مع حلول شهر رمضان، تتجه أنظار الأسر المغربية إلى أسواق الخضر والفواكه، حيث يشهد الاستهلاك ارتفاعاً ملحوظاً بفعل العادات الغذائية المرتبطة بالمائدة الرمضانية، وغير أن هذا الطلب المتزايد يتزامن هذا العام مع موجة غلاء طالت عدداً من المنتجات الأساسية، ما أثار تساؤلات واسعة حول أسباب الارتفاع وحدوده الزمنية.
وفي ظل الحديث عن تأثير الفيضانات الأخيرة على عدد من المناطق الفلاحية، خصوصاً بسهل الغرب، برز نقاش حول ما إذا كانت هذه الزيادات ظرفية مرتبطة باختلال مرحلي في العرض والطلب، أم أنها مؤشر على أزمة أعمق قد تمتد إلى ما بعد الأسابيع الأولى من الشهر الفضيل.
-طلب مضاعف
يرى عبد الرزاق الشابي، رئيس جمعية سوق الجملة للخضر والفواكه بالدار البيضاء، أن أولى الأسباب المباشرة لارتفاع الأسعار تكمن في الارتفاع الاستثنائي للطلب خلال شهر رمضان.
وأوضح الشابي في تصريح لجريدة “الشعاع”، أن الاستهلاك لا يرتفع بنسبة بسيطة، بل يتضاعف بشكل لافت مقارنة بباقي أشهر السنة، خاصة بالنسبة للمواد التي تدخل في إعداد الأطباق الرمضانية اليومية.
وأضاف أن هذا الإقبال الكثيف يشمل الطماطم والليمون والخيار والخس، إضافة إلى الفواكه الأكثر استهلاكاً مثل الموز والتفاح والأفوكادو.
وأكد رئيس جمعية سوق الجملة للخضر والفواكه بالدار البيضاء، أن السوق يعرف في الأيام الأولى من رمضان ضغطاً كبيراً نتيجة اندفاع المستهلكين نحو التزود بكميات تفوق حاجتهم المعتادة.
ولفت إلى أن هذا السلوك الاستهلاكي يؤدي إلى اختلال مؤقت في التوازن بين العرض والطلب، ما ينعكس مباشرة على الأثمان، خصوصاً في ظل محدودية بعض المنتجات خلال هذه الفترة الانتقالية بين المواسم.
-أثر الفيضانات
العامل الثاني وفق الشابي، يتمثل في الفيضانات الأخيرة التي ضربت مناطق فلاحية رئيسية، وعلى رأسها سهل الغرب، الذي يعد مزوداً أساسياً للسوق الوطنية بعدد من الخضر والفواكه، خاصة الحوامض والأفوكادو.
وأشار إلى أن عدداً من الضيعات تعرضت لخسائر كبيرة، سواء بسبب إتلاف الأشجار أو تضرر المحاصيل، ما أدى إلى تراجع ملموس في الكميات المعروضة.
وفي السياق ذاته، أبرز أن بعض المنتجات مثل الأفوكادو، تعتمد بشكل شبه كلي على تلك المنطقة، ما جعل السوق يتأثر بسرعة بهذا التراجع.
وأوضح أن الخضر المرتبطة مباشرة بالتربة، مثل البصل والجزر والمنتجات الورقية، تأثرت بدورها جراء تشبع الأراضي بالمياه، ما صعب عمليات الجني وأدى إلى إتلاف جزء من المحصول.
ونبه رئيس جمعية سوق الجملة للخضر والفواكه بالدار البيضاء، إلى أن هذا الوضع خلق ضغطاً إضافياً على الكميات المتوفرة داخل سوق الجملة.
-اختلال التوازن
نتيجة تداخل الطلب المرتفع مع تراجع العرض، حصل اختلال واضح في ميزان السوق، وهو ما يفسر بلوغ بعض الأسعار مستويات غير معتادة في التقسيط، وغير أن الشابي يميز بين أسعار سوق الجملة وأسعار البيع خارج السوق.
وبالنسبة للطماطم، يؤكد أنها كانت في حدود 6 دراهم داخل السوق وبلغت 8 دراهم في التقسيط، أما الليمون، فيشدد على أن ثمنه داخل سوق الجملة يتراوح بين 3 و4 دراهم حسب الجودة، معتبراً أن الحديث عن 8 دراهم مبالغ فيه إذا تعلق الأمر بسعر الجملة.
وبخصوص الخيار، بلغ حوالي 15 درهماً، بينما استقر ثمن الخس في حدود 5 دراهم للوحدة، أما الموز والتفاح، فقد وصلا إلى حوالي 15 درهماً في التقسيط، في حين يتراوح سعر الموز في سوق الجملة بين 10.5 و11.5 درهماً، وسعر التفاح بين 6 و11 درهماً حسب الصنف والجودة.
-حالة الأفوكادو
تظل فاكهة الأفوكادو الحالة الأبرز في موجة الغلاء الحالية، حيث تراوح سعرها في التقسيط بين 35 و45 درهماً للكيلوغرام، وفق المعاينات الميدانية بالدار البيضاء.
ويعزو الشابي هذا الارتفاع إلى تضرر الإنتاج المحلي بفعل الفيضانات في منطقة الغرب، إضافة إلى ارتفاع كلفة الإنتاج والتسويق، مقابل إقبال متزايد من المستهلكين خلال رمضان.
وأشار إلى أن جزءاً من المعروض الحالي مصدره الاستيراد من دول مثل البيرو، إلى جانب كينيا وجنوب إفريقيا والبرازيل، وهو ما يرفع الكلفة النهائية.
وأكد أن الموسم المحلي للأفوكادو شارف على نهايته، ما يجعل تعويض النقص أمراً صعباً في المدى القصير، بخلاف منتجات أخرى مرشحة لاستعادة توازنها سريعاً.
-دور سوس
فيما يتعلق بجهة سوس ماسة، يوضح الشابي أن إنتاجها، خاصة من الحوامض، لم يبلغ بعد ذروته من حيث النضج والكميات، ما يجعل مساهمتها في سد الخصاص محدودة في المرحلة الراهنة.
ولفت إلى أن ليمون أكادير مثلاً، لم يصل بعد إلى مستوى الإنتاج الذي يسمح بتغطية الطلب الوطني بشكل كافٍ، مؤكداً أن السوق يعيش فترة انتقالية بين نهاية إنتاج بعض المناطق وبداية قوة إنتاج مناطق أخرى.
وهذا التفاوت الزمني بين المواسم يفاقم الضغط خلال الأسابيع الأولى من رمضان، لكنه يظل بحسب الشابي، ظرفياً وقابلاً للتجاوز مع تقدم الموسم.
-توقعات قريبة
رغم الأجواء المشحونة بالقلق، يبدي الشابي تفاؤلاً حذراً بشأن مستقبل الأسعار في الأيام المقبلة، فهو يتوقع عودة أغلب المنتجات إلى مستوياتها العادية في غضون أقل من أسبوع، مع تراجع حدة الإقبال الاستهلاكي بعد الأيام الأولى من الشهر.
وشدد على أن ما يقع ليس أزمة هيكلية، بل ظرفية مرتبطة بارتفاع الطلب واختلال مؤقت في العرض، مشيراً إلى أن تراجع “شهية الشراء” المبالغ فيها سيعيد التوازن تدريجياً بين العرض والطلب.
وغير أنه يستثني بعض المنتجات التي انتهى موسمها أو تضررت بشكل كبير، وعلى رأسها الأفوكادو وبعض أنواع الحوامض، حيث قد يستمر الضغط السعري لفترة أطول نسبياً.
وأكد على أن موجة الغلاء الحالية جاءت نتيجة تفاعل معقد بين عوامل مناخية وموسمية واستهلاكية، ما يجعل الحكم عليها رهيناً بتطور الإنتاج خلال الأسابيع المقبلة، ومدى استعادة السوق لتوازنه الطبيعي بعد انقضاء ذروة الطلب الرمضاني.



تعليقات الزوار ( 0 )