أطلقت وزارة العدل منصة رقمية جديدة مخصصة للمسطرة الغيابية، في خطوة قدمتها باعتبارها جزءا من ورش رقمنة منظومة العدالة وتعزيز فعالية تنفيذ الأحكام القضائية، وتتيح هذه المنصة نشر معطيات الأشخاص المتابعين في قضايا جنائية الذين لم يمتثلوا للاستدعاءات القضائية، بما يسمح للعموم والفاعلين القانونيين بالاطلاع على معلومات مرتبطة بملفاتهم بهدف تسريع الإجراءات وتحفيز المعنيين على تسوية وضعيتهم القانونية.
وغير أن هذه المبادرة، التي تأتي في سياق تحديث الإدارة القضائية، سرعان ما أثارت نقاشا قانونيا وحقوقيا واسعا، خاصة بعد تحذيرات من محامين وخبراء قانونيين من احتمال تعارضها مع مبدأ قرينة البراءة ومقتضيات حماية المعطيات الشخصية، وبين من يرى في الخطوة تقدما في مسار رقمنة العدالة، ومن يعتبرها شكلا من أشكال التشهير بالمتابعين قبل صدور أحكام نهائية، يتواصل الجدل حول حدود التوازن بين فعالية العدالة واحترام الحقوق والحريات.
– رقمنة العدالة
يعتبر مراد فوزي، المحامي بهيئة المحامين بالدار البيضاء، ورئيس جمعية حقوق وعدالة، أن إطلاق وزارة العدل المغربية منصة رقمية خاصة بالمسطرة الغيابية يندرج في سياق التحولات التي تعرفها منظومة العدالة بالمغرب، خاصة في ظل التوجه العام نحو رقمنة الخدمات القضائية وتحديث طرق تدبير المساطر القانونية.
وأبرز فوزي في تصريح لجريدة “الشعاع”، أن المتابعين للشأن القضائي، سواء من داخل المهنة أو من المهتمين بمجال العدالة، يدركون جيدا أن تخلف المتهم عن حضور جلسات المحاكمة أمام غرفة الجنايات، سواء نتيجة الفرار أو عدم الاستجابة للاستدعاء بعد الإفراج المؤقت أو لأي سبب آخر، يمنح المحكمة صلاحية اللجوء إلى ما يعرف بالمسطرة الغيابية.
وأكد أن هذه المسطرة كانت إلى وقت قريب تعتمد آليات تقليدية قديمة لا تواكب التطورات التكنولوجية التي يشهدها العالم، مبرزا أنها كانت ترتبط بإجراءات طويلة قد تسهم في إطالة أمد التقاضي وتمطيط مدة المحاكمات، وهو ما يشكل أحد الإشكالات العملية التي عانت منها العدالة الجنائية لسنوات.
وأشار المحامي بهيئة المحامين بالدار البيضاء، إلى أنه من هذا المنطلق، فإن رقمنة هذا الإجراء عبر منصة إلكترونية يندرج ضمن محاولات تحديث المرفق القضائي وتسريع بعض الإجراءات المرتبطة بتتبع المتهمين المتغيبين عن جلسات المحاكمة.
وأضاف أن إطلاق منصة رقمية تنشر أسماء الأشخاص الصادرة في حقهم مقررات بحث في إطار المسطرة الغيابية يمكن اعتباره خطوة إيجابية في اتجاه تعزيز فعالية هذه المسطرة، خاصة أنها قد تسهم في تجاوز عدد من الإكراهات العملية التي كانت تحول دون العثور على المتهم الغائب.
ووفق رئيس جمعية حقوق وعدالة، يمكن أن تساعد هذه الآلية في تمكين المعنيين من الاطلاع على وضعيتهم القانونية، وبالتالي تقديم أنفسهم أمام العدالة للدفاع عن أنفسهم بدل صدور قرارات في حقهم دون حضورهم أو تقديم دفوعاتهم.
-قرينة البراءة
في المقابل، يثير نشر المعطيات المرتبطة بالمتابعين قضائيا نقاشا قانونيا واسعا حول مدى انسجام هذه الخطوة مع مبدأ قرينة البراءة وحماية المعطيات الشخصية، وهو نقاش يرى فوزي أنه ينبغي مقاربته في سياقه القانوني والتاريخي.
ويرى المحامي بهيئة المحامين بالدار البيضاء، أن المسطرة الغيابية، حتى في صيغتها التقليدية، لم تكن منفصلة عن نشر معطيات المتابعين، بل كانت تقوم على مبدأ إعلان البحث عن المتهم بوسائل متعددة.
وأشار في هذا السياق إلى أن الإجراءات التقليدية كانت تعتمد على بث معطيات الشخص المعني عبر الإذاعة الوطنية ثلاث مرات خلال أسبوع، إلى جانب تعليق الأمر القضائي المتعلق بالمسطرة الغيابية في آخر عنوان معروف للمتهم.
وأوضح رئيس جمعية حقوق وعدالة، أن نشر هذه المعطيات لم يكن أمرا مستحدثا، بل كان جزءا من آلية قانونية تهدف إلى إشعار المعني بالأمر بوجود متابعة قضائية في حقه ودعوته إلى المثول أمام القضاء.
ويرى فوزي أن ما قامت به وزارة العدل اليوم عبر منصتها الرقمية ليس سوى نقل لهذا الإجراء التقليدي إلى فضاء رقمي يواكب التطور التكنولوجي ووسائل التواصل الحديثة، غير أنه يلفت الانتباه في المقابل إلى ضرورة التعامل مع المعطيات المنشورة بحذر كبير.
وبرأي المحامي بهيئة المحامين بالدار البيضاء، ينبغي أن يقتصر النشر على الاسم الكامل وبعض الأوصاف الضرورية فقط، دون التوسع في نشر معطيات إضافية قد تمس بالحياة الخاصة للأفراد أو تفتح الباب أمام استغلالها بطرق غير مشروعة.
وشدد في هذا الصدد على ضرورة تجنب نشر معلومات مثل اسم الأب والأم أو رقم بطاقة التعريف الوطنية، لأن هذه المعطيات لا ترتبط بالحاجة الفعلية للمسطرة الغيابية، كما أنها قد تتيح للغير إمكانية الوصول إلى معلومات شخصية أخرى لا علاقة لها بموضوع المتابعة القضائية.
وأبرز أن نشر مثل هذه المعطيات قد يجعل الشخص المعني عرضة للتشهير أو الابتزاز، وهو ما يستدعي اعتماد مقاربة متوازنة تراعي بين متطلبات العدالة واحترام الحياة الخاصة.
-ضمانات المحاكمة
أما بخصوص الإشكال المرتبط بالتوفيق بين تسريع تنفيذ الإجراءات القضائية واحترام استقلال السلطة القضائية وضمانات المحاكمة العادلة، فيعتبر فوزي أن هذا النقاش يتجاوز موضوع المنصة الرقمية في حد ذاته، لأنه يرتبط بمسألة أوسع تتعلق بتدبير العدالة الجنائية ككل.
وأكد أن الأمر الصادر في إطار المسطرة الغيابية لا يندرج أصلا ضمن مرحلة تنفيذ الأحكام، بل يدخل ضمن الإجراءات التمهيدية التي تهدف إلى تجهيز الملف وضمان سلامة مسطرة المحاكمة.
وأضاف أن إطلاق منصة رقمية لهذا الغرض لا يمس في جوهره باستقلال السلطة القضائية، على اعتبار أن المنصة لا تعدو أن تكون وسيلة تقنية لتسهيل تفعيل مسطرة قانونية قائمة أصلاً.
ولفت إلى أن الأصل في هذه الإجراءات يظل بيد الجهات القضائية المختصة، بينما تقتصر المنصة على دور إجرائي يهدف إلى تعزيز فعالية البحث عن المتهمين المتغيبين.
وفي السياق ذاته، يوضح المحامي بهيئة المحامين بالدار البيضاء، أن المسطرة الغيابية نفسها تعد من الضمانات المرتبطة بالمحاكمة العادلة، لأنها تسعى أساسا إلى حماية حق المتهم في الدفاع.
وأبرز أن القانون يمنح المتهم، حتى بعد صدور المسطرة الغيابية في حقه، إمكانية الحضور أمام القضاء وتقديم الأعذار التي حالت دون حضوره سابقا، وهو ما قد يؤدي إلى إلغاء تلك المسطرة وإعادة النظر في الملف بحضوره.
وأشار إلى أن الهدف الأساسي من المسطرة الغيابية لا يتمثل فقط في متابعة المتهمين المتغيبين، بل أيضا في ضمان احترام قرارات القضاء وإلزامية الاستجابة لاستدعاءات المحكمة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على حق المتهم في الدفاع عن نفسه متى قرر المثول أمام العدالة.
واعتبر أنه من خلال هذا المنطلق، فإن نجاح المبادرات الرقمية المرتبطة بالعدالة يظل رهينا بقدرتها على تحقيق هذا التوازن الدقيق بين فعالية الإجراءات القضائية وصون الحقوق والحريات الفردية.



تعليقات الزوار ( 0 )