ظهر، أخيرا، إلى العلن الشخص الذي نسبت إليه سلسلة التسريبات التي تداولتها كبرى القنوات والمنابر الإعلامية العربية، من بينها الجزيرة والعربية وغيرها من الوسائط الناطقة بالعربية والأجنبية، فقد أعلن عن اسمه الحقيقي، اسمه عاكف (الصورة على اليمين) المنتمي إلى قبيلة البكارة، وهي من أكبر القبائل العربية، تقع جغرافيا في شمال شرق سوريا، حيث قدم نفسه بوصفه مصدر ما وصفه بأوسع عملية اختراق سيبراني استهدفت شخصيات وشبكات مرتبطة بالنظام السوري السابق.
وفي منشور متداول على مواقع التواصل الاجتماعي، قال عاكف إن هذه العملية امتدت لأكثر من عشرة أشهر، وأسفرت، بحسب روايته، عن الحصول على ملايين الوثائق والمعلومات، إضافة إلى تسجيلات تتجاوز 800 ساعة.
وادعى أن هذه المعطيات ساهمت في كشف شبكات تواصل وتنسيق مع شخصيات بارزة من النظام السابق، وأدت إلى توقيف أو تحييد عدد من الأفراد الذين يُشتبه في سعيهم للحصول على دعم أو تنسيق لتنفيذ أنشطة معادية للسلطة القائمة.
كما تضمن المنشور لغة تصعيدية وتحذيرية تجاه ما سماه”فلول النظام”، معتبا أن ما جرى يشكل إغلاقا نهائيا لهذا الملف، ومشيرا ، في الوقت ذاته، إلى أن للتسريبات تداعيات خارجية، خاصة بعد انكشافها أمام أطراف دولية كانت على تماس مع تلك الشبكات.
ومن منظور تحليل التواصل السياسي، يمكن أن نذهب إلى أن هذه الرسائل والتسريبات تندرج ضمن سياق الصراع السياسي غير التقليدي، حيث لم تعد المواجهة تقتصر على الأدوات العسكرية أو الضغوط الدبلوماسية، بل باتت تعتمد بشكل متزايد على الحرب المعلوماتية، واختراق البنى الخفية للسلطة، وكشف شبكاتها البشرية والمالية والأمنية.
ويتمثل الهدف المركزي المعلن من هذه التسريبات في تفكيك المنظومة التي شكلت العمود الفقري لنظام حزب البعث السوري، لا عبر الصدام المباشر، بل من خلال ضرب “البيئة الحاضنة” التي سمحت للنظام بالاستمرار، حتى في مراحل التراجع والانكفاء.
التركيز، هنا، لا ينصب على الرموز العلنية وحدها، بل على الشبكات التي عملت في الظل، وأدارت علاقات داخلية وخارجية حافظت على قدر من الفاعلية السياسية والأمنية.
إن الحديث عن كم هائل من الوثائق والتسجيلات الممتدة على فترة زمنية طويلة يحمل دلالة سياسية واضحة، مفادها نزع صفة العشوائية أو الارتجال عن النظام السابق، وتقديمه بوصفه منظومة متكاملة اعتمدت التخطيط وإعادة التموضع، لا سيما في مرحلة ما بعد الانحسار.
وبهذا المعنى، تتحول التسريبات إلى أداة لإعادة تعريف النظام، ليس كسلطة سقطت وانتهت، بل كشبكة ما زالت تحاول إعادة إنتاج نفسها بوسائل مختلفة.
كما أن الإشارة إلى أن هذه المواد المسربة ساهمت في اعتقال أو تحييد شخصيات يشتبه في محاولتها إعادة وصل الماضي بالحاضر، تعكس هدفا إضافيا يتمثل في قطع خطوط الاستمرارية، ومنع أي إمكانية لإعادة تجميع القوى تحت عناوين جديدة.
ويعد هذا النهج شائعا في مراحل ما بعد الثورات وخلال عملية الانتقال السياسي، حيث تدار الملفات الثقيلة بمنطق وقائي يهدف إلى تحييد المخاطر قبل تحولها إلى تهديد فعلي.
أما على المستوى الدولي، فإن الإيحاء بحدوث توترات مع أطراف خارجية نتيجة انكشاف هذه المعطيات يشير إلى محاولة إعادة خلط أوراق التحالفات وفق عملية محكمة تتغيا فضح تفاصيل تعاون أو تفاهمات سابقة تضع الشركاء أمام كلفة سياسية وأخلاقية مرتفعة، ويدفعهم إما إلى النأي بأنفسهم أو إلى إعادة التموضع من موقع تفاوضي أضعف.
في المحصلة، لا يمكن النظر إلى هذه التسريبات بوصفها مجرد حدث إعلامي أو كشف معلوماتي عابر، بل باعتبارها أداة سياسية تهدف إلى إنهاء ما تبقى من منظومة بشار الأسد ككيان منظم وقادر على الفعل، عبر تفكيك سرديتها، وضرب شبكاتها، وتجفيف قدرتها على العمل في الظل.
إنها معركة تدار بالمعلومة والتوقيت والسيطرة على السرد، أكثر مما تدار بالقوة الصلبة، وتعكس تحولا عميقا في طبيعة الصراع السياسي في المنطقة.
أما البعد الدولي، وخصوصا الإيحاء بحدوث توترات مع أطراف خارجية نتيجة انكشاف هذه التسريبات، فيشير إلى محاولة إعادة خلط الأوراق على مستوى التحالفات عبر فضح تفاصيل التعاون أو التفاهمات السابقة يجعل الشركاء السابقين أمام كلفة سياسية وأخلاقية، ويدفعهم إما إلى النأي بأنفسهم أو إلى إعادة التفاوض من موقع أضعف.
خلاصة
يمكن القول إن الهدف من هذه التسريبات لا يقتصر على إحداث صدمة إعلامية، بل يسعى إلى إنهاء ما تبقى من منظومة النظام السابق ككيان منظم قادر على الفعل، عبر تفكيك سرديتها، وضرب شبكاتها، وإفقادها القدرة على العمل في الظل.
إنها معركة تُدار بالعقل والمعلومة والتوقيت، أكثر مما تُدار بالقوة الصلبة، وتعكس تحولا عميقا في طبيعة الصراع السياسي في المنطقة.




تعليقات الزوار ( 0 )