باشر قضاة المجلس الأعلى للحسابات افتحاصا ماليا وإداريا دقيقا لملفات الصفقات العمومية الخاصة بتجهيز مستشفى الزموري بمدينة القنيطرة.
وجاء هذا التحرك الرقابي الرسمي مباشرة بعد تفجر أزمة تقديم البروفيسور ياسين الحفياني استقالته من مهام إدارة المؤسسة الصحية.
تركز لجان الافتحاص عملها على مراجعة الفواتير ومحاضر استلام المعدات الطبية وتقييم مدى مطابقتها لدفاتر التحملات الموقعة سلفا.
ويشمل التدقيق المالي المفتوح حاليا التمحيص في ميزانيات الصيانة وعقود الضمان المرتبطة بأجهزة الفحص بالأشعة والرنين المغناطيسي والمختبرات.
كما تعمل فرق الرقابة على تتبع مسار صرف الميزانيات الضخمة التي خصصت لبناء وتجهيز هذه المعلمة الصحية التي عوضت مستشفى الغابة القديم.
ويهدف الإجراء الرقابي لتحديد مكامن الهدر المالي وكشف التلاعبات المحتملة في جودة التجهيزات التقنية الموردة من طرف نائلي الصفقات.
كواليس الاستقالة ورفض الامتيازات
تعود أسباب مغادرة المسؤول الأول عن المرفق الصحي لرفضه التوقيع على محاضر استلام مشاريع وتجهيزات تقنية تشوبها اختلالات واضحة.
وواجه المدير منذ تعيينه ضغوطات متواصلة من جهات حاولت فرض قبول معدات لا تستجيب للمعايير التقنية المحددة في دفاتر التحملات.
وشكل الرفض الإداري نقطة صدام مباشر مع شبكات مستفيدة من صفقات التوريد التي رافقت عملية الانتقال نحو البناية الجديدة.
ودفع الوضع المعقد المسؤول لوضع طلب الإعفاء من المهام تفاديا للتورط في تبديد أموال عمومية وحفاظا على سلامة المرضى.
واختار المدير المستقيل نهجا تدبيريا مغايرا عبر التنازل الطوعي عن الامتيازات المرتبطة بالمنصب كسكن وظيفي أو سيارة مصلحة.
وفضل المسؤول الاعتماد حصرا على راتبه الأصلي كأستاذ جامعي لضمان استقلالية قراراته الإدارية بعيدا عن أي ارتهان مادي محتمل.
تضامن مهني واحتجاجات متواصلة
في نفس السياق، يواصل العشرات من الأطباء والممرضين والتقنيين العاملين بالمركب الاستشفائي تنظيم وقفات احتجاجية متتالية بساحة المؤسسة تضامنا مع الإدارة المستقيلة.
ويرفع المحتجون عبر بيانات النقابة المستقلة لقطاعات الصحة مطالب صريحة بضرورة الكشف عن هويات المتورطين في عرقلة سير المرفق العمومي.
وتتوسع دائرة الاحتجاجات لتشمل تنديد الشغيلة بالخصاص الحاد في الموارد البشرية الذي يضاعف أعباء العمل اليومية بشكل غير محتمل.
كما تستنكر الأطر المحتجة محاولات لجان التفتيش المركزية تحميلهم مسؤولية الأعطاب التقنية المتكررة التي تصيب الأجهزة الحديثة بالأقسام الحيوية.
ويعتبر العاملون هذه الاتهامات محاولة مكشوفة للتهرب من المحاسبة الحقيقية المرتبطة برداءة المعدات الموردة من طرف الشركات المتعاقدة.
مع إصرار الشغيلة على مواصلة الأشكال الاحتجاجية السلمية حتى فتح تحقيق شفاف يرتب الجزاءات الإدارية والقانونية في حق المفسدين الحقيقيين.
مفارقة البنيات الضخمة والخصاص البشري
يعاني المرفق الصحي الجديد من نقص حاد في الكوادر الطبية والتمريضية لا يتناسب مطلقا مع حجم البناية متعددة التخصصات.
وتفتقر أقسام حيوية للعدد الكافي من الأطباء الأخصائيين لضمان استمرارية تقديم العلاجات وتلبية الطلب المتزايد لساكنة إقليم القنيطرة.
ويترافق النقص البشري مع ضغط ديمغرافي هائل يحول المستعجلات إلى بؤر يومية للتوتر والاصطدام بين المرتفقين والأطقم المداومة.
كما يشهد المستشفى انقطاعات متكررة في مخزون الأدوية الأساسية والمستلزمات الجراحية الضرورية لإجراء العمليات المستعجلة داخل غرف الجراحة المركزية.
ويضطر المواطنون لاقتناء الأدوية والمستلزمات الطبية والضمادات من مالهم الخاص قبل ولوج قاعات العلاج أو العمليات.
يكشف الواقع الميداني فشل المقاربة الوزارية التي تختزل إصلاح القطاع في تشييد الجدران الإسمنتية دون توفير متطلبات التشغيل الفعلي.
موقف الوزارة وضعف التجاوب المركزي
وتعاملت المصالح المركزية لوزارة الصحة مع الأزمة التنظيمية ببرود إداري ملحوظ يعكس غياب الإرادة لحل المشاكل الهيكلية.
واكتفت الوزارة بإيفاد لجان تفتيش روتينية صاغت تقارير تتجنب الغوص في الصفقات وتكتفي برصد هوامش الأخطاء المهنية البسيطة.
كما ساهمت المقاربة في تعميق هوة انعدام الثقة بين الإدارة المركزية بالرباط والكفاءات الطبية التي تسير المؤسسات الاستشفائية بالأقاليم.
وتتجاهل الوزارة الوصية مطالب توفير حماية قانونية للمسؤولين الإداريين الذين يرفضون الانخراط في مسارات التدبير العشوائي.
من جهة أخرى، يكشف التعاطي الرسمي استمرارا لسياسة الهروب للأمام بدل مواجهة الاختلالات العميقة التي تعيق تنزيل ورش تعميم التغطية الصحية.
ويؤدي ترك مدراء المستشفيات يواجهون مصيرهم بمفردهم أمام شبكات المصالح إلى إفراغ الإدارة من الطاقات النزيهة والمنتجة.
تقاطع المصالح مع القطاع الخاص
وتشير المعطيات الميدانية لتضرر مصالح مجموعة من المصحات الخاصة بالمدينة من جودة الخدمات التي بدأ مستشفى الزموري بتقديمها.
كما ساهم توفير أجهزة الرنين المغناطيسي والمختبرات الحديثة بالمرفق العمومي في تراجع إقبال المواطنين على القطاع الطبي الخاص الباهظ التكلفة.
وتطرح المتغيرات الاقتصادية فرضيات حول وجود تقاطع مصالح بين لوبيات القطاع الخاص وجهات تسعى لاستمرار أعطاب المستشفى العمومي.
وتسعى شبكات مستفيدة من الفوضى السابقة لإفشال أي محاولة جادة لضبط مسارات توجيه المرضى وتقنين استهلاك الأدوية وتتبع المواعيد.
ويواجه كل مسؤول يحاول تفعيل آليات الرقابة الداخلية مقاومة شرسة تنتهي بخلق عراقيل إدارية تدفعه نحو تقديم استقالته مبكرا.
حيث تعمل لجان المجلس الأعلى للحسابات حاليا على فك خيوط التشابك المالي وتحديد مسارات عرقلة الإصلاح بشكل دقيق وموثق.
ويفرض الوضع المعقد على السلطات الحكومية والجهات الرقابية الانتقال الفوري من مرحلة تسجيل الاختلالات لتفعيل مساطر المتابعة القضائية.
ويتطلب مسار إصلاح المنظومة الصحية تجاوز الخطابات الرسمية نحو توفير ضمانات حقيقية لحماية المسيرين من ضغوطات لوبيات الصفقات.
هذا وتتحمل الإدارة المركزية مسؤولية استمرار نزيف الكفاءات الذي يدفع المواطن المريض تكلفته الباهظة نتيجة حرمانه من حقه الدستوري في العلاج.



تعليقات الزوار ( 0 )