقبة والمشاهدة ويطلق أحكاما شرعية كالوجوب، وفيه ترغيب وترهيب، ومع أهمية هذه القضايا فهو كتابٌ خِلوٌ من الدليل الشرعي، ولا توجد فيه ــ وهو في أكثر من 150 صفحة ــ أدلة من القرآن ولا أدلة من السنة، سوى الاستدلال في صفحة 148 بحديث: “لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب …”، وكتب العارفين كالغزالي والحاتمي وابن عجيبة ثرة غنية بالاستدلالات من الكتاب والسنة.
هذه الملاحظة ليست ملاحظة شكلية أو ثانوية، بل ملاحظة جوهرية وخطيرة، تبين أن الكبيطي لا زاد له سوى الكلام ولقلقة اللسان، خصوصا أنه غرس في مريديه عقيدة التسليم للشيخ/هو، وبالتالي صار كلامه حجة ودليلا، ولم يعُد كلامه في حاجة إلى الاستدلال له.
وهذا خلاف جوهري بينه وبين الصوفية الحقيقيين، فتبين أنه صوفي زائف.
الملاحظة الثانية: الكتاب مكتوب بأسلوب رديء وركيك ومُمل، ومليء بالأخطاء النحوية والإملائية، وهذه الأخطاء ليست هنات استثنائية، بل هي أخطاء طبعية في الكبيطي، تصاحبه في كل كتبه دون استثناء، وسبق أن نشرت أمثلة ونماذج منها حول كتاب آخر من كتبه، فأجابني أحد أتباعه بأن الشيخ يملي كتبه فيضا على مريديه وهم الذين يرقنونها، وبالتالي رمى بالمسؤولية على المريدين.
ولست أدري ما معنى الإملاء فيضا؟
وإذا تحقق له الإملاء فيضا، فلماذا لم يطلع الكبيطي فيضا على أخطاء مريديه؟ وهل رفع المفعول ونصب الفاعل لحنٌ من المملي أو سوء في التلقي الفيضي من المريد؟
هذه المسوغات مجرد أكاذيب يستروح بها الأتباع، والأخطاء التي لا يقع فيها تلاميذ الابتدائي طبْعية في الشيخ، وكتب العارفين كالغزالي والسهروردي والحاتمي والششتري واللجائي خلوٌ منها، وبعضها كُتب بأسلوب غاية في الإبداع والرقي.
وهذا خلاف جوهري آخر بين الكبيطي والصوفية الحقيقيين، فتبين أنه صوفي زائف.
الملاحظة الثالثة: تتميز كتابة الكبيطي بسوء الأدب وقلة الذوق، والعارفون كانوا ينتقون عباراتهم ويتأنقون فيها ويحترسون من المزالق أثناء حديثهم عن الله تعالى أو أثناء الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يلتزمون هذا الأدب إلا لأنهم تربوا بالقرآن وبأسلوب الأنبياء الوارد في القرآن، مثل تأدبهم بأسلوب سيدنا إبراهيم: “الذي خلقني فهو يهدين، وإذا مرضت فهو يشفين، والذي يميتني ثم يحيين”، فسيدنا إبراهيم نسب الهداية والشفاء والإحياء والإماتة إلى الله، لكنه تأدبا لم ينسب المرض إلى الله تعالى، فقال: “مرضتُ”، وقد تنبه لهذه اللطيفة ابن العربي الحاتمي وغيره من العارفين.
هذا الأدب لا نجده في كتب الكبيطي، فهو يكتب ولا يبالي، ومن قلة ذوقه قوله وهو يتحدث عن الله تعالى وتقدس: “كان تعالى وحده أحد واحد ذاكرا لنفسه في حال المراقبة والسكون”، ص 27. وليتنبه القارئ إلى أخطاء هذا الكبيطي، وكان حريا به أن يقول: “كان تعالى وحده أحدا واحدا ذاكرا”، لكن العجمة والرطانة حالت دون ذلك. لكن الأهم هو أن الله تعالى كان ذاكرا لنفسه في حال المراقبة والسكون، فهل لله تعالى حال السكون؟ وما معنى حال السكون؟
وقال الكبيطي في ص 11 عن الله تعالى بأنه “قريب من الأفئدة، بعيد عن البصائر”، وهذا إضافة إلى سوء الأدب في حق الله تعالى، فهو خطأ عقدي، لأن الله تعالى يوصف بالقرب ولا يوصف بالبعد، ولم يرد وصفه بالبعد لا في القرآن ولا في السنة، ولو كان الكبيطي يستحضر قواعد الشرع وحسن الأدب في الأداء لقال: لا تدركه الأبصار، ولكان بذلك أقرب إلى أسلوب القرآن، لكن الحرمان يحول بينه وبين القرآن، فسبحان الله المانع!
وقال الكبيطي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الهدف من معرفة رسول الله ليس هو الارتباط بماضي انقضى، وإنما العيش به في الحاضر والمستقبل” ص 42، وأول ما يلاحظ على هذا الاقتباس ومواضع كثيرة ومتعددة من كتابه هو ذكره لرسول الله صلى الله عليه وسلم دون الصلاة عليه، وهذا من بخل الكبيطي، والصوفي لا يبخل في موقع الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتين أنه صوفي زائف. وثاني ملاحظاتنا على هذا الاقتباس هو عبارته: “العيش برسول الله صلى الله عليه وسلم”، وهذا ما كرره في ص 43: “فيحيى برسول الله يعيش به فيتحقق بالحضور الدائم”، والعارف المجدد لا يقول: العيش برسول الله، يعيش برسول الله، فهذا من قلة ذوق الكاتب.
وقال الكبيطي في ص 68: “المراقبة الإحساسية تتمثل في دخول العقل في حالة تخدير أثناء الذكر”، فهل الله تعالى أمرنا بتخدير العقول حين أمرنا بالذكر؟ وهل أمرنا بالإكثار من الذكر لنمارس الإكثار من تخدير العقل؟ وهل الصوفية الحقيقيون يسعون إلى تخدير العقل؟
وقال الكبيطي في ص 95 عن أدب الدعاء: “لا يستهين العبد بهذه العبادة، بل عليه أن يختار أجود الأوقات ويعطيها لله تعالى”، فهل الله تعالى يُعطى أو يعطي؟ وهل العبد يعطي سيده شيئا؟
كان حريا بالكبيطي وهو يدعي المعراج الروحي في مقام الإحسان العلي أن ينحت عبارة لائقة بالمقام فيقول مثلا: بل عليه أن يختار أنفس الأوقات وأبركها ويغتنمها في اللجوء إلى الله والتقرب منه بالدعاء … أو غيرها من العبارات اللائقة.
وعدم التأدب في الكلام عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم يعد فرقا جوهريا آخر بين الكبيطي والصوفية الحقيقيين، فتبين أنه صوفي زائف.
الملاحظة الرابعة: تتميز كتابة العارفين الأولياء الحقيقيين بالانضباط المعجمي، فحين تتبع كتابات ابن العربي الحاتمي أو ابن العريف الصنهاجي أو طه عبد الرحمن من المعاصرين تجد المؤلف يستعمل عبارات دقيقة في سياقات خاصة، بحيث يمكن للباحث التعرف على الخارطة المصطلحية الدقيقة والمعجم الخاص بذلك المؤلف.
اما كتاب الكبيطي فيبين لنا أنه يستعمل المصطلحات والتعابير كما اتفق دون أدنى انضباط، كما يحاول التكثير من المصطلحات لا لهدف إلا التكثير فحسب، وكأنه بذلك الحشر المصطلحي يحاول التأثير على القارئ الذي يقع تحت طائلة القصف المعجمي فينبهر بالمؤلِّف ويقتنع بالضرورة أنه شيخ فتاح يتلقى العلم اللدني.
ومن أمثلة عدم الانضباط المصطلحي عند الكبيطي:
** قوله في ص 67 بأن المراقبة مقامٌ في الإحسان، وفي ص 25 المراقبة هي الشطر الثاني في الإحسان، وفي ص 18 المراقبة هي الركن الثاني في الإحسان، وفي ص 27 المراقبة هي المقام الثاني في الإحسان.
فهل المراقبة ركن أو شطر أو مقام في الإحسان؟ أم أن المقام والركن والشطر مترادفات؟
غني عن البيان أن من يقرأ هذه العبارات سيدرك أن الكبيطي مصاب بداء الاضطراب المصطلحي وأنه لا يقوى على الانضباط الصارم لما يريد أن ينحته من مفاهيم خلافا للصوفية الحقيقيين كالغزالي والششتري وأضرابهما.
** في ص 18 قال الكبيطي بأن الذكر بالمراقبة “له أثر على باطن المريد ومكوناته وأكوانه”، وقد عرفنا باطن المريد، وعرفنا مكونات المريد، لكن ما هي أكوان المريد؟ أم أنها كلمة كان لا بد من إضافتها لممارسة القصف اللغوي؟
** في ص 21 قال الكبيطي: “جعل الله الذكر أيسر العبادات وأعظمها أجرا، لأن الذكر ربطٌ للعبد مع ربه في مقامات عالية من المعرفة والوصل والاتصال”.
في هذا الاقتباس ندرك وجود مقامات عالية من المعرفة، ومقامات عالية من الوصل، ومقامات عالية من الاتصال؟
ولكن، ما الفرق بين الوصل والاتصال في معجم الكبيطي؟ أم أن الإكثار من المصطلحات ضروري لإنجاح القصف اللغوي؟
** يكرر الكبيطي في أكثر من كتاب كلمة “العدم”، ويستعملها بما لا يتوافق مع استعمالات أهل العلم، فيقول مثلا في ص 32: “الإنسان خُلق من عدم وسيؤول للعدم”، والصواب أن يقول: سيؤول إلى، وليس سيؤول لـ.
ولنا أن نتوقف عند عبارة “سيؤول للعدم”، هل الكبيطي لا يؤمن بالبعث؟
المسلم لا يؤمن بأن الإنسان سيؤول إلى العدم أبدا، بل ينتقل من حياة إلى حياة، أو ينتقل من حياة إلى حياة أبقى وأدوم، فأين العدم هنا؟ يبدو ان الكبيطي لا يفهم كلمة العدم جيدا، لذلك يكثر من استعمالها، فيقول في ص 39: “المراقبة في العدم هي تمام الحضور”.
** قال الكبيطي في ص 65 أثناء حديثه عن العقل بأنه وسيلة وحجاب، وباعتباره حجابا قال: “لأنه يقيد العقل في نطاق محدد وفي أبعاد مقيدة”، وتعال واشرح لي كيف يقيد العقلُ العقلَ؟ أللكبيطي عقل يسمح له بكتابة هذه الأحاجي ويروجها باعتبارها موجهة إلى خاصة الخاصة؟ أم أنه يستعمل الكلمات والمصطلحات كيفما اتفق دون أدنى ضابط؟
** قال الكبيطي في ص 74 عن العقل أيضا: “هذه العملية تجعل هذا المكون تعلَقُ فيه كل أصناف الأفكار سواء الإيجابية أو السلبية، فتمتلئ طاقته الاستيعابية ويمرض”، وشخصيا لأول مرة أسمع وأقرأ عن العقل البشري أن له “طاقة استيعابية”، بقي للكبيطي أن يحدد لنا طاقته باعتباره يتلقى المعارف اللدنية، هل هي 10 جيغا أو أكثر أو أقل؟
رجل عارف مجدد شيخ محمدي وارث يلتقي بالرسول صلى الله عليه وسلم ويتلقى العلم اللدني وشيخ فتاح ولا يعرف معنى العدم ولا يعرف الطاقة اللامتناهية للعقل البشري!!! فافهم يا مريد الكبيطي أنك في هاوية.
** كعادة الكبيطي في استعمال المصطلحات بدون أدنى انضباط، قال في ص 50: “من تحقق بالمراقبة فهو مشاهد حتى ولو كان محجوب البصيرة”، كيف يكون الإنسان مشاهدا ومتحققا بالمراقبة وهو محجوب البصيرة؟ أم أنه القصف اللغوي وكفى؟
الملاحظة الخامسة: يقع الكبيطي في كتابه ــ رغم أنه صغير حسا ومعنى ــ في اضطرابات وتناقضات، ومن أمثلة ذلك مقاربته لموضوع الدعاء.
في “مراقبة المناجاة”، قال الكبيطي في ص 90: “المناجاة دليل المحبة، لأنها غير مشروطة بحاجة، على عكس الدعاء الذي يقوم به العبد مضطرا ومحتاجا وليس مشتاقا أو محبا”، وقبل هذا في نفس الصفحة قال: “مراقبة المناجاة تختلف عن مراقبة الدعاء، لأن في الدعاء يركز الإنسان على نفسه واحتياجه فقط، لكن المناجاة تحققه بعبوديته لله تعالى”.
من خلال هذين الاقتباسين يتبين أن الكبيطي يميز بين مراقبتي المناجاة والدعاء، والمناجاة ليست مشروطة بالحاجة، والدعاء في نظره مشروط بالحاجة. لكنه في ص 91 وأثناء حديثه عن منهجية مراقبة المناجاة، قال: “يتوجه بفقره إلى غنى الله يستشعر حاجته إلى الله تعالى وأنه المحتاج إليه”، فكيف يفصل بين المراقبة والحاجة في صفحة ثم يربط بينهما في الصفحة التي تليها؟.
وبما أن الكبيطي لا منهج له ولا ضابط له، فعلمه اللدني يقع في التناقضات، لذلك قال في ص 94 أثناء حديثه عن مراقبة الدعاء أنه “عبادة كمال وليس عبادة احتياج فقط كما يعتبرها أغلب الخلق …” ونسي أنه نفسه اعتبر الدعاء مرتبطا بالاحتياج في الاقتباس السابق من ص 90، وكذلك ربطه بالاحتياج أيضا في ص 95 حين قال: “الدعاء دليل الحاجة، وإن كان العبد مستغنيا عن ربه لما احتاج أن يدعوه”.
هذا الاضطراب والتناقض بين الصفحة والتي تليها لا نجده عند الصوفية الحقيقيين، فثبت أن الكبيطي صوفي زائف.
الملاحظة السادسة: بينا سابقا أن كتاب الكبيطي خلوٌ من الأدلة، لذلك نراه يقول بوجوب شيء يشتهيه ويخلع الفرضية عن شيء آخر بدون دليل أيضا، وقد يخترع أجرا لقُربة معينة، فهو رائد فقه التشهي.
لنتأمل دعواه السابقة أن الدعاء عبادة كمال، لكنه لم يوضح ذلك إلا في ص 94 بقوله: “الدعاء لا يدخل ضمن العبادات المفروضة، لأنه خطاب محبة وليس فرض واجب، فالصلاة صلة مفروضة على العبد، اما الدعاء فهو صلة كمال ومحبة مع الله تعالى”.
أولا: يجب أن يقول: وليس فرضا واجبا، أما “وليس فرض واجب” فعجمة ورطانة وجهل بأبجديات النحو العربي.
ثانيا: هل الدعاء من العبادات المفروضة أم لا؟
قال الله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما”، وفعل “صلوا” ورد بصيغة الأمر، لذلك قال العلماء بوجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال المالكية بأنها مفروضة على الأقل مرة واحدة في العمر.
ومثل ذلك الدعاء، ورد في القرآن الكريم بصيغة الأمر، واعتضد ذلك الأمر بقرائن من القرآن والسنة تبين أن الدعاء من العبادات المفروضة وليس كما ادعى الكبيطي، قال سبحانه وتعالى: “ادعوا ربكم تضرعا وخفية”، وقال سبحانه: “ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها”، “وقال ربكم ادعوني أستجب لكم”، “واسألوا الله من فضله”، “وادعوه خوفا وطمعا”، هذا التكرار في صيغة الأمر قرينة على الوجوب، يعضد ذلك ويقويه تتمة آية “وقال ربكم ادعوني أستجبب لكم”، فإنه قال بعدها: “إن الذين يستكبرون عن عبادتي” فسمى الإعراض عن الدعاء استكبارا عن عبادته جزاؤه “سيدخلون جهنم داخرين”، وبما أن الإعراض عن الدعاء معصية عقابها جهنم، كان ضده وهو الدعاء واجبا لا ريب، لأنه أمارة الخضوع لله وعدم الاستكبار، يضاف إلى ذلك حديث: “من لم يسأل الله يغضب عليه”، والفرار من غضب الله واجب، إضافة إلى حديث: “سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يُسأل”.
هذه النصوص وما فيها من صيغ الأمر أولا، والتحذير من الإعراض عن الدعاء ثانيا، وغضب الله من عدم دعائه ثالثا، كل هذا يؤيد حكم الوجوب والفرضية خلافا لدعوى الكبيطي. (من تناقضات الكبيطي أن له صيغة للصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم سماها دعاء الصلاة، قال فيها: “اللهم صل على فرض الدعاء وسنة الاستجابة” فجعل الدعاء فرضا).
وبعد أن رفض حكم الوجوب في شأن الدعاء والتوجه إلى الله، حكمَ بوجوب شيء آخر متوافق مع هواه، فقال في ص 25: “بما أن الإذن واجبٌ للانتفاع بالذكر، فمعناه أن ملازمة صاحب الإذن أمر واجب قطعا”، وهنا لم يكتف الكبيطي بحكاية الوجوب، بل زاد كلمة “قطعا” لأنه يتقن القصف اللغوي للتأثير على ضحاياه/مريديه.
وهنا نقول للكبيطي وغيره من دجاجلة العصر: ما دليلكم على وجوب الإذن في الذكر؟ ألم يأذن الله تعالى بالذكر حين أمر به في قوله: “فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم”، وفي “يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا”؟ هل هناك نص من الكتاب أو السنة ورد بصيغة الأمر يدل على وجوب الإذن في الذكر؟ وهل يوجد دليل من الشرع يوجب ملازمة الشيخ صاحب الإذن؟ أم أن الكبيطي يفرض على أتباعه ملازمتهم له ليستفيد من الفتوح والإكراميات وواجبات الانخراط في طريق السلوك إلى الله بزعمه؟
وفي ص 117 يتحدث الكبيطي في منهجية الاستعداد القبلي لمعراج الصلاة أن المريد يصلي مأموما مع شيخه، فيسافر خلفه إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويصلي فيه الركعة الأولى، ثم يكون مع شيخه مأمومين برسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعة الثانية خلف الكعبة المشرفة، ثم يصير مأموما بالأنبياء والمرسلين في الركعة الثالثة ببيت المقدس، دون إغفال معية شيخه وصحبته، وفي الركعة الرابعة تعرج روحه إلى الملكوت الأعلى فيصلي ركعة واحدة بألف صلاة.
أتعجب من تصديق هذه الخرافة التي يحكيها الشيخ ذو الخيال الجامح، ومن حقه أن يكون ذا خيال واسع، ومن حق أتباعه أن يكونوا أتباع التخيلات، لكن ما ليس من حقه هو ادعاء أجر معين على فعل معين ما لم يثبت بذلك دليل شرعي، فركعة واحدة بألف صلاة هذا ليس خيالا، هذا دجل وزندقة وكذب على الله تعالى.
الملاحظة السابعة: يضخم الكبيطي في كتبه من مكانة الشيخ، ويكرر ذلك في إطار القصف اللغوي حتى يؤثر في الأتباع وتصير مقولاته راسخة في أذهانهم، ويختصر مهام الشيخ في الإذن، وهذا سر رباني لا يمكن للمريد أن يحصل عليه بدون شيخ، وهنا سأورد نتفا من أقواله مع بعض التعليقات.
** يقول في ص 17: “إن كان مقام المشاهدة قائما على صحبة شيخ فتاح، فإن مقام المراقبة قائم على مبايعته”.
وهنا ننتقل إلى المبايعة، وللكبيطي متن خاص يسميه “مبايعة الرضى”، وآخر موسوم بـ”مبايعة الولاء”، وهو ميثاق الشيخ والمريد، ومما يقوله المريد في هذه المبايعة: “وبحق التولية التي وليتَ بها شيخي على أمري كله … اللهم .. اجعل شيخي ولي أمري، وله أسلم شأني، وفي حضرته أضع أمانتي، … اللهم إنك وليي، وسيدنا رسول الله [قلتُ: صلى الله عليه وسلم] نبيي، وشيخي والي أمري، وقد بايعته مبايعة الولاية على الصدق والإخلاص والطاعة والأمانة، وأبايعه في حضرتك على الصبر والتقوى وحسن الولاء والوفاء، وكمال التحلي وجمال التجلي، فاللهم بهذه الشهادة اقبل مبايعتي …”.
هذه البيعة نسجل عليها ملاحظة جوهرية، وهي أن البيعة أو المبايعة لا توجد ضمن أدبيات التصوف المغربي، فلا أبو الحسن الشاذلي بايع مولاي عبد السلام ابن مشيش، ولا ابن عجيبة أو البوزيدي أو الحراق بايعوا مولاي العربي الدرقاوي، ولا سيدي أحمد بن مبارك السجلماسي بايع القطب الدباغ.
وحتى الحركة الإسلامية المغربية تتميز عن نظيرتها المشرقية بعدم البيعة، خلافا للإخوان المسلمين مثلا.
وللكبيطي هرطقات متعددة حول المبايعة ذكرها في كتابه آداب المريدية، ومنها قوله في ص195: “المريد المبايع يعتبر مريدا مختوما على قلبه بختم شيخه، فلا يؤذن له في أخذ الورد أو التربية عن شيخ آخر إلا إذا فسخت بيعته ونزع الختم من قلبه”.
** ذكر الله عند الكبيطي نوعان:
أ ــ ذكرٌ للحصول على الأجر والتحقق بالطمأنينة، وهذا يحتاج إلى إذن عام من الشيخ.
ب ــ ذكرُ القرب والتطهير والترقية، وهذا يحتاج إلى إذن خاص. [ص:21].
وعموما، فالإنسان لن ينال الأجر إلا بالإذن من الشيخ، ولا يرتقي إلا بإذنه أيضا، فلا مفر له من الشيخ، وبما أن الشيخ المحمدي الوارث هو الكبيطي، فما على الإنسان إلا أن يشد الرحال إلى حضرته لتلقي الإذن منه.
وإذا فكر الإنسان في ذكر الله تلبية لأمر القرآن، يحاصره الكبيطي بقوله: “لا يمكن أن يتحقق العبد بحقيقة المعاني في الذكر دون حصوله على الإذن الحي” ص: 22.
ويزيد الكبيطي من محاصرة الذاكر ليجلبه إليه فيقول: “الانتفاع الكامل بمناهج المراقبة يحصل بالذكر المأذون لا بغيره” ص: 24، بمعنى لو ذكر الإنسانُ اللهَ ليلا ونهارا لما انتفع بذكره ما لم يلتق بالشيخ المحمدي الحي الذي هو الكبيطي.
وإذا فكر الإنسان في قراءة الأذكار الواردة في كتب ووظائف الإمام زروق أو النووي أو الشاذلي فإنه قد يعرض عن أوراد الكبيطي، لذلك يصر الكبيطي على تحذيره من ذلك حتى لا يضيع منه المريدون، فيقول في ص 24 عن الذكر المأذون: “هو الذي يؤخذ عن شيخ التربية مشافهة مع عقد النية على اتخاذه وردا مساعدا وسيلة مقربة، وليس هو الذكر الوارد في كتب السابقين أو المأخوذ عن المشايخ الداعين أو المدعين”، ولكي يؤثر على القارئ كان لا بد من بهارات الترغيب والترهيب.
فالترغيب يتمثل في توصيف الذكر المأذون بسلطان الذكر (ص 24)، وبالتالي فما على الإنسان إلا الانقياد والتسليم للكبيطي رغبة في تحقيق سلطان الذكر، إضافة إلى أن الذكر المأذون يرقي المريد ويسلك به إلى الله، بخلاف الذكر غير المأذون، فإنه ذكرُ الأجر فقط، يثقل الميزان بالحسنات التي قد يفقدها الإنسان بمجرد الغفلة او الوقوع في المعصية (ص 25)، وكأن الذكر المأذون لا يتعرض للإحباط بالسيئات والمعاصي.
والترهيب يتمثل في التحذير من مغبة الانفصال عن الشيخ الحي/الكبيطي ولو مع الاستمرار في الذكر (ص 25)، ولكي يبقى المريد مع الشيخ الحي/الكبيطي ولا ينفصل عنه انفصالا تاما، يبين له الكبيطي أنه لا يجوز للمريد الاستمداد من شيخ آخر، وعليه أن يستمد من شيخه لا غير حفاظا على قواعد وأدب الروح (ص 120)، أما الاستمداد من شيوخ آخرين فلا يصح، لأن روحه تتأذى إن تشربت من منابع مختلفة ولا تنتفع بذلك (ص 119).
وهذه ليست طرق الشيوخ المربين، وهي أشبه ما يكون بطرق النصابين شيوخ البيزنيس الذين يريدون أن يكون مريديوهم زبناء لهم دون أدنى منافسة من الآخرين، ولكي يحكم الكبيطي قبضته على مريديه، بيّن لهم آداب الذكر، ومنها أن الذاكر مطالبٌ باستحضار رقابة الله ورقابة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ورقابة الشيخ، (ص 27)، وكأن المريد أمام الأقانيم الثلاثة في المسيحية، وبماذا سينتفع المريد بمراقبة شيخه أو استحضاره؟ وهل الشيخ يراقب نفسه أصلا كي يراقب غيره؟
الملاحظة الثامنة: سئل الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم عن الروح، فكان الجواب من الله العلي العليم: “ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا”.
أما عزيز الكبيطي فيعلم كثيرا عن الروح وتفاصيلها ومتعلقاتها، وقد أكثر في كتابه هذا من ذلك، فزعم أن المعراج الروحي لصاحب المراقبة يتحقق بسفر الروح ومفارقتها للجسد (ذكر هذا في صفحات متعددة).
ومفارقة الروح للجسد لا تقع للإنسان مرة واحدة، ولا تقع له مرات في فترات متعددة، بل قد تقع للإنسان عشر مرات في الثانية، وفي هذا يقول الكبيطي: “ضعف اليقين في الله والثقة في المرشد يخلق ترددا داخليا لا يعطي الحرية الكاملة للروح، فقد تخرج وتعود للجسد عشر مرات في الثانية نتيجة ضعف اليقين والثقة” ص 108.
وهكذا ليخدم الملاحظة السابقة، وهي ضرورة التسليم للشيخ/هو واليقين فيه، يمارس الترهيب، فيبين للإنسان أنه قد يتعرض لزلزال روحي إذا ضعفت ثقته ويقينه في الشيخ، وهذا الزلزال قد يتجلى في فقْد الحرية الكاملة للروح، وحبذا لو كتب لنا الكبيطي منشورا يبين فيه معنى حرية الروح.
ويزيد الترهيب قوة حين يبين للمريد/الضحية أن روحه قد تغادر جسده عشر مرات في الثانية، لذلك لا يستطيع من بايع الكبيطي أن ينفصل عنه البتة خوفا من هذا الزلزال الروحي الصعب.
أما الحديث عن استفادة الروح ورقيها فمرتبط عنده بالشيخ المأذون الفتاح أيضا، بمعنى أن الحديث عن الروح والحديث عن الشيخ بينهما تلازم كبير، هنا يقول: “كلما كان إذن الشيخ واسعا كلما استفادت منه أرواح وتذوقت، لكن هناك من المشايخ من يستفيد منهم مريديهم!! فقط، وكلما كان إذن الشيخ قويا كلما توسعت دائرة الأرواح المستمدة منه، وكلما كان إذنه متوارثا قلّت الأرواح المنتفعة منه” ص 119. وهكذا صار الكبيطي (باعتباره وارث رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده سر اللقاء به) صاحب إذن قوي وأن الأرواح تنتفع به وتستفيد منه.
وإذا طالبت بالدليل على كل هذه الغيبيات تواجَه بضرورة التسليم وإلا فإنك محجوب.
الملاحظة التاسعة: بعض فقرات الكتاب ليست سوى لغو وحشو لا زمام لها ولا خطام، ولا علاقة لها بسياق، وقد أعرضت عن ذكر نماذج للتطويل.
الملاحظة العاشرة: للكبيطي أخطاء عقدية بالجملة، وسوء أدب مع الله تعالى بدون حد، وهنا أورد فقرة في ص 58 يقول فيها بأن البعض يعتقد أن الاستمداد هو التوجه المباشر إلى الله بأسمائه أو صفاته خلال الذكر، وهذا فهمٌ محدود تكون نتيجته ضيقة، وبدلا عن ذلك يدعو إلى الاستمداد من روح موصولة متصلة، بهذه الوسيلة يصل المددُ إلى المريد بقوة.
هل هناك عارف بالله يدعو إلى استبدال الاستمداد من أسماء الله وصفاته بالاستمداد من روح الشيخ؟
الاستمداد من الأسماء الحسنى دليله قطعي، وأقصى ما يمكن أن يقال عن الاستمداد من روح الشيخ فدليله ظني في أحسن الأحوال، وهو قد يختلط بالوساوس والخواطر الشيطانية، فكيف نستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؟
خاتمة: هذه الملاحظات العشر بينا من خلالها أن الكبيطي في واد والصوفية الحقيقيون في واد آخر، وأنه ليس صوفيا وليس عارفا وليس شيخا محمديا وليس ممن يلتقي برسول الله صلى الله عليه وسلم وليس ممن يتلقى العلم اللدني، لكننا سنختم المقال بما ختم به كتابه الذي ألفه في صيغ الصلوات على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما أسماه “صلاة الختام”، ونصها: “يا أولُ المؤمنين، يا مهيمن يا متكبر، سبحانك خلقتَ فيك جلالا تدافع به عن عبادك متكبرا جبارا، يا من لجأنا إليه بالعزيز فأعزَّ الضعيف والقوي، كيف لنا أن لا نلجأ للخالق الذي أحسن خلقنا وصور حسننا، ربي البارئ الطاهر، غفرت لنا ووهبت لنا من لدنك رزقا حسنا”.
أولا: هذه الصيغة من الصلاة ركيكة الأسلوب، وهذه عادة الكبيطي.
ثانيا: هذه الصيغة على قلة كلماتها تتضمن أخطاء، فلا نقول: يا أولُ المؤمنين، بل أولَ المؤمنين، ولا نقول: ربي البارئ الطاهر غفرتَ لنا، لأن في حال النداء والدعاء نقول: ربِّ، ولو كان الكبيطي يقرأ القرآن لعرف “وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا …” وليس ربي، ولعرف “رب قد آتيتني من الملك …” وليس ربي، ولكنه تعود على قراءة “ربي” في الأدعية التي تعوّد السائقون كتابتها في الواجهة الخلفية لشاحناتهم فكانوا له شيوخا وكان هو شيخا لضحاياه.
ثالثا: ما معنى أن يقول الكبيطي في هذه الصيغة مخاطبا الله تعالى: “خلقتَ فيك جلالا”؟ فهل صفات الله مخلوقة عند الكبيطي؟ ألم أقرر من قبل بأن منشوراته حبلى بالانحرافات العقدية؟
أعتذر للقراء عن هذا التطويل، وقد أملاه علينا واجب إظهار الحق وعدم السكوت على الباطل، وليعلموا أننا أعرضنا عن ملاحظات أخرى في هذا الكتاب.
اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا هداة مهتدين.




تعليقات الزوار ( 0 )