عاد سمك السردين، أحد أكثر المواد الغذائية ارتباطًا بالقدرة الشرائية للأسر المغربية، إلى واجهة الجدل مع تسجيل ارتفاعات لافتة في أسعاره تجاوزت 30 درهمًا للكيلوغرام ببعض المدن، في سياق يتسم بندرة العرض وتراجع كميات التفريغ بأسواق الجملة، تزامنًا مع فترة الراحة البيولوجية وارتفاع الطلب مع اقتراب شهر رمضان، ما أعاد طرح إشكالية توازن سوق الأسماك السطحية الصغيرة.
وفي مقابل هذه التطورات، سارعت السلطات إلى اتخاذ إجراءات تنظيمية همّت تعليق وتقييد تصدير السردين وتوسيع مبادرات تسويق موجهة للسوق الداخلية، غير أن السياق العام يثير تساؤلات حول مدى نجاعة هذه التدابير في كبح الغلاء، وقدرتها على الصمود أمام ضغط الطلب الموسمي، فضلًا عن حدود تدخل الدولة في سوق يخضع لمنطق المنافسة، في ظل مؤشرات مقلقة حول استدامة المخزون البحري وانعكاس ذلك على المهنيين والمستهلكين معًا.
-اختلال ظرفي
يرى بوشعيب شادي، رئيس الكونفدرالية المغربية لتجار السمك بالجملة، أن ما يشهده سوق السردين اليوم يمكن توصيفه باختلال قد يكون ظرفيًا وقد يمتد إلى المدى المتوسط، خاصة في ارتباطه بفترة الراحة البيولوجية.
وأبرز شادي في تصريح لجريدة “الشعاع”، أن الكونفدرالية نبهت في وقت سابق إلى هذا الوضع، غير أن وزارة الصيد البحري فضلت الاعتماد على البحث العلمي والدراسات المعمقة قبل اتخاذ قراراتها، خصوصًا فيما يتعلق بتراجع المخزون السمكي، لا سيما في المنطقة “C” جنوب بوجدور.
وأشار إلى أن نتائج البحث العلمي التي يشرف عليها المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، أظهرت خلال السنوات الأخيرة تراجعًا مقلقًا في المخزون، ما كان يستدعي إعادة النظر في مدة الراحة البيولوجية الحالية، التي تتراوح بين شهر ونصف وشهرين.
ومع ذلك، يثمن قرار كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري القاضي باستئناف نشاط المراكب ابتداءً من 15 فبراير الجاري بدل نهاية الفترة، معتبرًا أن الهدف المعلن هو توفير المنتج السمكي للمواطن المغربي بأثمنة في المتناول.
ولكن شادي يؤكد أن الإشكال لا يكمن فقط في توقيت الاستئناف، بل في منطق تدبير الراحة البيولوجية نفسه، معتبراً أن الاقتصار على مناطق معينة، من الصويرة إلى الجنوب، يخلق تفاوتات واختلالات في السوق، كان يمكن تفاديها باعتماد راحة بيولوجية على الصعيد الوطني، كما هو معمول به في مصيدة الأخطبوط.
-راحة وطنية
يدافع بوشعيب شادي بقوة عن فكرة تعميم الراحة البيولوجية وفرضها وطنيًا، بدل الاقتصار على مناطق دون أخرى، معتبراً أن هذا الخيار من شأنه أن يخلق وضوحًا لدى جميع المتدخلين، من مهنيين ومواطنين، ويجنب السوق حالة الارتباك الحالية، حيث يغيب السردين كليًا عن بعض الأسواق بسبب المنع أو الظروف المناخية التي تعيق الصيد.
وأضاف أن المواطن المغربي، حين يكون على علم بغياب السردين على المستوى الوطني خلال فترة محددة ومعلومة، سواءً في أسواق البيع الأول أو الثاني، يتقبل الوضع ويطمئن إلى أن الغاية هي حماية المخزون وضمان وفرة مستقبلية.
ونبه رئيس الكونفدرالية المغربية لتجار السمك بالجملة، إلى أنه حين يكون المنتج حاضرًا في مناطق وغائبًا في أخرى، فإن ذلك يفتح الباب أمام المضاربات وارتفاع الأسعار.
واعتبر أن تعميم الراحة البيولوجية، مرفوقًا بمراقبة قبلية وبعدية صارمة، من شأنه أن يضمن عند عودة الوفرة، تسويق السردين بأثمنة معقولة في البيع بالتقسيط، وهو ما يخدم في النهاية مصلحة المستهلك ويحفظ التوازن داخل السوق.
-حكامة السوق
ينتقل شادي إلى تشخيص أعطاب أعمق تمس حكامة سوق السمك، مشيرًا إلى أن بعض أنماط استغلال المصايد، خاصة في الجنوب، لها تأثير سلبي على المخزون وعلى بنية السوق.
وشدد على أن معالجة هذه الإشكالات يجب أن تتم بمنطق وطني غيور على الثروة البحرية، دون استهداف الاستثمارات الصناعية أو المعامل، التي يقر بدورها في جلب العملة الصعبة.
وغير أن السؤال الجوهري في نظره، يتعلق بتثمين المنتج لصالح المواطن المغربي، مستحضرًا في هذا السياق أهداف مخطط “أليوتيس”، الذي كان يراهن على رفع استهلاك الفرد من السمك إلى 20 كيلوغرامًا سنويًا، مقابل واقع لا يتجاوز حسب تقديره، 13 كيلوغرامًا حاليًا.
وأردف أن المقاربة المعتمدة إلى اليوم لم تعد صالحة، وتحتاج إلى مراجعة شاملة تقوم على آليات أكثر مرونة، لكنها في الوقت ذاته أكثر صرامة في المراقبة، خاصة ما يتعلق بإلزام مرور المنتج عبر المزاد العلني، ومنع تسويقه عبر قنوات موازية تكرس الاحتكار والتحكم في الأسعار.
-احتكار ومنافسة
يحذر بوشعيب شادي من هيمنة فئة محدودة على مفاصل السوق، سواءً في أسواق البيع الأول أو الثاني، وما يترتب عن ذلك من تحكم في العرض والثمن، بل وحتى التأثير على القرارات الإدارية، بما يخدم مصالح ضيقة على حساب آلاف التجار الصغار والمتوسطين.
وأكد أن فتح أسواق البيع الأول أمام هؤلاء التجار، وتمكينهم من ولوج عادل للمزاد العلني، من شأنه خلق منافسة حقيقية، وكسر منطق الاحتكار، وضمان وصول المنتج بجودة عالية إلى مختلف الجهات.
واعتبر رئيس الكونفدرالية المغربية لتجار السمك بالجملة، أن غياب السردين عن السوق اليوم ليس سوى مؤشر صارخ على أزمة بنيوية أعمق تضرب قطاع الصيد البحري برمته.
-تقييد التصدير
بخصوص قرار تقييد تصدير السردين، يصفه شادي بالمبادرة المحمودة من حيث المبدأ، خاصة إذا كان الهدف هو ضمان تموين السوق الوطنية بمنتج ذي جودة عالية، يخضع لمراقبة بيطرية صارمة، ويصل إلى المستهلك بأثمنة مناسبة، في ظل غياب الوفرة.
وغير أنه في المقابل، ينبه إلى الأثر السلبي المحتمل على مستوى العملة الصعبة، ويطرح تساؤلات جوهرية حول القيمة المضافة للمنتج المغربي، مشيرًا إلى أن أكثر من 50 في المائة من السردين حسب تقديره، يصدر دون تصنيع أو تثمين حقيقي، ما يضيع على البلاد فرصًا لمضاعفة العائدات ثلاث أو أربع مرات.
واعتبر أن المجلس الأعلى للحسابات أصاب حين “وضع الإصبع على الداء”، داعيًا إلى فتح نقاش صريح حول نسب التصدير الخام، وإعادة توجيه السياسات نحو تشجيع التحويل الصناعي والتلفيف، بما يخدم الاقتصاد الوطني والمواطن معًا.
-العدالة المجالية والاستدامة
في محور العدالة المجالية، يؤكد شادي أن أول إجراء عملي يجب اتخاذه هو إعادة النظر في المصطادات بالمنطقة “C”، خاصة في المراكز الكبرى، مع تخصيص حصة واضحة من المنتج القابل للتسويق لأسواق البيع الأول، وتمكين التجار من المرور عبر المزاد العلني، بدل حصر العملية في فئة بعينها.
واقترح اعتماد منع وطني موحد للصيد لمدة 60 يومًا، يهدف إلى ضمان التوالد والحفاظ على البيئة البحرية، مع تقييد التصدير خلال الفترات الحساسة، بما يضمن توجيه المنتج للسوق الداخلية، وتحقيق استقرار نسبي في الأسعار، مع الحفاظ على استدامة الموارد.
وشدد على أن السردين يمثل ما بين 70 و75 في المائة من الإنتاج الوطني من السمك السطحي، مقابل نسبة محدودة للأسماك البيضاء، التي لا يمكنها تغطية حاجيات السوق لا من حيث الكمية ولا من السعر، نظرًا لارتفاع كلفة المحروقات والاقتطاعات.
ولفت إلى أن الكونفدرالية المغربية لتجار السمك بالجملة تظل منفتحة على البحث عن حلول تشاركية، تحت شعار جعل المنتج في متناول المواطن، ومحاربة الاحتكار والمضاربة، مع احترام بائعي التقسيط الشرفاء، والدعوة إلى إعلان لوائح أسعار واضحة وشفافة، كمدخل أساسي لإصلاح سوق السمك واستعادة ثقة المستهلك.



تعليقات الزوار ( 0 )