أصدرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO)، التابعة للأمم المتحدة؛ تقريرها السنوي حول حالة المناخ العالمي، كاشفة عن تحول مقلق في توازن نظام الأرض، حيث بات المناخ ينحرف بشكل متزايد عن استقراره الطبيعي تحت ضغط الأنشطة البشرية.
والتقرير، الذي صدر تزامنًا مع اليوم العالمي للأرصاد الجوية، يرسم صورة قاتمة لمستقبل المناخ، ويؤكد أن ما نشهده اليوم ليس مجرد تغير عابر، بل تحول هيكلي طويل الأمد.
-اختلال غير مسبوق
تشير المعطيات العلمية إلى أن مناخ الأرض يعيش حالة “اختلال طاقي” غير مسبوقة منذ بدء تسجيل البيانات.
وهذا الاختلال يعني أن كمية الطاقة الحرارية التي يحتفظ بها كوكب الأرض تفوق ما يفقده، نتيجة الارتفاع القياسي في تركيزات الغازات الدفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون والميثان.
وبلغ هذا الاختلال أعلى مستوياته سنة 2025، ما يعكس تسارعًا خطيرًا في وتيرة التغير المناخي خلال العقدين الأخيرين.
-حرارة قياسية
أكد التقرير أن الفترة ما بين 2015 و2025 تمثل السنوات الإحدى عشرة الأكثر حرارة على الإطلاق.
كما احتلت سنة 2025 المرتبة الثانية أو الثالثة ضمن أكثر السنوات سخونة، بمتوسط حرارة يفوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية بحوالي 1.43 درجة مئوية.
وهذه الأرقام تعكس منحى تصاعديًا واضحًا، رغم التغيرات الطبيعية المؤقتة مثل ظاهرة “لا نينيا”، ما يدل على أن الاحترار العالمي أصبح ظاهرة بنيوية.
-محيطات تتقلص
تلعب المحيطات دورًا محوريًا في امتصاص الحرارة الزائدة، إذ استوعبت خلال العقدين الماضيين طاقة تعادل نحو 18 ضعف الاستهلاك السنوي للبشرية.
وسجلت حرارة المحيطات مستويات قياسية جديدة سنة 2025، مع تضاعف معدل الاحترار مقارنة بالفترة الممتدة بين 1960 و2005.
وغير أن هذا “الدور العازل” للمحيطات يأتي بثمن بيئي باهظ، يتمثل في تدهور النظم البيئية البحرية وفقدان التنوع البيولوجي.
-جليد يتلاشى
يكشف التقرير عن استمرار ذوبان الجليد بوتيرة متسارعة، سواء في القطب الشمالي أو القارة القطبية الجنوبية، حيث سجلت مساحات الجليد البحري مستويات قياسية متدنية.
وشهدت الأنهار الجليدية في مناطق مثل آيسلندا والساحل الغربي لأمريكا الشمالية خسائر استثنائية في الكتلة الجليدية، ما يساهم بشكل مباشر في ارتفاع مستوى سطح البحر.
-مستوى البحر
ارتفع متوسط مستوى سطح البحر عالميًا بحوالي 11 سنتيمترًا منذ 1993، مع تسارع ملحوظ في وتيرة الارتفاع خلال السنوات الأخيرة.
ويمثل هذا الارتفاع تهديدًا مباشرًا للمناطق الساحلية، من خلال الفيضانات وتملح المياه الجوفية، مما يهدد الأمن المائي والغذائي لملايين البشر.
-كوارث متصاعدة
أبرز التقرير تزايد حدة الظواهر المناخية المتطرفة، مثل موجات الحر والفيضانات والأعاصير، والتي تسببت في خسائر بشرية ومادية جسيمة خلال سنة 2025.
كما أظهرت هذه الأحداث هشاشة الاقتصادات والمجتمعات، خاصة في المناطق الأكثر عرضة، حيث تتضاعف آثار الكوارث بفعل ضعف البنية التحتية وقلة الموارد.
-تأثيرات صحية
لم تعد تداعيات التغير المناخي تقتصر على البيئة، بل امتدت إلى الصحة العامة، مع تزايد الأمراض المرتبطة بالمناخ مثل حمى الضنك والإجهاد الحراري.
وتشير التقديرات إلى أن نحو 1.2 مليار عامل حول العالم يواجهون مخاطر صحية بسبب الحرارة المرتفعة، خاصة في قطاعات الزراعة والبناء، ما يؤثر أيضًا على الإنتاجية وسبل العيش.
-أمن غذائي
يحذر التقرير من أن التغيرات المناخية باتت تهدد الأمن الغذائي العالمي، من خلال تأثيرها على الإنتاج الزراعي وانتشار الآفات والأمراض.
كما تساهم هذه التحولات في تفاقم الهجرة القسرية وعدم الاستقرار الاجتماعي، خاصة في المناطق الهشة والمتأثرة بالنزاعات.
-دعوة للتحرك
في تعليقه على التقرير، اعتبر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أن “كل المؤشرات المناخية الرئيسية باتت في المنطقة الحمراء”، مؤكدًا أن تكرار السنوات الأكثر حرارة لم يعد صدفة، بل إنذارًا يستوجب التحرك العاجل.
ومن جهتها، شددت الأمينة العامة للمنظمة، سيليست ساولو، على أن الأنشطة البشرية تواصل الإخلال بالتوازن الطبيعي، وأن آثار ذلك ستستمر لقرون، إن لم تُتخذ إجراءات حاسمة اليوم.
وقدم التقرير صورة واضحة؛ مفادها أن العالم لم يعد أمام خيار التأجيل، فإما تسريع التحول نحو سياسات مناخية صارمة، أو مواجهة تداعيات طويلة الأمد قد تعيد تشكيل الحياة على كوكب الأرض.




تعليقات الزوار ( 0 )