أسدلت غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بمراكش، يوم الجمعة الماضي، الستار على قضية ذات أبعاد قانونية ومؤسساتية بالغة الأهمية، بعد أن قضت بإدانة محام يزاول بإمينتانوت من أجل جناية التزوير في محرر رسمي.
وقضت المحكمة في حقه بسنتين ونصف حبسا موقوف التنفيذ، وغرامة مالية قدرها عشرة ملايين سنتيم، مع تحميله الصائر دون إجبار، والأمر بإتلاف الوثائق المزورة. كما قررت عدم قبول المطالب المدنية في الدعوى التابعة، وتحميل رافعها الصائر، مع التصريح ببراءة ثلاثة متهمين آخرين كانوا متابعين بتهمة المشاركة في استعمال محرر رسمي مزور.
ويعيد هذا الحكم إلى الواجهة نقاشا قانونيًا عميقا حول طبيعة الصفة الرسمية التي خولها المشرع للمحامين في مجال تحرير بعض العقود، وحدود هذه الصفة، وما يترتب عنها من مسؤوليات جنائية جسيمة في حال الإخلال بضوابطها أو الانحراف عن مقاصدها. فالاجتهاد القضائي المستقر، كما كرسته محكمة النقض، يؤكد أن المحرر الرسمي لا يستمد حجيته من الشكل أو من صفة محرره فقط، بل من احترامه الدقيق للإجراءات الجوهرية التي يفرضها القانون، ومطابقته للحقيقة في الوقائع التي يثبتها.
وتعود وقائع الملف، بحسب ما استقر في قناعة المحكمة، إلى قيام المحامي المعني بتحرير عقدين بمكتبه، يتعلق الأول ببيع منزل، والثاني ببيع بقعة فلاحية كائنة بجماعة سيدي غانم بدائرة إمينتانوت. وذُيِّل العقدان بخاتمه الذي يشير إلى صفته كمحام مقبول للترافع أمام محكمة النقض.
غير أن النزاع تفجر عقب اعتراض ملاك على الشياع، اعتبروا أن العقدين تضمنا معطيات وبيانات مخالفة للحقيقة، وشبهات تزوير همت أرقاما وتواريخ المصادقة، إضافة إلى تناقضات جوهرية مرتبطة بملكية العقارين وقواعد الإرث.
وأكدت شكاية ذوي الحقوق أن المحررين موضوع المتابعة ترتب عنهما إقصاء بعض الورثة من حقوقهم المشروعة، وذلك في خرق صريح لمقتضيات آمرة تؤطر التصرف في الملكية المشاعة وتحمي الحقوق الثابتة للورثة.
وبالنظر إلى خطورة الأفعال المنسوبة وما تنطوي عليه من مساس بالثقة العامة، التمست النيابة العامة إجراء بحث معمق وترتيب الآثار القانونية اللازمة، وهو ما انتهى بإحالة الملف على غرفة الجنايات المختصة.
ويبرز من خلال هذا القرار أن المحكمة استحضرت في تعليلها المبادئ التي أرساها قضاء محكمة النقض بخصوص جريمة التزوير في المحررات الرسمية، والتي تقوم متى ثبت تغيير الحقيقة في محرر يثبت واقعة أو تصرفًا قانونيًا بإحدى الوسائل التي يحددها القانون، وكان من شأن هذا التغيير إحداث ضرر محقق أو محتمل.
كما استقر الاجتهاد القضائي على أن سوء النية في التزوير يُستخلص من ظروف وملابسات القضية، ولا يشترط فيه اعتراف صريح، متى دلت الوقائع الثابتة على العلم بالحقيقة والإقدام على مخالفتها.
ولا ينفصل هذا الملف عن النقاش العمومي الذي أثير خلال الأشهر الأخيرة حول تحرير العقود المتعلقة بالتصرفات العقارية، خاصة في ظل التصريحات التي أدلى بها وزير العدل في يوليوز الماضي، والتي دعا فيها إلى حصر إبرام عقود بيع العقار في الموثقين والعدول، بالنظر لما تتطلبه هذه العقود من دقة تقنية وإجراءات شكلية وجوهرية، وما قد يترتب عن الإخلال بها من مخاطر قانونية جسيمة، قد تمتد في بعض الحالات إلى شبهات غسل الأموال أو المساس بالأمن التعاقدي.
ويؤكد هذا الحكم أن الصفة المهنية، مهما كانت مكانتها أو رمزيتها، لا تشكل حصانة من المساءلة الجنائية متى ثبت المساس بحقوق الغير أو بالثقة التي يوليها المشرع للمحررات الرسمية.
كما يكرس مبدأ جوهريا مفاده أن تحرير العقود ليس مجرد إجراء شكلي، بل عمل قانوني دقيق تحكمه قواعد آمرة، ويقع محرره تحت طائلة المسؤولية الجنائية متى انحرف عن الحقيقة أو أخل بواجب التحري والتثبت.
وبذلك، يتجاوز أثر هذا القرار أطراف النزاع ليبعث برسالة واضحة إلى مختلف المتدخلين في مجال توثيق المعاملات، مفادها أن حماية الأمن القانوني واستقرار المعاملات رهينان باحترام القانون، وأن القضاء، انسجامًا مع نهج محكمة النقض، يظل حارسًا للثقة العامة، لا يتردد في ترتيب الجزاء كلما ثبت المساس بها.



تعليقات الزوار ( 0 )