بدو لي أن هناك فجوة واسعة بين المغرب الافتراضي والواقع المغربي. إنه الفرق بين الكلامولوجيا الذي بدأ يطفو في بعض وسائل التواصل الاجتماعي، والواقع الذي يعيشه المواطن المغربي في حياته اليومية. إنه الاختلاف نفسه بين التاريخ الحقيقي والواقعي والممتد عبر القرون، والمتحقق على الأرض المغربية من الشمال إلى أقصى الجنوب، وبين الأكاذيب وما هو صادق اللذين يروج لهما في سحب الواقع الافتراضي، والتي تزعم خلق «سردية لهوية جديدة» لتحويل المفترض إلى واقع. وبين الأرض الثابتة والسحب العابرة مسافة ضوئية.
لا دخان بلا نار. وليس الدخان سوى تلك السحب البيضاء التي تمر متفرقة في سماء المغرب والتي لا ينتبه إليها، أو ينشغل بها، أي مواطن مغربي منشغل بقضايا اليومي والواقعي والمستقبلي. أما النار فهي تلك التي تكمن وراء الرياح التي تكشفت بالملموس، وهي تعمل منذ عقود على تعطيل أي تحول في المنطقة بادعاءات أسطورتها الدينية، والعنصرية.
لقد أبان طوفان الأقصى وخلال أكثر من عامين من الإبادة والتقتيل أن تلك الأسطورة حتى وهي مدعمة من كل قوى الهيمنة في العالم عاجزة عن تطبيق ما هو صادق أمام شعب معزول ومحاصر وجائع، وأنها غير قادرة على تنفيذ مشاريعها في المنطقة أو العالم. كما أنها لولا الدعم الأمريكي الذي يساندها بكل الوسائل لتعرضت للزوال، بل إن أمريكا بدورها، بزعامة ترامب، بدأت تحمل بوادر انكماشها وتراجع مكانتها على الصعيد العالمي. وما دونكيشوتيات الرئيس سوى محاولة يائسة لاستعادة العصر الذهبي المتوهم.
لقد استغل مروجو الأكاذيب وما هو صادق فراغ الساحة الثقافية والسياسية ممن يعملون من أجل إحلال المغرب مكانة خاصة في العصر الذي نعيش فيه، ومناقشة القضايا التي تهمه، فتعبأوا لملء الفضاء الشبكي بالأوامر التي يتلقونها من أسيادهم مقابل تحقيق مآربهم المادية، فصارت فيديوهاتهم المتواترة والمتكررة صباح مساء، التي يعيدون فيها الأباطيل نفسها من دون أي قدرة على مناقشة من يتصدى لهم. أما من يؤيدونهم فيكتفون بالسب والشتم، ما يدل على أنهم مثل «تابعي جيلالة بالمجمر»، ويبرز ذلك في حوائطهم الفيسبوكية الفارغة على عروشها.
هذا الفراغ هو الذي أدى إلى بروز الأكاذيب في الفضاء الشبكي، الذي لا يعكس ما يعرفه الواقع المغربي الحقيقي. كانت عندما تغيب الفرقة الموسيقية المقررة للاحتفال في عرس شعبي، أو تأخرها عن الموعد، وأهل العرس متحمسون للفرح، يبدأ كل من يحمل بنديرا أو تعريجة في إحداث «الصخب»، وكل يضرب ما يعرفه بلا وزن ولا ميزان، فقط لإظهار أن الفرح قائم، والهدف هو إشعار الأعداء من عائلات أو قبيلة أخرى أن الأمور بخير، ومبدؤهم في ذلك «ولا عزاء للحاقدين»؟ وهم يعضون على أناملهم من الغيظ.
استغلوا فراغ الساحة، فصاروا يطبلون ويزغردون، ويتوهمون بأنهم فرحون بمنجزاتهم، وفي الوقت نفسه تجدهم يتباكون ويعبرون عن كونهم مهمشين ومقصيين، وأن الحق معهم. تولد عن هذا الفراغ اضطلاع الدولة بكل أدوارها فحققت بعض ما تسطره من برامج تنموية في غياب من يمتلك القدرة على تجديد النظر والعمل في واقعنا، والمشاركة في تطويرها. وهي تتقدم في ذلك محافظة على توازن اجتماعي وسياسي، وفي الوقت نفسه تعمل من أجل تكريس وضمان وحدة الوطن، وهويته المتأصلة بمختلف مكوناتها ضد كل من يدعي أنها دولة ليست مغربية، أو يتربص بها خارجيا، حتى وهو عاجز حتى عن تسميتها مما يؤكد ذلك بجلاء. كان التصدي الوطني للأباطيل «الحداثوية» قاسيا ودالا على أن حبل الكذب قصير.
كان تنظيم كأس افريقيا مناسبة أخرى لتكذيب صدق الدولة المورية، وتأكيدا للهوية التاريخية الجامعة وأن الشعب المغربي واحد ومتماسك، ولا فرق فيه بين المغاربة، أيا كانت أصولهم وفروعهم. وكما كانت أفراحهم في الربح، كانت أحزانهم في الخسارة. هذه هي الهوية السردية التاريخية المغربية. أما من يدعي «هوية سردية جديدة»، فأمامه مثل عدد القرون التي تشكلت فيها هذه الهوية المغربية الجامعة، وأكثر، ليكون لها واقع محتمل، وإلا فهو مستحيل لأن استعادة التاريخ (ويتحدثون عن أوثان السلفية؟) وهْمٌ. وحتى عندما يكون ذاك التاريخ لا أساس له، فلن يكون هناك تأسيس لتاريخ جديد، لأن التاريخ يتقدم ولا يستعاد، ولاسيما حين لا يكون لذاك التاريخ متخيل جامع، أو مما يجمع بين الناس مثل اللغة الكتابية، والدين الذي يؤمن به الناس، والذاكرة المشتركة.
نجحت الصهيونية، وهي تتركز على دين، ولغة، وذاكرة، وثقافة، ودعم استعماري في الاستيطان، لكن طوفان الأقصى جعل الكثير من المستوطنين رغم كل ما يجمع بينهم على مستوى «هوية تاريخية سردية»، يفكرون في الهجرة، من دون عودة؟ علاقة الإنسان بالأرض التي لا تضمن له الأمن والسلام معرضة للنهاية في كل التاريخ (ويتحدثون عن ثقافة الأرض؟). الأرض أرض الله، وليست لأحد. قال تعالى للمستضعفين في الأرض: «ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها؟ إن من يهاجر من المنطقة التي ولد فيها لأنها لا توفر له العيش الكريم لن يعود إليها، وهو قابل لأن يتمسك بأي جنسية أو هوية، وهو يقبلها وهو في أقصى درجات الفرح. ماذا يقول الموريون عمن يهاجر من قريته ويقطع صلته بها؟ وماذا يمكن أن نقول عن الشاب المغربي الذي يستقل قوارب الموت من أجل الهجرة؟ هل لتأسيس «هوية سردية جديدة»، أم لنسيان الأرض الذي نبت فيها، ولم تعد صالحة للحياة وفرضت عليه التفكير في الهجرة؟
إن هوس استعادة تاريخ ما قبل الفتح الإسلامي نظير «اختراع ما قبل التاريخ» حسب ستيفانوس جيرولانوس ليس سوى وسيلة استعمارية عنصرية لتبرير واقع يعمل على إدامته ليظل في مصلحته. ولذلك فإن كتابة سردية «تاريخية جديدة» للأرض وهم فظيع. لنكتب «سردية واقعية جديدة». وعلينا من أجل ذلك الهجرة إلى المغرب الواقعي، لا الدعوة لاختراع تاريخ وهمي، ولكن لتطوير واقع حقيقي يتسع لكل المغاربة بلا تمييز ولا تفريق. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.






تعليقات الزوار ( 0 )