في سياق الجدال القائم حول نظام الطيبات للدكتور ضياء العوضي، وانتشار حملات تشويه ممنهجة لمحاربة أفكاره من قبل المجتمع الطبي والتصنيعي للأدوية؛ وبالعودة إلى سننية التاريخ التداولي العلمي، نجد أنه من الطبيعي أن يحدث هذا الجدال والرفض الخارج عن إطار التحليل العلمي، المتوجه نحو شخصنة النظرية بادعاء التسبب في قتل العديد من متابعي النظام، والتنمر على سلوك الفرد بمقاربة شخصانية بعيدا عن مناقشة علمية تفكيكية عميقة لنظرية يمكن أن تكون عبقرية في خروجها عن صنمية قداسة العلوم التجريبية، التي تحولت من نسبية التطور إلى ثوابت علمية مقدسة غير قابلة للتطور أو التغيير.
اليوم، ما نراه من هجوم على نظام الطيبات، دونا عن أنظمة غذائية عديدة تداولها الكثير من غير المتخصصين -منهم من سموا أنفسهم أخصائيي أغذية دون شهادات، أو كوتشات رياضة، أو مؤثرين في مواقع التواصل، أو عشابة تفننوا في صناعة الحلقة الفرجوية، وقد يكونون قد تسببوا في قتل عشرات من متابعيهم بوصفات عشبية غير محسوبة، أو أنظمة كيتو وكارنيفور وغيرها الكثير- ولم يقف لهم المجتمع الدولي بالمرصاد، ولا وجهت لهم أصابع الاتهام وحملات تشويه إعلامي ومنابر اتهام أو تجريم لأنظمتهم الغذائية.
اليوم نحن أمام تجاذبات لمنظومة علمية تذكرنا بتداول سنن التاريخ العلمي، لتعيد إنتاج عقلية الرفض المتداول تاريخيا وعبر قرون لأي منظومة علمية جديدة تخترق قداسة أنظمة الثبات العلمي الموحدة عالميا. فالتاريخ يشهد لنا بعدم اعتراف العلماء بنظريات جديدة لعلماء بارزين بمساهماتهم في التاريخ العلمي والمجتمع الدولي في شتى المجالات. فما يحصل اليوم مع نظام الطيبات وعبقريته في ربط الجسم بالنظام الغذائي لتفادي أمراض مزمنة لم تكن وليدة فكرته، بل أثبتها علماء قبله وقوبلت بالرفض رغم النتائج الهائلة التي أحرزتها.
واستنادا إلى هذا الرفض، قد نستشهد بنماذج معروفة من علماء بارزين تم تهميشهم في حياتهم رغم الاستفادة من علمهم الذي يوظف اليوم في مجالات التقدم العلمي؛
أولا: نيكولا تسلا الذي قدم إسهامات هائلة في الكهرباء والتيار المتناوب، لكن أديسون حارب أفكاره إعلاميا وتجاريا، وحصل بذلك التنقيص من علمه وااختراعه على شهرة وثروة ضخمة، رغم أن أنظمة تسلا -مؤسس النظرية المهمش في حياته- أصبحت هي الأساس والمرتكز في أنظمة الكهرباء الحديثة.
ثانيا: العالمة روزاليند فرانكلين التي كان لها الفضل في اكتشاف الحمض النووي بالتقاطها لصور الأشعة السينية، والتي كانت أساسية لفهم البنية الحلزونية للحمض النووي؛ بدورها لم يعترف بها في حياتها، وذهب الفضل كله إلى فرانسيس وجيمس واطسون ولم تلق أي تقدير أو اعتراف أو تكريم لإنجازها في حياتها.
ثالثا: العالم جورج مندل الذي وضع قوانين الوراثة الأساسية من خلال تجاربه على نبات البازلاء، حيث كان مصيره تجاهلا تاما من قبل المجتمع العلمي ولم يعترف بأبحاثه لسنوات طويلة، ولم تقدر قيمتها إلا بعد مرور سنوات على وفاته.
رابعا: العالم آلان تورينغ الذي ساهم في فك شيفرات ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية وأسس لعلم الحاسوب الحديث، غير أنه قد تعرض في حياته لأشد المضايقات واضطهاد معنوي مس سمعته بسبب ميوله الشخصية بدل تكريمه والاعتراف بنجاعة اختراعه.
خامسا: العالمة جوسلين بيل بورنيل التي اكتشفت بجهودها الذاتية النجوم النابضة، لكن جائزة نوبل ذهبت إلى مشرفها العلمي على البحث وزميل آخر له دون أن تمنح لها أو يعترف لها بفضل الاختراع.
سادسا وأخيرا: وبالموازاة مع علماء الغرب، نأخذ مثلا لدى العلماء العرب ابن النفيس الذي اكتشف الدورة الدموية الصغرى قبل العلماء الأوروبيين بقرون كثيرة، لكن العديد من الكتب الغربية تجاهلته ونسبت الاكتشاف لاحقا إلى علماء آخرين لا علاقة لهم بالاختراع.
هذه الأمثلة وغيرها الكثير تظهر أن التقدير العلمي لكل اختراع أو نظرية جديدة يحدث نفيرا موحدا ضدها، وأن الاعتراف بفاعلية النظرية لا يأتي دائما مباشرة. فمسار المرحوم الدكتور العوضي يدخل في هذه الخانة التي هزت المنظومة العلمية في علوم الطب، والتي حولت المتغير العلمي إلى ثابت مقدس لا يجوز المساس بأصوله، وإن كان التاريخ يشهد بمعاناة جل العلماء والمخترعين الكبار في حياتهم، لدرجة قد يؤدي الأمر لتصفيتهم من قبل مجموعات منافسة، أو جهات تستولي على اختراعاتهم لتعيد إنتاجها أو لطمسها إن كانت لا تتماشى ومصالحهم! ورغم الاعتراف بهم، تطلب تدويل نظرياتهم سنوات بل حتى قرون للتوافق وإقرار نظرياتهم.
الفرق هو أننا اليوم نعيش زمن الثورة الرقمية، التي قد تكسر صنمية الدرس التعليمي الطبي القائم على نظريات علمية تحولت من المتغير إلى ثابت، ومن النسبي إلى مطلق علمي مقدس في تعميم أدواته المعرفية، التي فصلت الجسم الإنساني وجزأت العلوم الخاصة به، فاصلة أي حاجز للتقاطع التكاملي بين العلوم في بناء الأمن الصحي البشري؛ من خلال ربط العلوم الطبية بعلم التغذية وعلم النفس وعلم الطاقة كبيئة تكاملية شمولية مؤثرة على الأمن الصحي، من خلال تنقية الأمن الغذائي من شوائب توظيف المبيدات والتهجين النباتي والحيواني والتلوث البيئي المستعملة في صناعة الاقتصادات النامية والمدمرة لثروات الرأسمال البشري صحيا.
نظرية الدكتور ضياء سجلت براءة اختراع في إعادة تشكيل الوعي الصحي للمجتمعات، وفتحت مختبرات تجارب عابرة للحدود تطوع فيها الآلاف من المنخرطين بتقديم أجسامهم كعينات تجارب مجانية طوعية، تثبت إلى حد الآن -من خلال آلاف التعليقات- نجاح النظام الذي قام على أساس المنع لخبائث مستحدثة من الأطعمة المهجنة وفق قاعدة درء المفاسد أولى من جلب المصالح.
ومع هذا، تبقى النظرية في الرؤية المستقبلية قابلة للتطور والتعديل، والنجاح أو الفشل وفق عينات الدراسة الحالية. لتبقى النقطة الفارقة لدى الدكتور ضياء أنه فتح ضياء نوعيا في صياغة نموذج جديد لمجتمع يقوده الوعي الانتباهي الصحي قبل التطويع الدوائي، الذي أثبت عبر التاريخ استعباد الجسم لأنظمة استشفائية دوائية تدمر بنيته الجسمية بموت بطيء على المدى البعيد…!
أ.د مريم آيت أحمد، رئيسة مركز إنماء للأبحاث والدراسات المستقبلية.





تعليقات الزوار ( 0 )