يشهد قطاع تعليم السياقة بالمغرب مرحلة دقيقة تتقاطع فيها رهانات تأهيل المهنة مع إكراهات تنزيل النصوص التنظيمية الجديدة، في سياق يسعى إلى الرفع من جودة التكوين وتعزيز السلامة الطرقية، وغير أن هذا المسار، رغم وجاهة أهدافه المعلنة، يثير نقاشا قانونيا ومهنيا واسعا بشأن حدود تطبيق المرسوم المعدل ومدى احترامه لمبادئ الشرعية والاستقرار القانوني.
وفي خضم هذا الجدل، يبرز سؤال جوهري حول إمكانية تحقيق إصلاح فعال دون إشراك الفاعلين المعنيين، وبين مبدأ عدم رجعية القوانين وضرورة اعتماد مقاربة تشاركية، يتشكل نقاش يعكس طبيعة العلاقة بين الإدارة والمهنيين، ويضع مستقبل القطاع أمام مفترق طرق دقيق.
-مبدأ الشرعية
يبرز دحان بوبرد، رئيس الاتحاد الوطني لجمعيات وأرباب مدارس تعليم السياقة وقانون السير والسلامة الطرقية، وممثل القطاع بالمجلس الإداري للوكالة الوطنية للسلامة الطرقية، أن النقاش الدائر اليوم يتمحور أساسا حول كيفية تطبيق المرسوم المعدل، خاصة فيما يتعلق بإلزام المؤسسات التي حصلت على الموافقة قبل 19 أكتوبر 2023 باحترام شروط جديدة عند تغيير مدير المؤسسة.
وشدد بوبرد في تصريح لجريدة “الشعاع”، على أن مبدأ عدم رجعية القوانين يعد من الثوابت القانونية المستقرة، إذ لا يمكن للنصوص التنظيمية أن تطبق بأثر رجعي إلا إذا نص المشرع صراحة على ذلك، لافتا إلى أن الأصل هو أن كل وضعية قانونية تنشأ في ظل نص معين، تبقى خاضعة لذلك النص ما لم يصدر مقتضى صريح يخالفه.
واستحضر مراسلة صادرة عن الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية (نارسا)، أوضحت فيها أن المؤسسات التي حصلت على الموافقة المبدئية قبل 19 أكتوبر 2023 تخضع للشروط التي كانت سارية قبل هذا التاريخ.
وأردف أن إخضاع مؤسسة قديمة لشروط جديدة فقط بسبب تغيير مديرها يطرح إشكالا في التأويل القانوني، ويستوجب توضيحا تنظيميا صريحا يضمن توحيد التطبيق على الصعيد الوطني.
-تكوين المدير
من بين أبرز النقاط التي يثيرها بوبرد، مسألة اشتراط تكوين أو تأهيل خاص بمدير مؤسسة تعليم السياقة وفق المقتضيات الجديدة، فالمبدأ في حد ذاته بحسبه، لا يثير اعتراضا، لأن تطوير الكفاءات وتعزيز الحكامة داخل المؤسسات المهنية يندرج ضمن أهداف الإصلاح.
وغير أن الإشكال كما يوضحه، يكمن في غياب شعبة تكوينية قائمة ومفعلة تحت مسمى “مدير مؤسسة تعليم السياقة” داخل معاهد التكوين، فالواقع المهني يؤكد أن هذا المسار التكويني غير متاح إلى حدود الساعة، وهو ما يطرح سؤالا عمليا حول قابلية تنزيل هذا الشرط.
ويتساءل حول كيفية اشتراط تكوين غير متوفر، وتحميل المهني مسؤولية مسار تكويني لم يفتح بعد بشكل رسمي، موضحا أن ربط الإلزام القانوني بوجود الإمكانية الواقعية شرط أساسي في كل إصلاح متوازن، وإلا تحول النص من أداة تنظيم إلى مصدر ارتباك إداري ومهني.
-غياب التشاور
ينتقد بوبرد الطريقة التي تم بها اعتماد المرسوم المعدل، مؤكدا أنه لم يعرض للنقاش المسبق مع الهيئات المهنية الممثلة للقطاع قبل تمريره، بل تم إخبار المهنيين به بعد صدوره، وهو ما يعتبره إخلالا بمبدأ الحوار المؤسساتي الذي يفترض أن يؤطر السياسات العمومية ذات الصلة بالمهن المنظمة.
وأشار إلى أن الدستور المغربي كرس مبدأ الديمقراطية التشاركية، وأكد على إشراك الفاعلين المعنيين في إعداد وتتبع السياسات العمومية، مبرزا أن قطاع تعليم السياقة، باعتباره قطاعا مهنيا منظما، يتوفر على هيئات تمثيلية قائمة وقانونية، كان من الأجدر إشراكها في صياغة مقتضيات تمس البنية التنظيمية للمؤسسات.
وأكد ممثل القطاع بالمجلس الإداري للوكالة الوطنية للسلامة الطرقية، أن التشاور لا يشكل عائقا أمام الإصلاح، بل يمنحه شرعية مهنية ويجعل تنزيله أكثر واقعية، مبرزا أن الحوار المسبق كان من شأنه رصد الإكراهات التطبيقية وتفادي العديد من الإشكالات التي ظهرت بعد دخول المرسوم حيز التنفيذ.
-مراحل انتقالية
يشدد بوبرد على أن أي إصلاح تنظيمي ناجح يستوجب اعتماد مقاربة تدريجية تراعي توازن القطاع واستقراره، فالإصلاح في نظره، ليس مجرد إصدار نصوص جديدة، بل هو مسار متكامل يستدعي تهيئة الشروط الموضوعية لنجاحه.
وفي هذا السياق، يعدد مجموعة من المبادئ التي يرى أنها ضرورية لضمان إصلاح متوازن، أولها إشراك الهيئات المهنية قبل إصدار النصوص؛ وثانيها توفير البنية التكوينية قبل فرض شروط مرتبطة بها.
وأردف أن ثالثها يتعلق بتحديد آجال انتقالية معقولة تسمح للمؤسسات بتسوية أوضاعها؛ وأما رابعها فيتمثل احترام الوضعيات القانونية السابقة؛ بينما خامسها يتجلى في توحيد التطبيق الإداري لتفادي التأويلات المتباينة بين الجهات.
واعتبر رئيس الاتحاد الوطني لجمعيات وأرباب مدارس تعليم السياقة وقانون السير والسلامة الطرقية، أن غياب هذه المراحل الانتقالية قد يؤدي إلى خلق تفاوت في التطبيق بين مختلف مناطق المملكة، وهو ما ينعكس سلبا على مبدأ المساواة بين المهنيين، ويؤثر على استقرار القطاع ككل.
-حوار مسؤول
يؤكد بوبرد أن المهنيين ليسوا ضد الإصلاح، بل كانوا دائما في طليعة المطالبين بتنظيم القطاع والرفع من جودته وتعزيز دوره في نشر ثقافة السلامة الطرقية، فالمهنة بحسبه، تتحمل مسؤولية مجتمعية كبرى في تكوين السائقين وتأطيرهم.
ونبه إلى أن الإصلاح حتى يحقق أهدافه، ينبغي أن يكون تشاركيا وتدريجيا ومنسجما مع الواقع، وضامنا للاستقرار القانوني، معتبرا أن الاستثمار في مؤسسات تعليم السياقة يقوم على وضوح القواعد القانونية واستقرارها، وأي تغيير مفاجئ أو تأويل متباين قد ينعكس سلبا على مناخ الثقة.
ودعا ممثل القطاع بالمجلس الإداري للوكالة الوطنية للسلامة الطرقية، إلى فتح حوار مؤسساتي مسؤول بين الإدارة والهيئات الممثلة للقطاع، بهدف توضيح المقتضيات المختلف بشأنها، وحسم الجدل القائم، وإعادة الطمأنينة إلى المهنيين.
وأبرز أن القطاع لا يحتاج إلى توتر أو صراع تأويلات، بل إلى شراكة فعلية تؤسس لمرحلة جديدة قوامها الثقة المتبادلة، بما يخدم في نهاية المطاف هدفاً مشتركاً هو تعزيز جودة التكوين وترسيخ ثقافة السلامة الطرقية.



تعليقات الزوار ( 0 )