تشكل مسألة الدين أحد أبرز الضغوط الاقتصادية التي تواجه الحكومات الإفريقية في السنوات الأخيرة، في ظل ارتفاع تكاليف الاقتراض، وتقلبات أسعار الصرف، وتقلص هوامش الإنفاق العمومي.
وفي هذا السياق، كشفت منصة “Business Insider Africa“، المتخصصة في أخبار الأعمال والبيانات والتحليلات بالقارة، عن تصنيف جديد لأكثر عشر دول إفريقية مديونية من حيث إجمالي الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، مسلطة الضوء على بنية الدين ومصادره ومخاطره.
ويبرز التقرير أن المديونية في إفريقيا تختلف في بنيتها عن نظيرتها في الاقتصادات المتقدمة، إذ يغلب عليها الطابع السيادي، أي أن الحكومات هي الفاعل الرئيسي في الاقتراض، مقابل حضور محدود نسبياً لديون الأسر والشركات في عدد كبير من البلدان.
-ضغط سيادي
يفيد التقرير بأن الدين يمثل ضغطا اقتصاديا مركزيا بالنسبة للعديد من الحكومات الأفريقية، ويرتبط أساسا بالاقتراض السيادي وليس بديون الأسر أو القطاع الخاص كما هو الحال في الدول المتقدمة، حيث اضطرت حكومات القارة خلال العقد الأخير إلى تكثيف الاقتراض لتمويل مشاريع البنية التحتية، وتغطية عجز الميزانيات، ومواجهة تداعيات الجائحة، والاستجابة لتحديات أمنية متصاعدة في بعض المناطق.
وهذا التوسع في الاقتراض تزامن مع ارتفاع أسعار الفائدة عالميا، وتشدد شروط التمويل الميسر، ما جعل خدمة الدين أكثر كلفة وتعقيدا، كما أن هشاشة العملات المحلية أمام الدولار والعملات الصعبة زادت من أعباء السداد، خاصة في الدول التي تعتمد بشكل كبير على الاقتراض الخارجي.
وعلى خلاف الاقتصادات المتقدمة، حيث تتوزع المديونية بين الحكومات والشركات والأسر، فإن عبء الدين في إفريقيا يظل في معظمه سياديا، وهو ما يجعل المالية العمومية في قلب المخاطر، ويحد من قدرة الدول على المناورة في مواجهة الصدمات الخارجية.
-الترتيب الإفريقي
بحسب البيانات الأخيرة، تتصدر السنغال قائمة أكثر الدول الإفريقية مديونية بنسبة دين إجمالي يعادل 156% من الناتج المحلي الإجمالي، تليها جنوب أفريقيا بـ149%، ثم تونس بـ143%. وتأتي زامبيا بنسبة 120%، وموزمبيق بـ118%، فيما تحتل رواندا نسبة 113%.
وأما المغرب، فقد جاء في مرتبة متوسطة ضمن القائمة بنسبة 124% من الناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب مصر (102%) وكينيا (100%)، ويشير التقرير إلى أن الدول الواقعة في هذا النطاق تتميز بمديونية حكومية معتدلة نسبيا، مع تنامٍ تدريجي في ديون القطاع الخاص، وإن ظل الدين العمومي هو المحرك الأساسي للإجمالي العام.
ويبرز التقرير أن زامبيا وموزمبيق، على غرار السنغال، تعتمد بشكل كبير على الاقتراض الحكومي، في حين أن جنوب إفريقيا وتونس تمتلكان بنية دين أكثر توازنا، حيث تلعب ديون الأسر والشركات دورا أكبر، ما يعكس تطورا نسبيا في أسواقهما المالية.
-المغرب بالمؤشر
بالنسبة للمغرب، فإن نسبة 124% من إجمالي الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تضعه في موقع وسطي بين الدول الأعلى مديونية في القارة، ويعكس هذا المؤشر مزيجا من الدين الحكومي والخاص، مع استمرار هيمنة الاقتراض العمومي كعامل رئيسي.
وخلال السنوات الماضية، لجأت الرباط إلى توسيع الاقتراض لتمويل أوراش استراتيجية كبرى، تشمل مشاريع البنية التحتية، وتعميم الحماية الاجتماعية، والاستثمار في الطاقات المتجددة، إضافة إلى مواجهة تداعيات جائحة “كورونا” والتقلبات المناخية التي أثرت على القطاع الفلاحي.
وأسهم ذلك في ارتفاع نسبي لمستويات الدين، وإن ظل ضمن نطاق يعتبره عدد من الخبراء قابلاً للإدارة مقارنة ببعض الدول الأفريقية الأخرى.
ويمتاز المغرب بقاعدة اقتصادية أكثر تنوعا نسبيا من عدد من الدول المصنفة، مع سوق مالية أكثر تنظيما، وقدرة أكبر على الولوج إلى أسواق التمويل الدولية.
وغير أن استمرار ارتفاع تكاليف الاقتراض عالميا يشكل تحديا حقيقيا، خاصة في ظل الحاجة إلى الحفاظ على توازن دقيق بين تمويل التنمية وضبط عجز الميزانية.
-مقارنة عالمية
على الصعيد العالمي، أظهرت بيانات الربع الرابع من سنة 2025 الصادرة عن “Institute of International Finance” ضمن تقرير “Global Debt Monitor”، أن الدين العالمي يظل قريباً من مستويات قياسية.
وأبرز تحليل لمنصة “Visual Capitalist” أن عددا من الاقتصادات المتقدمة تجاوزت فيها نسبة الدين الإجمالي 300% من الناتج المحلي الإجمالي.
وتتصدر هونغ كونغ القائمة العالمية بنسبة 380%، تليها اليابان بـ372%، ثم سنغافورة بـ347%، وفرنسا بـ326%، وكندا بـ315%، وغير أن طبيعة الدين في هذه الاقتصادات تختلف جذريا عن إفريقيا، إذ تشكل ديون الشركات والأسر الجزء الأكبر من إجمالي الالتزامات، ما يوزع المخاطر على فاعلين متعددين داخل الاقتصاد.
وفي المقابل، ورغم أن أيًا من الدول الإفريقية لا يوجد ضمن الخمسة الأوائل عالميا، فإن ارتفاع نسبة الدين العمومي في عدد منها يثير مخاوف خاصة، نظرا لاعتمادها الكبير على التمويل الحكومي وضعف هوامشها المالية.
-مخاطر مستقبلية
يشدد التقرير على أن البنية السيادية للمديونية في إفريقيا تجعل اقتصادات القارة أكثر عرضة لتقلبات أسعار الصرف وارتفاع تكاليف الاقتراض العالمية، إضافة إلى صدمات أسعار السلع الأساسية، ففي حال تراجع أسعار المواد الأولية أو تدهورت العملات المحلية، تتضاعف أعباء خدمة الدين الخارجي.
وبالنسبة للمغرب، فإن التحدي يكمن في الحفاظ على استدامة الدين، عبر تحسين تعبئة الموارد الداخلية، وتوسيع القاعدة الضريبية، وتعزيز النمو الاقتصادي لخفض نسبة الدين إلى الناتج تدريجياً.
وكما أن مواصلة المملكة المغربية للإصلاحات الهيكلية وتطوير الشراكات الاستثمارية يمكن أن يساهما في تقليص الحاجة إلى الاقتراض المفرط.
ويكشف تصنيف “Business Insider Africa” عن أن مسألة الدين باتت عاملا حاسما في رسم ملامح الاقتصاد الإفريقي خلال المرحلة المقبلة.
وبين دول تتصدر القائمة بنسب تفوق 150%، وأخرى تحاول ضبط التوازن بين الاستثمار والاستقرار المالي، يبرز المغرب في موقع وسطي يعكس طموحا تنموياً كبيرا يقابله تحدي دائم، يقوم حول كيفية تمويل التحول الاقتصادي والاجتماعي دون الانزلاق إلى دوامة مديونية مرهقة.




تعليقات الزوار ( 0 )