تشهد منصات التواصل الاجتماعي في المغرب منذ أيام نقاشا واسعا بشأن إعلان تخصيص منحة بقيمة 500 ألف يورو لفائدة مشروع يستهدف المهاجرين في وضعية هشاشة، وهو ما فتح الباب أمام سيل من التأويلات والادعاءات التي ربطت التمويل بسياسات توطين المهاجرين أو باعتباره تفضيلا لهم على حساب المواطنين المغاربة، وبين الروايات المتداولة والوقائع الموثقة، برزت الحاجة إلى العودة إلى الوثائق الرسمية لفهم طبيعة المشروع وأهدافه الحقيقية.
وفي هذا السياق، أعدت منصة “ميغرابريس” (Migrapress)، المتخصصة في تحليل سياسات الهجرة بالمغرب، مذكرة تحليلية سعت من خلالها إلى تفكيك أبرز الأفكار المتداولة حول المشروع، انطلاقا من الوثائق الرسمية والمعطيات المرتبطة بالتعاون الدولي، مؤكدة أن هدفها ليس الدفاع عن أي جهة أو تبني موقف معين، وإنما الإسهام في نقاش عمومي يستند إلى الوقائع بدل الانطباعات والإشاعات.
مصدر التمويل
توضح المذكرة أن المشروع المثار بشأنه الجدل ممول من طرف الوكالة الإسبانية للتعاون الدولي من أجل التنمية، ويجري تنفيذه من قبل الجمعية المغربية للتخطيط العائلي، في إطار برامج التعاون التنموي بين المغرب وإسبانيا، ويهدف إلى تحسين ولوج المهاجرين الموجودين في وضعية هشاشة إلى خدمات الصحة الجنسية والإنجابية.
وتؤكد المنصة أن مبلغ 500 ألف يورو لا يأتي من الميزانية العامة للدولة المغربية، وإنما يمثل منحة خارجية تخصصها الجهة المانحة وفق أولوياتها وبرامجها، شأنها في ذلك شأن عشرات المشاريع التي تمولها المؤسسات الدولية في مجالات متعددة، من بينها التعليم والبيئة وصحة الأم والطفل والعالم القروي وذوو الإعاقة.
وترى المذكرة أن الربط بين هذا التمويل وحرمان المغاربة من الدعم المالي يعد استنتاجا غير دقيق، لأن مصادر تمويل هذه المشاريع تختلف عن الاعتمادات المخصصة للسياسات العمومية الوطنية، كما أن تمويل مشروع معين لا يمنع إطلاق مشاريع أخرى تستهدف المواطنين المغاربة.
أهداف المشروع
بحسب التحليل، لا يهدف المشروع إلى منح امتيازات خاصة للمهاجرين، وإنما إلى ضمان حد أدنى من الولوج إلى خدمات الصحة الجنسية والإنجابية لفئة توصف بالهشة، بما يساهم في الوقاية من الأمراض المنقولة جنسيا، والحد من حالات الحمل عالية الخطورة، والتقليل من المضاعفات الصحية المرتبطة بالصحة الإنجابية والعنف الجنسي.
وتشير المذكرة إلى أن المهاجرين في وضعية هشاشة يواجهون عراقيل متعددة تحول دون استفادتهم من الخدمات الصحية؛ من بينها الصعوبات الاقتصادية، والحواجز اللغوية، وضعف المعرفة بالنظام الصحي، وتعقيد الأوضاع الإدارية، وهو ما يفسر تخصيص برامج تستهدف تقليص هذه العراقيل دون أن تحل محل السياسات الصحية الوطنية أو تمنح امتيازات استثنائية لهذه الفئة.
التوطين والهجرة
من بين أكثر الادعاءات تداولا، تلك التي تعتبر المشروع خطوة نحو توطين المهاجرين في المغرب أو تشجيعهم على الاستقرار الدائم.
وغير أن المذكرة تؤكد أن تمويل مشروع صحي لا يمكن اعتباره دليلا على وجود سياسة من هذا النوع، مشيرة إلى أن التعاون المغربي الأوروبي في مجال الهجرة يختلف عن برامج التعاون التنموي والصحي التي تمولها الوكالات الدولية منذ عقود لفائدة فئات اجتماعية متنوعة.
كما تنفي المذكرة وجود أي دليل علمي يثبت أن مثل هذه المشاريع تشكل عاملا رئيسيا لجذب المهاجرين نحو بلد معين، مبرزة أن الدراسات الدولية تربط قرارات الهجرة بعوامل أكثر تأثيرا، مثل النزاعات المسلحة، والأزمات الاقتصادية، وفرص العمل، والروابط العائلية، والأوضاع السياسية، وليس بإمكانية الاستفادة من خدمات صحية محددة.
الجدل الرقمي
تخصص “ميغرابريس” حيزا مهما لتحليل كيفية تشكل الخطاب المتداول على منصات التواصل الاجتماعي، معتبرة أن جزءا كبيرا من الجدل ناتج عن إخراج المعلومات من سياقها، والتركيز على قيمة المنحة دون فهم طبيعة المشروع أو الإطار الذي يندرج فيه.
كما تشير المذكرة أيضا؛ إلى أن عددا من التعليقات تبني استنتاجات واسعة انطلاقا من معلومات جزئية أو تأويلات غير مدعومة بأدلة.
وتحدد مجموعة من الآليات التي تسهم في انتشار خطاب الكراهية تجاه المهاجرين، من بينها الاعتقاد بأن أي دعم يقدم لهم يكون بالضرورة على حساب المواطنين، وتعميم سلوك بعض الأفراد على جميع المهاجرين، وإخراج المعلومات من سياقها، وتأويل المبادرات الصحية باعتبارها مخططات خفية.
ولفتت إلى أنه يتم تصوير النقاش وكأنه اختيار بين دعم المغاربة أو دعم المهاجرين، في حين أن تدخلات الصحة العمومية قد تنعكس إيجابا على المجتمع ككل.
دعوة للتحقق
تشير المذكرة إلى أن من حق المواطنين مساءلة أوجه صرف أموال التعاون الدولي، والمطالبة بالشفافية وتقييم فعالية المشاريع الممولة، إلا أن هذا النقاش ينبغي أن يستند إلى معلومات موثقة وقابلة للتحقق، لا إلى الإشاعات أو الاستنتاجات غير المدعومة بالوقائع.
وتشدد على أن المشروع موضوع الجدل لا يقدم مساعدات مالية مباشرة للمهاجرين، ولا يشكل برنامجا لتوطينهم، وإنما يندرج ضمن مبادرات تستهدف تحسين الولوج إلى خدمات الصحة الجنسية والإنجابية لفئات توجد في وضعية هشاشة.
وتؤكد أن التمييز بين النقد المشروع ونشر المعلومات غير الدقيقة يظل شرطا أساسيا لإثراء النقاش العمومي والحد من خطابات الكراهية والاستقطاب.


تعليقات الزوار ( 0 )