لم تعد الأزمة اليوم أزمة حكومة فقط، ولا أزمة معارضة فقط، ولا حتى أزمة برامج انتخابية بالمعنى التقني الضيق. ما نعيشه أعمق من ذلك: إنه تآكل بطيء وخطير جدا في المعنى العام، وتراجع في قدرة السياسة على أن تكون أفقًا جماعيًا للفعل، لا مجرد إدارة يومية للأعطاب. في هذا السياق، يبرز الحديث عن الطريق الرابع من جديد بوصفه محاولة للخروج من الثنائيات المستهلكة: الدولة أو السوق، اليمين أو اليسار، الأمن أو الحرية، النمو أو العدالة. وليس المقصود به وصفة جاهزة، بل أفقًا مفتوحًا للبحث عن فاعلين جدد قادرين على ترميم ما تصدع بين المجتمع والسياسة، بين المواطن والمؤسسة، بين المؤسسات الحزبية وقواعدها، وبين الفرد ومصيره الجماعي.
هذا السؤال يجد صداه القوي في أعمال الباحثين في علم الاجتماع ( ألان تورين مثلا)، الذين رأوا أن المجتمعات المعاصرة لم تعد تُفهم فقط من خلال البنيات والمؤسسات، بل من خلال قدرة الأفراد والجماعات على التحول إلى ذوات فاعلة.
إن المشكلة لم تعد مجرد صراع على السلطة أو الموارد، بل صارت صراعًا على المعنى، وعلى الحق في أن يكون الإنسان أكثر من رقم انتخابي، أو مستهلك خائف، أو مادة خام في سوق مفتوحة لا قلب لها. عند تورين، الحركات الاجتماعية ليست هامشًا في المجتمع، بل تعبير عن صراعه المركزي حول من يملك توجيه الحياة الجماعية ومن يتحكم في دينامياتها، أي في قدرة المجتمع على إنتاج نفسه وتحديد قيمه ومعاييره في ضوء ما نعيشه اليوم من تحولات كبرى.
من هنا يصبح السؤال: من هم الفاعلون الجدد لذي يبحث عنهم الطريق الرابع؟ ليسوا فقط الأحزاب، ولا النخب التقليدية، ولا حتى الحركات الاحتجاجية العابرة حين تنفجر ثم تختفي. الفاعلون الجدد قد يكونون أولئك الذين يدافعون عن الكرامة وسط الغلاء، وعن الحق في تعليم يحفظ المعنى لا الشهادة فقط، وعن المجال العمومي حين يضيق تحت ضغط الاستقطاب والتفاهة والإنهاك اليومي. في هذا المعنى، لم تعد المساواة تعني التشابه، ولم يعد الاختلاف ترفًا ثقافيًا؛ بل صار الرهان هو بناء فضاء مشترك يعترف بالحقوق ويصون التعدد في الآن نفسه. وهذا بالضبط ما يجعل الطريق الرابع أقرب إلى بحث أخلاقي-سياسي عن توازن جديد، لا إلى هندسة وسطية باردة بين متناقضات قديمة.
لكن هذا البحث يصطدم بواقع أكثر قسوة: المؤسسات نفسها فقدت كثيرًا من شرعيتها الرمزية، والأحزاب لا يهمها سوى الاستحقاقات المقبلة. المدرسة تتراجع بوصفها مصعدًا اجتماعيًا وفضاءً لتكوين المواطن، لا مجرد إدارة للاكتظاظ والانتظار. والسياسة تتقلص أحيانًا إلى تدبير انتخابي بلا خيال. والإعلام، في جزء واسع منه، يتحرك بين الضجيج والتعبئة والاستهلاك السريع للحدث، أكثر مما يشتغل على إنتاج الفهم.
وبناء على ماسبق، لا يترسخ الامتثال لأن الناس يحبونه، بل لأنهم مُنهكون، ولأن الخوف من السقوط الاجتماعي أقوى من الرغبة في المبادرة. الفاعل لا يولد في الفراغ؛ يحتاج إلى حد أدنى من الأمان، وإلى لغة عامة يشعر داخلها أن صوته ليس بلا جدوى.
لهذا فإن أزمة دولة الرفاه ليست مجرد أزمة ميزانية أو دعم اجتماعي، بل أزمة قدرة على حماية شروط الفعل نفسه.
حين تتراجع الضمانات الأساسية، يصير الفرد أقل استعدادًا للمخاطرة، وأكثر ميلًا إلى الانكفاء أو النجاة الفردية. ومع العولمة والحروب الإقليمية والاضطراب الاقتصادي، تتعمق هذه الهشاشة. نحن لا نعيش فقط تحت ضغط غلاء المعيشة، بل تحت ضغط شعور أوسع بأن العالم يتحرك بسرعة أكبر من قدرة المجتمعات على الفهم والتأويل والرد، ونحن عاجزون نتفرج. وفي مثل هذا السياق، يصبح الفاعلون متذبذبين، مؤقتين، مشتتين بين قضايا عاجلة كثيرة، من دون أفق جامع طويل النفس.
هنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: ماذا بقي للمثقف؟ في زمن سابق كان المثقف يتكلم بلهجة المشرع، يفسر التاريخ، ويقترح معنى كليًا للعالم. أما اليوم، فقد تآكلت هذه المكانة. لم يعد المثقف يحتكر الحقيقة، لكن ذلك لا يعني أن دوره انتهى. على العكس، ربما صار دوره أكثر دقة وأكثر ضرورة: أن يكون وسيطًا نقديًا بين المعرفة والسياسة، بين المجتمع والدولة، بين الألم الصامت، والجراح الغائرة ، واللغة العمومية القادرة على تحويله إلى قضية. هذا التحول يلتقي مع انتقال التفكير من المثقف الكوني إلى المثقف النوعي، ومع رؤية الطريق الرابع التي تجعل وظيفة الفكر لا قيادة الناس من أعلى، بل المساهمة في تشكل الفاعلين القادرين على الفعل.
والمفارقة أن هذا الدور يزداد أهمية كلما ازداد السياسي ابتعادًا عن الفكر. لقد حلّ في كثير من الأحيان المدببر محل صاحب المشروع، والخبرة التقنية محل الرؤية، والاستطلاع محل الفكرة. صار كثير من الفاعلين السياسيين يتحدثون بلغة المؤشرات أكثر من حديثهم بلغة المجتمع. وهذا لا يخلق فراغا سياسيًا فقط، بل فراغا رمزيا أيضا. من يربط بين اليومي والاستراتيجي؟ بين وجع المعيشة وأزمة النموذج التنموي؟ بين المدرسة المنحدرة وصورة المستقبل التي تنهار في أعين الأجيال؟ هنا يعود المثقف، لا بوصفه بديلا عن السياسي، بل بوصفه مساهما في استعادة المعنى العمومي.
في بلادنا، ومع اقتراب المواعيد الانتخابية، تبدو هذه الأسئلة أكثر حدة. فالانتخابات تأتي في لحظة إقليمية ودولية مشحونة: حروب هنا وهناك، اضطراب في الأسواق، توتر في المجال الدولي، وداخل ذلك كله مجتمع يواجه غلاء متصاعا وتراجعا في الثقة وتعبا صامتا من كثرة الوعود وقلة الأثر. الخطر في مثل هذه اللحظات ليس فقط في صعود الشعبوية والتفاهة أو العزوف، بل في اعتياد الانحدار: أن يصبح التراجع أمرا عاديا، وأن يتحول التعب العام إلى مناخ دائم لا يعلن نفسه لكنه يلون كل شيء.
لهذا، قد لا يكون السؤال الآن فقط كيف نكتب عن الأزمة، بل كيف نبني وسيلة لفهمها. أي كيف يمكن أن يولد مشروع إعلامي جديد لا يكتفي بنقل الحدث، بل يعيد تركيب العلاقة بين الخبر والمعنى، بين الوقائع والأسئلة الكبرى. مشروع لا يقوم على الإثارة السريعة، بل على الإنصات للتشققات العميقة في المجتمع: ما الذي يحدث للتعليم؟ لماذا يتعب الناس من السياسة قبل أن تبدأ؟ كيف تتحول الحرب البعيدة إلى قلق يومي داخل البيوت؟ كيف يُنتج الغلاء شكلا جديدا من الصمت؟ وكيف يمكن للكلمة أن تستعيد بعض وظيفتها، لا ك”ديكورات” خطابية، بل كأداة تشخيص وبناء؟
ربما هنا تبدأ الفكرة. ليس من اليقين، بل من هذا الحزن العميق الواعي الذي لا يريد أن يتحول إلى شكوى، بل إلى وجهة نظر. فكل مشروع إعلامي جاد يولد غالبا من شعور بأن اللغة السائدة لم تعد تكفي، وأن الديناميات التي أطلقناها منذ أزيد من 10 سنوات هي الأخرى لا تكفي، وأن الواقع يحتاج إلى منصة تفكر فيه لا تستهلكه فقط. منصة ترى في المواطن أكثر من متلقّ، وفي المثقف أكثر من معلق، وفي السياسة أكثر من سباق مواقع. منصة تنحاز إلى إعادة وصل ما انقطع: بين المجتمع ونفسه، بين المعرفة والشأن العام، بين التعب الفردي والأفق الجماعي.
بهذا المعنى، لا يكون الطريق الرابع مجرد مفهوم سياسي، بل يصبح اسما مؤقتا لحاجة أوسع: الحاجة إلى فاعلين جدد، وإلى لغة جديدة، وربما أيضا إلى إعلام جديد. لأن الأزمة، في النهاية، ليست فقط في من يحكم، بل أيضا في من يفسر، ومن يضيء، ومن يمنح الناس أسبابا جديدة كي يفكروا في المستقبل رغم كل هذا التعب.
وفي انتظار فاعلين جدد، نتمنى للجميع مزيدا من الأمل.
*مؤسس الطريق الرابع




تعليقات الزوار ( 0 )