تشهد منظومة النقل في المغرب تحولات متسارعة في ظل سياق اقتصادي يتسم بارتفاع تكاليف الطاقة وتزايد الضغوط على القدرة الشرائية للمواطنين، ما دفع الدولة إلى تبني سياسات دعم موجهة لبعض الفاعلين في القطاع، وتندرج هذه الإجراءات ضمن مقاربة تروم الحفاظ على استمرارية الخدمات الأساسية وضمان توازن السوق؛ خاصة فيما يتعلق بالنقل العمومي ونقل البضائع.
ورغم أهمية هذه الدينامية، فإنها تثير نقاشا متناميا حول معايير الاستفادة وحدود العدالة في توزيع الدعم، خصوصا مع اتساع دائرة القطاعات المستفيدة، فبينما يفترض أن تقوم هذه السياسات على مبادئ الإنصاف والنجاعة، تبرز تساؤلات حول مدى شموليتها وقدرتها على الاستجابة لكافة الفاعلين الذين يواجهون بدورهم تحديات اقتصادية مماثلة.
❖ سياق الدعم
يوضح دحان بوبرد، رئيس الاتحاد الوطني لجمعيات وأرباب مدارس تعليم السياقة وقانون السير والسلامة الطرقية أنه في سياق وطني يتسم بتقلبات اقتصادية وارتفاع مستمر في أسعار المحروقات، بادرت الدولة إلى دعم عدد من قطاعات النقل حفاظًا على القدرة الشرائية للمواطنين وضمان استمرارية المرفق.
واعتبر بوبرد في تصريح لجريدة “الشعاع”، أن هذه الخطوة تظل إيجابية في جوهرها، خاصة حين يتعلق الأمر بالنقل العمومي ونقل البضائع لما لهما من تأثير مباشر على الحياة اليومية.
وعبر عن استغرابه من توسيع هذا الدعم خلال سنة 2026 ليشمل قطاعات كالنقل المدرسي لحساب الغير، والنقل السياحي، وقطاع الجر والإغاثة، وهي قطاعات تصنف ضمن الخدمات الحرة التي تملك إمكانية مراجعة أسعارها وفقًا للظروف الاقتصادية.
وفي المقابل، سجل بوبرد إقصاء قطاع تعليم السياقة من هذا الدعم، رغم كونه قطاعًا يخضع لتعرفة قانونية محددة، ما يطرح تساؤلات حول منطق الانتقاء المعتمد في توزيع الدعم.
❖ اختلال المعايير
يؤكد دحان بوبرد أن قطاع تعليم السياقة يشتغل في إطار تعرفة قانونية تم تحديدها في سياق اقتصادي مختلف، حين كان سعر الغازوال لا يتجاوز 7 دراهم للتر، وكانت الدولة تتدخل لدعمه عند الارتفاع.
وأردف رئيس الاتحاد الوطني لجمعيات وأرباب مدارس تعليم السياقة وقانون السير والسلامة الطرقية، أنه اليوم ومع تحرير الأسعار، فقد أصبح القطاع يواجه ارتفاعا متزايدا في التكاليف دون أي إمكانية لمراجعة مداخيله.
وأضاف أن هذا الوضع يضع المهنيين في موقع صعب، حيث يتحملون أعباء متزايدة دون الاستفادة من أي دعم مباشر، في وقت تستفيد فيه قطاعات أخرى تملك هامشًا أكبر للتكيف مع تقلبات السوق.
واعتبر أن هذا الأمر يعكس اختلالا واضحا في معايير توزيع الدعم، وغياب مقاربة تأخذ بعين الاعتبار خصوصية كل قطاع بدل اعتماد منطق موحد لا يراعي الفوارق البنيوية بين الأنشطة.
❖ مفارقات الدعم
يسجل بوبرد وجود مفارقات واضحة في الاستفادة من الدعم، مشيرا إلى أن جزءًا من المستفيدين ينتمون إلى ما يعرف بالاقتصاد الريعي، من خلال كراء المأذونيات للغير دون تحمل أعباء الاستثمار أو التسيير.
ولفت إلى أن عددا من المركبات تبقى متوقفة أو شبه متوقفة، ومع ذلك يستفيد مالكوها من الدعم، في غياب معايير دقيقة تربط الاستفادة بحجم النشاط الفعلي.
وفي المقابل، أبرز أن مؤسسات تعليم السياقة تشتغل بشكل يومي ومستمر، وتتحمل كافة التكاليف المهنية، دون أي دعم، ودون إمكانية الرفع من التسعيرة المفروضة قانونًا، ما يعمق الإحساس بعدم الإنصاف.
❖ قطاع منتج
يشدد دحان بوبرد على أن قطاع تعليم السياقة لا يعد عبئا على الدولة، بل يساهم بشكل مباشر في تمويل خزينة الدولة ومؤسساتها، حيث يؤدي كل مترشح ما يقارب 700 درهم، موزعة بين خزينة الدولة، والوكالة الوطنية للسلامة الطرقية، ومديرية الجماعات المحلية، إضافة إلى مصاريف إدارية أخرى.
وأوضح أن هذا المعطى يعكس الطابع الإنتاجي للقطاع، ويبرز مساهمته في الدورة الاقتصادية، ما يجعل إقصاءه من الدعم أمرًا غير مبرر من منظور العدالة الاقتصادية.
واعتبر أن هذا الدور المالي يضع القطاع في موقع يستدعي الاعتراف به كشريك في المنظومة، وليس فقط كفاعل خاضع للقيود التنظيمية دون مقابل تحفيزي.
❖ بدائل مطروحة
يقترح بوبرد مراجعة آليات توزيع الدعم بشكل عميق، من خلال اعتماد معايير أكثر عدالة ونجاعة، تقوم على ربط الاستفادة بالمردودية الفعلية، وعلى رأسها عدد الكيلومترات المقطوعة أو حجم النشاط الحقيقي.
وأكد على أن اعتماد معيار الكيلومتر من شأنه أن يضمن توجيه الدعم إلى المهنيين النشيطين فعليا، والحد من مظاهر الريع والاستفادة غير المستحقة، كما سيساهم في تحقيق عدالة أكبر بين مختلف مكونات القطاع.
وجدد الدعوة إلى إنصاف قطاع تعليم السياقة، إما عبر تمكينه من الاستفادة من الدعم بما يراعي خصوصيته، أو من خلال مراجعة التعرفة المفروضة عليه لتتلاءم مع التغيرات الاقتصادية الراهنة، مع إرساء آليات للمراقبة.
❖ ضرورة الإصلاح
يشير دحان بوبرد إلى أن إصلاح منظومة الدعم لم يعد خيارا، بل ضرورة ملحة لضمان الشفافية والعدالة، وتحقيق الأثر الحقيقي لهذه السياسات على أرض الواقع.
وأكد على أن المرحلة الراهنة تفرض تبني رؤية شمولية تأخذ بعين الاعتبار مختلف الفاعلين، وتضمن توزيعًا منصفًا للموارد، بما يعزز الثقة بين الدولة والمهنيين ويحقق التوازن الاقتصادي والاجتماعي.




تعليقات الزوار ( 0 )