لم يأتِ قرار المحامين بالتوقف عن تقديم خدماتهم المهنية لمدة أسبوع كامل باعتباره خطوة احتجاجية عابرة أو رد فعل انفعالي على نص تشريعي قابل للأخذ والرد، بل جاء بوصفه لحظة مفصلية كاشفة عن توتر عميق يسكن العلاقة بين السلطة ومهنة ارتبط وجودها تاريخيا بوظيفة الوساطة بين الفرد والدولة، وبين الحق والقوة، وبين النص والواقع. فالإضراب في معناه الأوسع، وليس تعليقا للعمل بل تعليق مؤقت لشرعية الصمت ورفض صريح لإعادة هندسة العدالة بمنطق إداري صرف يفرغها من بعدها الحقوقي والإنساني.
إن مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة كما طرح في صيغته الحكومية، لم يستقبل داخل الأوساط المهنية كنص تقني يهدف إلى التحديث، بقدر ما قرئ باعتباره تعبيرا عن نزعة متصاعدة لإعادة ضبط الحقول الوسيطة داخل المجتمع وفي مقدمتها المهن القانونية، وذلك وفق منطق السيطرة الناعمة والتقنين الصارم. فالمحامي في المخيال الدستوري والحقوقي ليس مجرد فاعل مهني يخضع لمنطق الترخيص والمراقبة، بل هو جزء عضوي من منظومة العدالة وضامن أساسي لحق الدفاع وفاعل ضروري في تحقيق التوازن بين أطراف غير متكافئة في الأصل.
ومن هذا المنطلق يرى المحامون أن خطورة المشروع لا تكمن فقط في بعض مواده المثيرة للجدل، بل في الفلسفة التي تؤطره والتي تميل إلى تحويل المحاماة من مهنة مستقلة ذات تنظيم ذاتي إلى نشاط مهني خاضع لمنطق الوصاية، حيث تتسع سلطة التدخل الإداري وتتقلص هوامش الاستقلال، ويعاد تعريف العلاقة بين المحامي والسلطة التنفيذية بطريقة تثير القلق بشأن مستقبل حرية الدفاع، فحين يصبح المحامي معرضا للمساءلة أو التضييق بسبب أدائه المهني أو مواقفه الدفاعية فإن ذلك لا يمس شخصه فقط، بل يضرب في العمق فكرة المحاكمة العادلة باعتبارها منظومة متكاملة لا تقوم إلا بتكامل أدوارها واستقلالها.
فالاحتجاج في هذا السياق لم يكن دفاعا عن امتيازات فئوية كما حاولت بعض الخطابات تبسيطه، بل دفاعا عن وظيفة اجتماعية تتجاوز حدود المهنة، فإضعاف المحامي يعني عمليا إضعاف المواطن في مواجهة سلطة تمتلك أدوات القانون والضبط والإكراه، ويعني أيضا تقليص قدرة العدالة على لعب دورها التحكيمي، وتحويلها إلى إجراء شكلي يفتقد إلى الروح النقدية التي يمثلها الدفاع الحر، ولهذا فإن كثيرا من الأصوات داخل الجسم الحقوقي ربطت بين ما يتضمنه المشروع وبين مخاطر حقيقية تهدد ضمانات المحاكمة العادلة كما هي متعارف عليها دوليا.
وما زاد من حدة الاحتقان ليس فقط مضمون النص بل الطريقة التي تم بها تدبير مساره التشريعي، فالمحامون يؤكدون أن المشروع خرج إلى الوجود في صيغته الحالية خارج روح الحوار الذي فتح مع وزارة العدل، وأن ملاحظات جوهرية تم الاتفاق بشأنها جرى تجاهلها عند الصياغة النهائية، وهو الأمر الذي عمق الشعور بغياب الثقة في آليات التشاور، وحول الخلاف من نقاش مهني إلى أزمة في العلاقة بين الدولة وأحد مكونات العدالة، وهنا لم يعد السؤال يتعلق بنص قانوني بعينه، بل بمن يملك سلطة تعريف الإصلاح ومن يحدد حدوده، ومن يتحمل كلفته الرمزية والحقوقية.
وقد لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا محوريا في تحويل هذا التوتر إلى نقاش عام مفتوح، حيث خرجت القضية من جدران الهيئات المهنية إلى فضاء أوسع، حيث تداول فيه المحامون والحقوقيون والفاعلون المدنيون تحليلات وتحذيرات تذهب في اتجاه واحد، ومؤداه أن المساس باستقلال الدفاع هو مساس مباشر بحقوق المتقاضين، وهذا النقاش الرقمي لم يكن مجرد تفاعل عاطفي بل شكل مساحة لإنتاج خطاب مضاد يعيد مساءلة الخطاب الرسمي حول التحديث، ويكشف التناقض بين شعارات الإصلاح ومآلاته العملية.
وعلى المستوى الدولي لم يكن لجوء هيئات المحامين إلى طلب التضامن الخارجي تعبيرا عن ضعف داخلي، بل استدعاء لمنظومة قيم ومعايير تعتبر استقلال المحاماة شرطا جوهريا لدولة القانون، فالتفاعل الذي أبدته بعض الهيئات المهنية والمنظمات الحقوقية الدولية أعاد التأكيد على أن دور المحامي، كما هو متعارف عليه في المبادئ الأممية لا يمكن اختزاله في وظيفة تقنية، بل هو دور نقدي وحمائي وأحيانا مزعج للسلطة، لأنه يقوم أساسا على مساءلتها من داخل القانون.
فخطورة المشروع كما تتبدى في هذا السياق لا تتجلى فقط في حاضره بل في آثاره المستقبلية، فهو يفتح الباب أمام عدالة أكثر صمتا ودفاع أكثر حذرا ومهنة تفكر في النجاة بدل الجرأة، وفي مجتمع لا تزال فيه موازين القوة مختلة فإن أي إضعاف للحلقات الوسيطة بين الفرد والسلطة يترجم تلقائيا إلى تراجع في منسوب الحماية الحقوقية مهما كانت النوايا المعلنة حسنة.
ومن هنا يصبح الإضراب حدثا ذا دلالة اجتماعية وسياسية عميقة، لأنه يعيد طرح سؤال العدالة خارج النصوص الجامدة، فهل نريد عدالة تدار بمنطق الضبط، أم عدالة تقوم على التوازن؟ وهل نريد محاميا مؤطرا بالخوف أم محاميا مسلحا بالاستقلال؟ فهذه الأسئلة لا تخص المحامين وحدهم بل تمس كل مواطن قد يجد نفسه في لحظة ما في مواجهة سلطة لا يملك أمامها سوى صوت الدفاع.
وبهذا المعنى لا يبدو الصراع الدائر حول مشروع قانون المحاماة نزاعا مهنيا محدودا، بل لحظة اختبار حقيقية لقدرة الدولة على الإصلاح دون إخضاع وعلى التنظيم دون إفراغ، وعلى تحديث العدالة دون المساس بروحها، وهي لحظة تظهر أن العدالة ليست مجرد قوانين تسن بل توازنات دقيقة تبنى وإذا اختل أحد أعمدتها اختل البناء كله.



تعليقات الزوار ( 0 )