يشهد قانون الدولي الإنساني منذ منتصف القرن التاسع عشر، التي بدأت معها محاولات تنظيم وسائل القتال الحديثة، كان الإنسان هو محور القرار العسكري، بمعنى أنه هو من يختار الهدف ثم يقرر الهجوم عليه. لكن اليوم ظهرت إلى العلن أسلحة حديثة لا تحتاج إلى تدخل بشري لاتخاذ قرار تحديد الهدف أو توقيت الهجوم، وهو ما أثار مخاوف عديدة على المستويات الأخلاقية والقانونية، وكذلك فيما يتعلق بالمساءلة، أمام التحولات التكنولوجية المتسارعة وظهور أنماط جديدة من وسائل وأساليب القتال، مثل الأسلحة ذاتية التشغيل والحروب السيبرانية، تثار إشكالية مدى نفاذ قواعد القانون الدولي الإنساني، فهل ساهم هذا القانون فعلا في صون حرمة المدنيين من خلال تنظيم وسائل وأساليب القتال والأسلحة، في ظل هذا الزخم التكنولوجي في مجال التسلح الذي يهدد صلابته ونجاعته من جهة، ومن جهة أخرى يطرح تساؤل حول مدى وجود تعارض بين القانون الدولي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، اللذين يضمنان الحق في الحياة والحق في التعلم، وبين قواعد القانون الدولي الإنساني التي تفرض قيودا على استخدام وتطوير بعض الأسلحة الجديدة استنادا للمادة36 من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، وعليه يبرز تساؤل محوري القاضي إذا تم إقرار نظام لتقييد الأسلحة المتطورة، فهل سيؤدي ذلك إلى المساس بالمواثيق الدولية لحقوق الإنسان؟
فقد عرف كريستوف هينز “نظم الأسلحة المستقلة الفتاكة” في تقريره صادر في آبريل 2013، حين عرفها بأنها “هي أنظمة أسلحة آلية يمكن بمجرد تنشيطها تحديد الأهداف وإشراكها دون تدخل إضافي من المشغل البشري، والعنصر الأهم هو الاختيار أي الاستهداف واستخدام القوة المميتة”[1].
نتيجة هذا التخوف الذي ساد المجتمع الدولي، دأبت اتفاقية الأمم المتحدة المعنية بـ “الأسلحة التقليدية” لمناقشة ماذا نفعل بشأن أنظمة الأسلحة الفتاكة ذاتية التشغيل، ومنذ عام 2013 وبسبب معارضة بعض الدول، لم ترتق المناقشات إلى مرحلة وضع مسودة بصيغة رسمية للحظر، كما احتجت بعض الدول بأنه تشريع سابقا لأوانه قد يعرقل أبحاث الذكاء الاصطناعي.
بناءً على ذلك، جاءت المبادرة الفرنسية، واستلهمت من مناقشات عام 2014 في إطار اتفاقية عام 1980 الخاصة بحظر أو تقييد استعمال بعض الأسلحة التقليدية التي يمكن اعتبارها مفرطة الضرر أو عشوائية الأثر، التابعة لمنظمة الأمم المتحدة، وذلك بغية التصدي للتحديات المرتبطة بالتطور المحتمل لمنظومات الأسلحة الفتاكة ذاتية التشغيل، لأن الاستقلالية الكاملة لتلك الأسلحة قد تثير تساؤلات عديدة على المستويات الأخلاقية والقانونية، وكذلك التشغيلية. جاء الإعلان الخاص بمنظومة الأسلحة الفتاكة ذاتية التشغيل الذي أعدته ألمانيا وفرنسا، فقد فتح مجال لاعتماده إبان فعالية “التحالف من أجل تعددية الأطراف” في 26 سبتمبر 2019 نموذجا عن الأعمال الجارية في اتفاقية 1980. فأعاد بذكر “المبادئ التوجيهية” الأحد عشر الرامية إلى تأطير تطوير منظومة الأسلحة ذاتية التشغيل واستخدامها.
الذي تؤكد على هذه المبادئ على وجه الخصوص “بأن قواعد قانون الدولي الإنساني تطبق على هذه المنظومات، كما يستند قرار اللجوء إلى هذه المبادئ إلى المسؤولية الإنسانية، ويجب أيضا على الدول أن تدرس مشروعية الأسلحة الجديده التي تطورها او تحوزها خلال مرحلة التصميم”[2].
سنوجه بالخصوص هنا عن فعالية قانون الدولي الإنساني في تأطير وتنظيم أسلحة ذاتية التشغيل (اولاً)، والحرب السيبرانية (ثانيا).
أولا: أسلحة ذاتية التشغيل
إن قواعد قانون الدولي الإنساني سريع التطور والاستجابة، لكن هذه الاستجابه غالبا ما تأتي إلا بعد فوات الأوان، فتعم الكوارث الإنسانية التي يسبقها القلم. بالرغم من ذلك فإن هناك بعض السوابق التاريخية التي تؤكد على أن الخطر الاستباقي أمر ممكن، وأذكر هنا على سبيل الحصر “حظر أسلحة الليزر المسببة للعمى”.
يقصد بالأسلحة ذاتية التشغيل “هي أي منظومة أسلحة تتميز بدرجة من الاستقلالية في وظائفها الحاسمة المتمثلة في اختيار الأهداف ومهاجمتها، ويشمل ذلك منظومات الأسلحة القائمة وتلك التي من المقرر تطويرها فالمستقبل”[3].
حسب الخبراء القانونيون والعسكريون، فإن خطورت هذه الأسلحة تكمن في كونها مستقلة عن العامل البشري، أي أن الإنسان غير موجود في دائرة القرار، وبمجرد تشغيلها يفقد الإنسان السيطرة عليها. حتى نوضح درجة خطورة هذه الأسلحة، لابد لنا استحضار السابقة القضائية التي عالجتها محكمة العدل الدولية في يوليو سنة 1988 المتعلقة بـ “الحادث الجوي بين الجمهورية الإيرانية الإسلامية والولايات المتحدة الأمريكية“[4] حيثيات هذه الواقعة، كان طراد أمريكي يطلق عليه أسم (الطراد الروبوتي) يجوب دول الخليج العربي، وكان يعمل بنظام (Aegis) وهو نظام حاسوبي يشتمل على أربعة أوضاع ومن بينها الوضع العفوي (التلقائي)، حيث ينفذ النظام مايراه الأفضل في الهجوم والدفاع، فرصد هذا الطارد رحلة الخطوط الجوية الإيرانية رقم 655 وهي طائرة مدنية من طراز (إيرباص)، وتبث إشارات لاسلكية تشير إلى أنها طائرة مدنية، غير ان النظام كان مصمم لإدارة المعارك ضد القاذفات السوفيتيه في أعالي بحر الشمال، وليس للتعامل مع أجواء مكتظة في الخليج، فقد تم تكييفها من قبل الطراد الأمريكي على أنها مقاتلة من طراز (F-14)، بالتالي افترضت بانه عدو محتمل واجب قصفه، لكن الطاقم البشري لم يرغب بالتشكيك في قدرات الروبوت وتركوا له القرار بإطلاق النار، فكانت النتيجة تدمير الطائرة مما أسفر عنها مقتل جميع الركاب وطاقم الطائرة الذين بلغ عددهم 290 فردا بينهم 66 طفلا. اكتفت المحكمة بالحكم بتعويض لصالح الجمهورية الإيرانية الإسلامية.
نتيجة هذه الواقعة فإننا أمام خلل لقواعد قانون الدولي الإنساني لاسيما المادة 35و 36 من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 المتعلق بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة، حين نصت على أن “يلتزم أي طرف سام متعاقد، عند دراسة، أو تطوير، أو اقتناء سلاح جديد، أو أداة للحرب، أو اتباع أسلوب للحرب، بأن يتحقق مما إذا كان ذلك محظورا في جميع الأحوال أو في بعضها بمقتضى هذا الملحق (البروتوكول) أو أية قاعدة أخرى من قواعد القانون الدولي التي يلتزم بها هذا الطرف السامي المتعاقد”[5]. حتى نوضح مضمون هذه المادة لابد لنا العودة إلى التعليق الصادر عن هذه المادة نلاحظ بأن المادة 36 تمثل في حد ذاته تقدما، كونها تسد فجوة على المستوى الدولي. فهي تفترض وجود إلتزام بإنشاء إجراءات داخلية لتوضيح مسألة المشروعية، ويمكن لبقية الأطراف المتعاقدة أن تطلب معلومات بهذا الشأن فأي وقت، وهذه المادة شأنها شأن قانون الدولي الإنساني عموما، فهي تتعلق استخدام الأسلحة لا بامتلاكها، لان تلك الأخيرة تدخل ضمن مجال نزع السلاح، يجدر بالاشاره هنا لابد التوضيح مابين (حظر الاستخدام) و(حظر الامتلاك)، فحظر الامتلاك هو يدخل ضمن نطاق نزع السلاح لاعتبارات إنسانية، ولكن حظر الاستخدام هو يحتكم إلى مبادئ قانون الدولي الإنساني، فيما يتعلق بالتقدم التكنلوجي فهو يخلق واقعا مفروضا يفتح المجال لتطبيقات عسكرية جديدة، حتى لو كانت الأبحاث ذات أهداف سلمية في الأصل.
من هنا فإن المادة 36 تضع الحل في موضعه الصحيح، أي ان الأسلحة الجديدة تدخل في نطاق المسؤولية الحكومية الداخلية، وتسلط الضوء على التطور التكنلوجي للأسلحة، وهذه المادة حتى تطبق بشكل كامل وسليم فهي تفرض أربعة نقاط رئيسية:
ـ الدول الأطراف ملزمة بتحديد مدى مشروعية أو عدم مشروعية استخدام أي سلاح جديد.
ـ الالتزام يقتصر على الاستخدام العادي المتوقع للسلاح.
ـ لا يترتب على قرار دولة بعدم المشروعية التزام دولي على غيرها.
ـ المادة تفرض وجود إجراءات داخلية لتقييم المشروعية، ويمكن لبقية الأطراف طلب معلومات عنها.[6]
تدفعنا مثل هذه المناقشات إلى التفكير بمسألة أساسية تخص تطبيق قانون الدولي الإنساني، وهي “هل وضع القانون الذي ينظم النزاع المسلح ليوفر أفضل حماية ممكنة لضحايا النزاع المسلح او أفضل حماية إنسانية ممكنة”.
إذا كان المعيار القانوني الفعلي هو أفضل حماية إنسانية ممكنة فلابد ان تخضع أية تكنلوجيا ناشئة على تطبيق قواعد قانون الدولي الإنساني، بمعنى لابد على مبرمجي هذه التكنلوجيا ان يدحضوا في خوارزمياتها قواعد قانون الدولي الإنساني، وايضاً تخضع للرقابة البشرية أي تحديد مدى مشروعيتها، وهو ما أكده التعليق السابق حول المادة 36.
من أجل استخدام سلاح ذاتي التشغيل يجب فحصها بدقة واثبات انه يمكن تطبيق قانون الدولي الإنساني عليه بشكل صحيح في ساحة المعركة.
نتيجة هذا الفراغ القانوني، هنا يأتي دور مبادئ قانون الدولي الإنساني القائمة منذ زمن قديم، هنا يكمن دورها لتسد هذه الفجوات القانونية، خصوصا مبدأ الإنسانية، والضرورة العسكرية، والتناسب، كما الالتزام باتخاذ الاحتياطات الممكنة في الهجوم، وهذا مايطبق على جميع أنواع الأسلحة بما فيها أسلحة ذاتية التشغيل.
هذه المبادئ الأساسية التي يجب على الدول أن تلتزم باحترامها، والتي تعتبر من المصادر الأساسية لقانون النزاعات المسلحة، وبحسب البعض أن الأسلحة ذاتية التحكم تنتهك بما يعرف بـشرط مارتنز الوارد في ديباجة لاهاي الرابعة لعام 1907 والقاضية بأن “أنه في الحالات غير المشمولة في الأحكام التي اعتمدتها، يظل السكان المتحاربون تحت حماية وسلطان مبادئ قانون الأمم، كما جاءت في التقاليد التي استقرت عليها الحال بين الشعوب المتمدنة وقوانين الإنسانية ومقتضيات الضمير العام”[7].
عرفت المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني منذ القدم كون معظمها عرفية، لذلك يمكن ان يكون قد تم تضمين هذه النصوص في الاتفاقات الدولية وقد لا يتم النص عليها، وبالرغم من أن نظم الأسلحة المستقلة الفتاكة لاتخضع لأي قواعد قانونية دولية إلا أنها تبقى خاضعة لسلطان المبادئ العامة لقانون الدولي الإنساني، وهكذا إن المبادئ الإنسانية والوعي العام يؤديان فرض حظر على أسلحة ذاتية التحكم على المجتمع الدولي العام، من اجل حظر تطوير وإنتاج واستخدام أنظمة الأسلحة هذه قبل أن تتكاثر في جل العالم.
فقد عبرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر عن مخاوفها بشأن تداعيات منظومات الأسلحة ذاتية التشغيل، لكن الإحاطة التي طرحها بينتر ماريو تمثل خطوة بالغة الأهمية، حين قال “يجب ان نقرر الدور الذي نريد أن يؤديه العنصر البشري في اتخاذ القرارات المصيرية التي تفصل بين الحياة والموت أثناء النزاعات المسلحة”[8].
بعث تصور لدى اللجنة الدولية للصليب الأحمر هذا الأمل في إمكانية خلق واقع قانوني جديد، فلم تعتمد أية معاهدات تحظر او تحكم استخدام منظومات الأسلحة في العقود الأخيرة، كما أنها حددت في إحاطتها العناصر الرئيسية التي يجب صياغتها في القواعد القانونية، وهي:
- حظر منظومات الأسلحة التي يصعب التنبؤ بسلوكها.
- حظر استهداف البشر.
- وضع قواعد تنظيمية تكفل التحكم البشري في المنظومات الأخرى.
طرح موقف اللجنة الدولية قاعدة يمكن ان يتأسس عليها معاهدة قانونية في المستقبل، وياتي موقف اللجنة الدولية اعترافا بالحاجة إلى تحديد محظورات وقواعد تنظيمية تكفل وجود تحكم بشري حقيقي خلال استخدام القوة، وتمنع استخدام الأسلحة التي تستهدف البشر، وحتى لو لم تتوصل اتفاقية الأسلحة التقليدية إلى توافق بشأن استجابة فعالة إزاء هذه المسألة.
فإن الجهود التي تبذلها الدول الآن ينبغي ان ترسي الأساس لوضع قانون جديد بصددها مستقبلا.
ثانيا: العمليات السيبرانية
تمثل الحروب السيبرانية إحدى العناصر المؤثرة في السياسة والاقتصاد على الصعيد الدولي، نتيجة انتقال جزء كبير من الصراعات بين القوى العظمى في العالم إلى شبكة الإنترنت والوسط الرقمي. “لقد تغيرت الحروب التقليدية وأضحت الجيوش العسكرية في كافة أنحاء العالم تهتم بحرب المعلومات ودورها في حروب المستقبل”.[9] شهد العالم في الفترة المعاصرة نوعا جديدا من سباق التسلح، الا وهو سباق على إحداث او تطوير برامج إلكترونية معدة لأغراض عسكرية تعرف اختصارا بالسايبر، فهي تهدد السلم والأمن الدوليين وبمستوى لايقل جسامة عن أخطر التهديدات المعروفة، فقد تم تبني مصطلح الحرب السيبرانية “استنادا إلى أيديولوجية أمنية او عسكرية، تضع منهجا لتحقيق الأهداف على الصعيد الأمني او العسكري تجاه العدو المفترض”[10].
ويقصد بالحرب السيبرانية هي عمليات في الفضاء الإلكتروني تستخدم وسائل وأساليب قتال ترتقي إلى مستوى النزاع المسلح او تجري في سياقه، ضمن المعنى المقصود في قانون الدولي الإنساني. ويثور القلق بشأنها بسبب ضعف الشبكات الإلكترونية والتكلفة الإنسانية المحتملة جراء الهجمات السيبرانية، فعندما تتعرض الحواسيب او الشبكات التابعة لدولة ما لهجوم او اختراق او إعاقة، قد يجعل هذا الأمرعرضة للخطر بالنسبة للمدنيين نتيجة حرمانهم من الاحتياجات الأساسية كـ الرعاية الصحية والكهرباء، وغيرها. “يمكن لنا اختزالها بأن الحرب السيبرانية هي حرب القرن القادم”.
نوجّه بالخصوص عند ذكر الحرب السيبرانية فإننا نقصد هنا إلى وسائل وأساليب القتال التي تتألف من العمليات خلال الفضاء الرقمي التي ترتقي إلى مستوى النزاع المسلح او تجري في سياقه، فهنا ندخل ضمن سياق قانون الدولي الإنساني الذي يرقى إلى اهم الأدوار التي تقوم بها اللجنة الدولية للصليب الأحمر حين توصي “جميع أطراف النزاع بتوخي الحرص بشكل مستمر من اجل عدم حقن دماء المدنيين، فالحروب لها قواعد وحدود تنطبق على اللجوء إلى الحرب السبرانية بنفس القدر الذي تنطبق به على استخدام البنادق المدفعية والصواريخ”[11]. كما عرفها الخبراء المختصين في قانون الدولي الإنساني على رأسهم شين (Shin) إذ يذهب بالقول “استخدام الطيف الإلكتروني او الكهرومغناطيسي لتخزين وتعديل وتبادل البيانات وجها لوجه مع أنظمة تحكم في البنى التحتية المرتبطة به”. ووصف هذه الحرب الإلكترونية هي بمثابة حرب باردة جديدة، كونها حرب ذكية أقوى من أي هجوم بري او جوي، وأكثر ذكاء وأقل تكلفة، فهي” لاتحتاج إلى معدات حربية ولا جنود، بل تحتاج إلى قدرات علمية عالية”[12].
في هذا الصدد لابد لنا الإشارة عن معنى الهجوم السيبراني بموجب قانون الدولي الإنساني بوصفة “عملية إلكترونية سواءا هجومية او دفاعية يتوقع ان تسبب في إصابة او قتل أشخاص او الأضرار بالأعيان او تدميرها”، هذا التعريف يتوافق مع مضمون المادة الخامسة من اتفاقية مجلس أوروبا المتعلقة بالجريمة السيبرانية القاضية بأن “تعتمد كل دولة طرف ماقد يلزم من تدابير تشريعية وتدابير أخرى لتجريم الفعل التالي في قانونها الوطني، إذا ما ارتكب عمدا وبغير حق: الإعاقة الخطيرة لاشتغال نظام الكومبيوتر عن طريق ادخال بيانات حاسوبية، إرسالها، إتلافها، حذفها، إفسادها، تغييرها او تدميرها”[13].
الفرق مابين الحرب التقليدية والحرب السيبرانية، هو ان الحروب التقليدية تقوم على المواجهات العسكرية المباشرة بين الجيوش النظامية، ويسبقها في غالب الأحيان إعلان صريح بحالة الحرب، وايضاً يكون لها ميدان محدد للقتال. فيما يتعلق بالحرب السيبرانية فهجماتها تكون غير محددة المجال، ولا التوقيت، وايضاً أهدافها غامضة، وليس لها كذلك وقت بداية ونهاية.
التكييف القانوني للحرب السيبرانية فإنه لايحتكم تحت مظلة قانون الدولي الإنساني فقط، بل في احكام قانون الدولي العام ككل، لان الهجمات السيبرانية يمكن ان تتعرض في أوقات السلم وايضاً في أوقات النزاعات المسلحة منها الدولية وغير الدولية. بحسب التحليل الذي أعدته لجنة الهجمات السيبرانية التابعة للمجلس الوطني الأمريكي لعام 2009 فقد ورد التالي “أن مبادئ النزاعات المسلحة، فضلا عن ميثاق الأمم المتحدة ذات الصلة بشرعية اللجوء إلى استخدام القوة او تلك المعنية بسير العمليات القتالية، هما المعنيان بتنظيم الهجمات السيبرانية”[14]. والمعيار القانوني لتكييف الهجمات السيبرانية هو في ضوء مبدأ الحق في اللجوء إلى الحرب، والذي يعتمد على قواعد قانونية ذات الصلة، أوجه بالخصوص الفقرة الرابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة التي تضمنت “يمتنع أعضاء الهيئة جميعا في علاقاتهم الدولية عن تهديد باستعمال القوة او استخدامها ضد سلامة الأراضي او الاستقلال السياسي لأية دولة او على أي وجه آخر لايتفق ومقاصد الأمم المتحدة”[15]، وايضاً من نفس الميثاق يجب ان نذكر المادة 51 الذي تضمن “ليس في هذا الميثاق مايضعف او ينقص الحق الطبيعي للدول في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على احد أعضاء الأمم المتحدة…”[16]. لان تبرير حق الدفاع عن النفس واستخدام القوة المسلحة لرد العدوان السيبراني فهو يتوافق مع المبادئ الرئيسية للقانون الدولي العام، وهو نفس الشيء الذي يتوافق مع مبادئ قانون الدولي الإنساني لاسيما مبدأ الضرورة العسكرية، ومبدأ التناسب في استخدام القوة، وهنا نستحضر الواقعة التي طرأت لاستونيا نتيجة الهجمات السيبرانية التي تعرضت لها، فوصفت هذه الهجمات بانها عدوان يخضع لمبدأ الحق في اللجوء إلى الحرب، لان البنى التحتية الرقمية في استونيا تعرضت لشلل كامل وهو مايعني ان المدنيين وقعوا ضحية هذا الهجوم. صحيح ان قواعد قانون الدولي الإنساني لم تشير على وجه الخصوص للعمليات السيبرانية، فهذا لا يعني عدم خضوع هذه العمليات لقواعد قانون الدولي الإنساني التي جاءت قواعده عامة تشمل كافة التطورات ذات الصلة حسب المادة 36 من البروتوكول الإضافي الأول والتعليق الصادر بشأنها.
خطورت هذه الهجمات تشكل تهديدا لاحد المبادئ الأساسية في القانون الدولي، وهو مبدأ احترام سيادة الدول، وكذلك مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، بما فيها من تسريب معلومات أمنية وسرية وحساسة عن حكومات الدول، وقد يتجاوز هذا الأمر ليصل إلى الإضرار بالمدنيين عندما تصل هذه الهجمات إلى قطع الخدمات الحيوية كالماء والكهرباء.
من جهة أخرى فان حكم مشروعية الأسلحة السيبرانية في قانون الدولي، يتحقق من خلال تقييم الأسلحة الجديدة، حيث هذا التقييم سيساعد الدول في ضمان معرفه قواتها المسلحة وفق الالتزامات الدولية استنادا ماتم ذكره في المادة 36 والتعليق الصادر بشأنه.
فيما يتعلق بانطباق قواعد قانون الدولي الإنساني للحرب السيبرانية، يجدر بالإشارة هنا دور اللجنة الدولية للصليب الأحمر، حين رحبت بالاستنتاج القوي عن فتوى محكمة العدل الدولية المتعلقة “مشروعية التهديد بالأسلحة النووية او استخدامها”، حيث اشارت المحكمة إلى ان “مبادئ قانون الدولي الإنساني سارية وثابته في النزاعات المسلحة، فهذا الأمر ينطبق على كافة أشكال الحرب، وعلى كافة أنواع الأسلحة، بما في ذلك مايكون في المستقبل”[17]. ترى اللجنة الدولية ان هذا الاستنتاج ينطبق على استخدام العمليات السيبرانية خلال النزاعات المسلحة، ويجدر بالذكر هنا بأن العديد من الدول والمنظمات الدولية أكدوا على أن قانون الدولي الإنساني ينطبق على العمليات السيبرانية خلال النزاعات المسلحة.
فإن قواعد قانون الدولي الإنساني بما في ذلك مبدأ التمييز والتناسب، فهو ينطبق على العمليات السيبرانية خلال النزاعات المسلحة بموجب احكام القانون الحالي:
ــ يحظر استخدام القدرات السيبرانية العشوائية الطابع التي تصنف على أنها أسلحة[18].
ـ يحظر توجيه الهجمات المباشرة ضد المدنيين والأعيان المدنية، بما في ذلك عند استخدام وسائل او أساليب الحرب السيبرانية[19].
ـ تحظر أعمال العنف او التهديد به الرامية اساساً إلى بث الرعب بين السكان المدنيين، بما في ذلك عند ارتكابها عبر الوسائل او أساليب الحرب السيبرانية[20].
ـ تحظر الهجمات العشوائية، أي الهجمات التي من شأنها أن تصيب الأهداف العسكرية والأشخاص المدنيين او الأعيان المدنية دون تمييز، بما في ذلك عند استخدام وسائل او أساليب الحرب السيبرانية[21].
ـ تحظر الهجمات غير المتناسبة، بما في ذلك عند استخدام وسائل أو أساليب الحرب السيبرانية. الهجمات غير المتناسبة هي تلك التي يتوقع منها ان تسبب خسائر عرضية في أرواح المدنيين او إصابة بهم أو اضرارا بالأعيان المدنية او ان تحدث خلطا من هذه الخسائر والأضرار، يفرط في تجاوز ماينتظر ان تسفر عنه تلك الهجمات من ميزة عسكرية ملموسة ومباشرة[22].
ـ تبذل رعاية متواصلة في إدارة العمليات العسكرية، بما في ذلك عند استخدام وسائل او أساليب الحرب السيبرانية، من اجل تفادي السكان المدنيين والأعيان المدنية: وتتخذ جميع الاحتياطات المستطاعة عند تنفيذ الهجمات من أجل تجنب إلحاق الضرر بالمدنيين، وذلك بصفة عرضية، بما في ذلك عند استخدام وسائل او أساليب الحرب السيبرانية[23].
ـ يحظر مهاجمة، أو تدمير، او نقل، او تعطيل الأعيان التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين، بما في ذلك عند استخدام وسائل او أساليب الحرب السيبرانية[24].
ـ يجب حماية الوحدات الطبية واحترامها، بما في ذلك عند تنفيذ العمليات السيبرانية خلال النزاعات المسلحة.
فيما يتعلق بالمسؤولية فإن اللجنة الدولية للصليب الأحمر أسندت هذه المسؤولية للدولة بموجب القانون الدولي، في حين أنتهكت قواعد قانون الدولي الإنساني، فتشمل هذه المسؤولية على:
ـ تصرف من قبل أجهزة الدولة، بما في ذلك قواتها المسلحة او أجهزتها الاستخباراتية.
ـ تصرف من قبل أشخاص او كيانات فوضتها الدولة للقيام بقدر من السلطة الحكومية، مثل الشركات الخاصة.
ـ تصرف من قبل أشخاص او مجموعات تعمل في الواقع بناء على تعليمات الدولة او تحت إشرافها او سيطرتها. مثل الميليشيات او مجموعات من المتسللين.
ـ تصرف من قبل أشخاص او مجموعات خاصة، والتي تعترف بها الدولة وتتبناها كتصرفات الصادرة عنها[25].
تنطبق هذه المبادئ سواء نفذ التصرف سيبرانيا او باي وسيلة أخرى.


تعليقات الزوار ( 0 )