كشفت دراسة علمية حديثة نشرت في مجلة “نيتشر” العالمية عن واقع مقلق يحيط باستخدام المبيدات الزراعية في المغرب، مؤكدة أن الغالبية الساحقة من الفلاحين يفتقرون إلى المعرفة الأساسية بالمواد الكيميائية التي يتعاملون معها يوميا.
وأظهرت الدراسة، التي شملت 314 عاملاً في سبع مناطق فلاحية كبرى، أن نحو 86% من المشاركين عجزوا عن تحديد أسماء المبيدات المستخدمة، بينما لم تتجاوز نسبة الملمين بقواعد السلامة التقنية ثلث العينة، مما يكشف عن هوة سحيقة بين الاستخدام الكثيف لهذه المواد ومستوى الإدراك العلمي بمخاطرها.
وتشير النتائج إلى أن الضعف المعرفي لا يعود فقط لنقص المعلومة، بل يرتبط بجذور ديموغرافية واجتماعية؛ حيث يعاني أكثر من 74% من المستجوبين من الأمية أو ضعف المستوى التعليمي، كما أن نحو 58% منهم لم يتلقوا أي تدريب مهني حول كيفية التعامل مع هذه المواد السامة.
وهذا الوضع ساهم في نشوء ظاهرة “التطبيع مع الخطر”، خاصة بين الفلاحين الأكبر سنا، حيث يؤدي التعرض الطويل والمتكرر للمبيدات إلى تآكل الإحساس بخطورتها، مما يدفعهم لإهمال وسائل الوقاية والتقليل من شأن التأثيرات الصحية طويلة الأمد، ولا سيما تلك المتعلقة بالصحة النفسية والاضطرابات العصبية.
وعلى مستوى السلوك الميداني، رصد الباحثون تناقضا صارخا بين التصريحات اللفظية والممارسات الفعلية؛ فبينما يظهر الفلاحون وعيا نسبيا بمخاطر المبيدات على سلامة الغذاء والمستهلك، إلا أنهم يهملون إجراءات حمايتهم الشخصية.
وسجلت الدراسة ممارسات غير آمنة في التخلص من العبوات الفارغة، التي غالبا ما تخزن قرب المساكن، إلى جانب استمرار استخدام مواد محظورة دوليا أو مشكوك في سلامتها الصحية، يتم الحصول عليها أحيانا عبر سوق موازية تمثل 15% من حجم التداول الوطني، مما يرفع وتيرة حالات التسمم الحاد التي تتجاوز ألفي حالة سنوياً.
وأشارت إلى أن السياسات العمومية الرامية لتأمين القطاع الزراعي يجب أن تتجاوز منطق “التلقين النظري”، لتركز على تغيير المواقف والاتجاهات النفسية للفلاحين، معتبرة أن التعليم هو المحرك الأساسي لتغيير السلوك.
ودعا الباحثون إلى اعتماد مقاربة شمولية تدمج برامج المراقبة البيولوجية وتوفر بدائل اقتصادية آمنة، محذرين من أن استهلاك المغرب لنحو 13.7 ألف طن من المواد الفعالة سنويا يضع البلاد أمام تحدٍ بيئي وصحي جسيم يتطلب تدخلاً عاجلاً لحماية اليد العاملة التي تمثل 40% من مجموع السكان المشتغلين.




تعليقات الزوار ( 0 )