أعاد كتاب جديد بعنوان “الزعامة القبلية والوحدة الوطنية.. ما قيل وما لم يقل” للشيخ الصحراوي عبد الله الصالحي فتح النقاش حول البعد التاريخي والقبلي لقضية الصحراء، مسلطا الضوء على الدور الذي لعبته القبائل الصحراوية في الحفاظ على التماسك الاجتماعي وتعزيز الروابط التاريخية مع الدولة المغربية عبر قرون.
وجرى تقديم الكتاب مؤخرا خلال فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، حيث اعتبر متابعون أن الإصدار يتجاوز الطابع الأكاديمي التقليدي، ليطرح قراءة سياسية وتاريخية تنطلق من داخل البنية الاجتماعية الصحراوية نفسها.
ويقدم عبد الله الصالحي، بصفته أحد شيوخ القبائل الصحراوية، رؤية تستند إلى الذاكرة القبلية والتقاليد الاجتماعية التي ظلت حاضرة في الصحراء، مؤكدا أن القبيلة لم تكن عائقا أمام بناء الدولة، بل شكلت عنصر استقرار وتنظيم داخل المجتمع الصحراوي، خاصة في البيئة الصحراوية المعقدة.
ويركز الكتاب على الوظائف السياسية والاجتماعية التي اضطلعت بها القيادات القبلية تاريخيا، من خلال الوساطة بين السكان والسلطة المركزية، والحفاظ على التوازنات الاجتماعية، إضافة إلى دورها في إدارة النزاعات وترسيخ الهوية الجماعية المرتبطة بالمغرب.
كما يتناول المؤلف مسألة الروابط القانونية والتاريخية بين القبائل الصحراوية والعرش المغربي، مستحضرا نظام “البيعة” الذي نظم لعقود طويلة العلاقة بين سلاطين المغرب وقبائل الصحراء، إلى جانب وثائق تاريخية ومراسلات وتعيينات رسمية تؤكد هذا الارتباط قبل فترة الاستعمار الإسباني.
ويشير الكتاب أيضا إلى الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية سنة 1975، الذي أقر بوجود روابط قانونية وولاء تاريخي بين الصحراء والمغرب، وهو المعطى الذي يعتبره الكاتب جزءا من الذاكرة السياسية التي جرى تهميشها في كثير من الطروحات المعاصرة المرتبطة بالنزاع.
ويتوقف المؤلف عند التحولات التي عرفتها المنطقة مع ظهور جبهة البوليساريو سنة 1973، موضحا أن الحركة نشأت في سياق دولي وإيديولوجي مرتبط بالحرب الباردة وحركات التحرر ذات التوجه الاشتراكي والثوري، وهو ما انعكس على طبيعة خطابها السياسي والتنظيمي.
ويرى الكتاب أن هذا التوجه أدى تدريجيًا إلى إضعاف الأدوار التقليدية للقبائل والقيادات الاجتماعية، لصالح نموذج سياسي مركزي ذي طابع إيديولوجي، حاول إعادة تشكيل التمثيل الصحراوي وفق مقاربات مختلفة عن البنية التاريخية للمجتمع الصحراوي.
كما يسلط الإصدار الضوء على تعدد التيارات والمواقف داخل المجتمع الصحراوي، مشيرا إلى أن الواقع لم يكن يوما موحدا بالكامل خلف رؤية سياسية واحدة، سواء داخل الأعيان التقليديين أو بين الشخصيات التي التحقت سابقا بالبوليساريو قبل أن تعود إلى المغرب أو تنتقد أوضاع مخيمات تندوف.
ويتناول الكتاب بروز تيارات وشخصيات صحراوية تدعو إلى مقاربات بديلة للنزاع، من بينها الحركة الصحراوية من أجل السلام، إلى جانب تنامي حضور الزعامات القبلية باعتبارها فاعلًا اجتماعيًا لا يزال يحتفظ بتأثير مهم داخل المجتمع الصحراوي.
ويأتي نشر هذا العمل في سياق دولي يشهد تزايد الدعم لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب باعتبارها حلًا سياسيًا واقعيًا للنزاع، وهو ما أعاد النقاش حول دور الأعيان والقبائل في أي تسوية مستقبلية بالمنطقة.
ويطرح الكتاب فكرة إدماج البعد القبلي بشكل عقلاني داخل مشاريع التنمية والحكامة الجهوية، من خلال الاستفادة من الشرعية الاجتماعية والتاريخية التي تتمتع بها البنيات القبلية، بدل التعامل معها باعتبارها مجرد امتداد للماضي.



تعليقات الزوار ( 0 )