أخبار ساعة

00:00 - خلافات حول التزكيات .. اتحاديو أيت ملول يتمسكون باستقلالية القرار الحزبي23:58 - دراسة حول ملف الأطفال المغاربة العالقين في بؤر التوتر: تحديات التنفيذ والفراغ المؤسساتي22:45 - تحرك المغاربة في المجال العمومي بالمغرب بين الاستفراد والاستحواذ21:20 - المفتش الإقليمي لحزب الاستقلال بالداخلة يلتحق بحزب الأصالة والمعاصرة20:35 - رشيد مقتدر يكشف: هل انتهى زمن الإسلاميين في المغرب؟20:16 - البرلمان الفرنسي يقر قانون “المساعدة على الموت”18:46 - مطارات المغرب تستقبل أزيد من 18.8 ملايين مسافر خلال النصف الأول من 202618:09 - المغرب يوقع اتفاق المشاركة في قوة الاستقرار الدولية بغزة18:00 - “لبؤات التايكواندو” يتوجن بذهبية كأس العالم للفرق بكوريا الجنوبية17:51 - “اليسار الجديد المتجدد” يطلق نقاشا وطنيا لإعادة بناء اليسار المغربي
الرئيسية » الرئيسية » تحرك المغاربة في المجال العمومي بالمغرب بين الاستفراد والاستحواذ

تحرك المغاربة في المجال العمومي بالمغرب بين الاستفراد والاستحواذ

يُعد تحرك المغاربة في المجال العمومي ظاهرة اجتماعية وثقافية معقدة، تتداخل فيها عوامل تاريخية واقتصادية وثقافية وسياسية. حيث يمكن ملاحظة عدة خصائص لهذا التحرك: مثل:

*المشي في وسط الرصيف دون ترك مساحة كافية للمارة.

*التوقف المفاجئ في أماكن العبور دون مراعاة انسيابية الحركة.

* ركن السيارات في الموضع الثاني سواء أمام المؤسسات التعليمية بما فيها الخاصة أو أمام المخابز …

*الوقوف في مداخل المحلات أو الإدارات وإعاقة حركة الآخرين.

*احتلال الأرصفة بالمقاهي أو الباعة أو السيارات.

*ضعف الالتزام بالطوابير في بعض المرافق العمومية…

* التحدث بصوت عالي دون مراعاة الآخرين خاصة بالمقاهي.

* التحدث بالهاتف الخلوي سواء بالقطار أو بالمقهى بشكل مرتفع حول أمور شخصية أو للاستماع لموسيقى مفضلة.

* الركوب على دراجات نارية يسمع هديرها في أوقات متقدمة من الليل دون مراعاة لراحة الساكنة.

وهذه الممارسات التي تلاحظ يوميا في الفضاءات العمومية ، تستفز اهتمام الباحث أو حتى المواطن العادي لكي يتساءل عن أسباب هذه الظاهرة وعوامل انتشارها.

1- المجال العمومي كفضاء للعلاقات الاجتماعية

في المخيال الاجتماعي المغربي، لا يُنظر إلى الشارع أو الساحة أو السوق باعتبارها مجرد فضاءات للمرور والتنقل، بل باعتبارها أماكن للقاء والتواصل وتبادل الأخبار وبناء العلاقات. لذلك يحتل المقهى والسوق والحي والشارع مكانة مهمة في الحياة اليومية للمغاربة. وهكذا يشير بعض الباحثين ككليفورد غيرتز وغيره إلى أن الثقافة الاجتماعية المغربية عرفت تاريخياً تداخلاً بين المجال الخاص والمجال العام. فالأسر والجماعات المحلية كثيراً ما تمتد ممارساتها إلى الفضاء المشترك، سواء عبر الجلوس أمام المنازل أو استغلال الأرصفة أو تنظيم بعض الأنشطة الجماعية في الحي.

في حين ارتبط المجال العمومي في المجتمعات الغربية الحديثة بفكرة المواطن الفرد صاحب الحقوق والواجبات، أما في السياق المغربي فغالباً ما تحضر الانتماءات العائلية والقرابية والمحلية بقوة داخل الفضاء العام، مما يجعل الجماعة حاضرة في تشكيل السلوك داخل المجال العمومي. حيث يتميز المجال العمومي المغربي بحضور بشري كثيف، سواء في الأسواق أو المقاهي أو الساحات أو الأزقة. فالشارع ليس مجرد فضاء للعبور، بل فضاء للتواصل الاجتماعي وتبادل الأخبار وبناء العلاقات. كما أن هيمنة ثقافة القرب لدى جل المغاربة تجعل العلاقات المباشرة والاتصال الشخصي يحتلان مكانة مهمة في الحياة اليومية، لذلك يكثر التواجد في الفضاءات العمومية مقارنة بمجتمعات يغلب عليها الانكفاء داخل الفضاءات الخاصة. ففي كثير من المدن والأحياء الشعبية، تمتد بعض الأنشطة الخاصة إلى المجال العمومي؛ مما يجعل الحدود بين المجال الخاص والعام أقل وضوحاً.

2-الفضاء العمومي كفضاء للفردانية والاستحواذ

يمكن تناول موضوع تحرك المغاربة في المجال العمومي بين الفردانية والاستحواذ بوصفه فرضية سوسيولوجية تفسر بعض أنماط السلوك في الشارع والأسواق ووسائل النقل والإدارات، مع التنبيه إلى أنها ليست صفة تنطبق على جميع الأفراد أو في جميع السياقات. و يقصد بـ الفردانية هنا ميل الشخص إلى التصرف انطلاقًا من مصلحته الآنية، دون أن يولي اهتمامًا كافيًا لتأثير سلوكه على الآخرين. أما الاستحواذ فيعني محاولة احتلال جزء من المجال العمومي أو استغلاله بصورة تتجاوز الحق المتساوي لبقية المواطنين. فمن منظور علم الاجتماع الحضري، يمكن تفسير هذه السلوكيات بعدة عوامل متداخلة:

*ضعف التربية على استعمال المجال العمومي باعتباره ملكًا مشتركًا.

*سرعة التحضر وانتقال أعداد كبيرة من السكان إلى المدن دون أن يواكب ذلك ترسيخ ثقافة حضرية مشتركة. فقد ساهمت الهجرة القروية والتوسع العمراني في إعادة تشكيل أنماط استعمال المجال العمومي. فظهرت مراكز تجارية وحدائق وكورنيشات جديدة، لكنها لم تلغِ الأشكال التقليدية للتفاعل داخل الشارع.

*ضعف إنفاذ القوانين المنظمة لاستعمال الأرصفة والطرقات والفضاءات العامة.

*محدودية جودة بعض الفضاءات العمومية، مما يزيد من التنافس عليها. فالدارالبيضاء رغم توسعها فتجد فضاءات محدودة ككورنيش عين الذئاب أو فضاء مسجد الحسن الثاني أو نافورة ساحة الأمم المتحدة هي التي تستقطب جل الساكنة خاصة في نهاية الأسبوع الشيء الذي يحول هذه الفضاءات إلى مواسم أسبوعية بسبب الاكتظاظ.

*اعتبار المجال المشترك امتداداً للمجال الخاص: ففي بعض الأحياء قد يتم استعمال الرصيف أو الشارع أمام المنزل لأغراض خاصة، وهو سلوك يجد جذوره أحياناً في أنماط العيش القروية حيث تكون الحدود بين الفضاء الجماعي والفضاء الخاص أقل صرامة.

*أولوية العلاقات الشخصية على القواعد المجردة: إذ قد يُنظر إلى المجال من خلال منطق الجوار والقرابة والمعرفة الشخصية أكثر من النظر إليه كفضاء تحكمه قواعد موحدة على الجميع.

*الحضور القوي للجماعة: ففي الثقافة التقليدية يكون الفضاء مجالاً للتعارف والمراقبة الاجتماعية والتفاعل الجماعي، وهو ما يفسر استمرار تجمعات الجيران واستعمال الشارع كفضاء للحياة اليومية.

لكن في المقابل، من المهم التأكيد على أن هذه السلوكات ليست “قروية” بالمعنى البسيط للكلمة، لأن كثيراً من سكان المدن الأصليين يمارسونها أيضاً. حيث توجد قرى ومراكز قروية تعرف احتراماً كبيراً للفضاء المشترك.

كما أن أجيالاً جديدة من أبناء الأسر ذات الأصول القروية تبنت قيماً حضرية حديثة مرتبطة بالمواطنة والحق في المدينة. لذلك يفضل بعض السوسيولوجيين الحديث عن استمرار تمثلات تقليدية للمجال داخل المدينة بدل الحديث عن “سلوك قروي” خالص. فالمدينة المغربية المعاصرة ليست فضاءً حضرياً صرفاً ولا قروياً صرفاً، بل هي مجال هجين تتعايش فيه قيم حضرية حديثة مع أنماط ثقافية موروثة من البادية ومن الأحياء التقليدية على حد سواء. ومن هذا المنظور، يمكن فهم بعض الظواهر مثل احتلال الأرصفة، أو تحويل الشارع إلى فضاء للأنشطة الخاصة، أو ضعف المحافظة على بعض المرافق العمومية، باعتبارها جزءاً من صعوبة الانتقال من تصور المجال بوصفه فضاءً للجماعة المحلية إلى تصور حديث يعتبره ملكاً عاماً يخضع لقواعد المواطنة المتساوية. إذ ما زال المغربي في تعامله مع المجال المشترك أو المجال العمومي يعتبر أنه يتحرك في المجال العمومي بمفرده . حيث يمكن فهم هذه الفكرة في إطار ما يسميه بعض علماء الاجتماع بضعف استبطان قواعد المجال العمومي. فحين يتحرك بعض الأفراد في الشارع أو الطريق أو الساحة العامة، يتصرفون أحياناً كما لو أنهم وحدهم في المكان، أو كما لو أن حاجاتهم الآنية تتقدم على حاجات الآخرين.

وتظهر هذه التمثلات في سلوكات مثل:

*التوقف المفاجئ وسط الرصيف أو باب المرفق العمومي.

*المشي في جماعات تحتل كامل الرصيف حيث تكثر هذه الظاهرة بالخصوص لدى النساء.

*ركن السيارات في أماكن تعرقل حركة الآخرين خاصة بمحيط المؤسسات التعليمية الخاصة.

*رفع الصوت في الفضاء المشترك دون مراعاة المحيط.

*إلقاء النفايات باعتبار أن مسؤولية المجال تقع على جهة أخرى.

* الجلوس بالمقهى بكل أريحية بما في ذلك رفع الارجل فوق الكراسي الشاغرة أو التمطط …

وعلى الرغم من أن هذه الظاهرة لا تخص المغاربة وحدهم، بل تظهر بدرجات متفاوتة في مجتمعات عديدة. لكن بعض الباحثين يربطونها في الحالة المغربية بعدة عوامل:

*هيمنة منطق الجماعة الصغيرة فالفرد قد يراعي أفراد عائلته أو أصدقاءه أكثر مما يراعي المجهولين الموجودين في المجال نفسه.

*حداثة التجربة الحضرية فالتوسع السريع للمدن لم يواكبه دائماً ترسخ ثقافة مدنية تقوم على تقاسم المجال بين أعداد كبيرة من الغرباء.

*ضعف ثقافة “الغير المجهول” أي ضعف استحضار حقوق الأشخاص الذين لا تربطنا بهم علاقة مباشرة، رغم أنهم شركاء لنا في استعمال المجال العمومي.
*استمرار تمثلات تقليدية للمجال حيث يُنظر إلى الفضاء المشترك أحياناً باعتباره مجالاً يمكن التفاوض حوله أو الاستحواذ على جزء منه، لا باعتباره ملكاً عاماً تحكمه قواعد مجردة ومتساوية.

وبالتالي ، فمن منظور سوسيولوجي أعمق، يمكن القول إن الانتقال إلى ثقافة المجال العمومي الحديثة يقتضي تحولاً من منطق “أنا ومن أعرفهم” إلى منطق “نحن المواطنين المتساوين في استعمال المجال”. فالفرد في المدينة الحديثة مطالب بأن يستحضر دائماً وجود الآخرين حتى وإن كانوا مجهولين بالنسبة إليه.ولهذا اعتبر عالم الاجتماع الألماني نوربرت إلياس أن التحضر لا يتعلق فقط بالبنايات والشوارع العصرية…، بل أيضاً بتعلم الأفراد ضبط سلوكهم وأخذ حضور الآخرين بعين الاعتبار. فجوهر المجال العمومي هو الوعي الدائم بأننا لا نتحرك فيه بمفردنا، بل نتقاسمه مع عدد كبير من الأشخاص الذين لهم نفس الحقوق التي نطالب بها لأنفسنا. وبالتالي ، فيمكن القول أن تمثل المغاربة للمجال العمومي ما زال يتأرجح بين: منطق الجماعة والانتماء التقليدي؛ حيث يُنظر إلى المجال المشترك باعتباره امتداداً للعلاقات الاجتماعية المحلية ، ومنطق المواطنة الحديثة؛ حيث يُنظر إليه كملك عام يجب احترامه والمحافظة عليه واستعماله على قدم المساواة بين جميع المواطنين.

لذلك تظهر أحياناً ممارسات متناقضة داخل المجال العمومي المغربي: فهناك من يتعامل معه باعتباره ملكاً مشتركاً للجميع، وهناك من يتعامل معه باعتباره فضاءً قابلاً للاستحواذ أو التخصيص لفائدة جماعة أو فئة معينة، وهو ما يعكس استمرار التعايش بين قيم تقليدية وأخرى حديثة في المجتمع المغربي.لذلك قد يكون من الأدق الحديث في ثقافة تحرك المغاربة وتعاملهم مع المجال العمومي أن هناك توترا بين منطقين: منطق المجال المشترك الذي يقوم على الاعتراف بحق الجميع في الانتفاع المتساوي بالفضاء العام.ومنطق الاستحواذ الفردي أو الفئوي الذي يسعى إلى تعظيم المنفعة الخاصة ولو أدى ذلك إلى تقييد استعمال الآخرين للمجال. وهذا التوتر لا يقتصر على المغرب، لكنه يكتسب فيه بعض الخصوصيات المرتبطة بتاريخ التحضر، وأنماط التنشئة، وكيفية تدبير الفضاءات العمومية. كما ينسجم هذا التحليل مع خلاصات تقارير مؤسساتية، منها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، التي دعت إلى تعزيز السلوك المدني واحترام المجال العمومي باعتباره ملكًا جماعيًا، مع التشديد على أن تحسين السلوك المواطناتي مسؤولية مشتركة بين الأفراد والمؤسسات.

3-تنشئة المغاربة على التحرك في الفضاء العمومي

لم يخلص المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى أن المغاربة يفتقدون الحس المواطناتي بشكل مطلق، وإنما قدم تشخيصًا أكثر توازنًا. فقد أكد أن المغرب يمتلك رصيدًا مهمًا من قيم التضامن والتكافل والمسؤولية، يظهر بوضوح خلال الأزمات والكوارث، لكنه لاحظ في المقابل انتشار سلوكيات غير مدنية في الفضاءات العمومية تعكس ضعفًا في ترسيخ المواطنة في الحياة اليومية. وأبرز التقرير أن مظاهر هذا الضعف تتجلى في:

*عدم احترام نظافة الفضاءات العمومية ورمي النفايات.

*إتلاف أو تخريب الممتلكات والتجهيزات العمومية.

*ضعف احترام قواعد السير والمرور.

*انتشار بعض أشكال العنف اللفظي والجسدي والتحرش في الفضاءات العامة.

*ضعف احترام النظام المشترك واستعمال الفضاء العمومي باعتباره ملكًا عامًا يجب المحافظة عليه.

وقد ربط المجلس هذه السلوكيات بعدة عوامل، أهمها:

*قصور التربية على المواطنة داخل الأسرة والمدرسة.

*ضعف القدوة من طرف بعض المؤسسات والفاعلين العموميين والخواص.
*تفاوت جودة الخدمات العمومية، مما يضعف ثقة المواطن في المرفق العام.

*عدم التطبيق الصارم والمتساوي للقوانين المنظمة للفضاء العمومي.
ولمعالجة هذه الإشكالات، أوصى المجلس بإطلاق مشروع وطني متكامل للنهوض بالسلوك المدني يرتكز على ثلاثة محاور رئيسية:

*تعزيز التربية على المواطنة وترسيخ الإحساس بالمسؤولية منذ الطفولة.
*تكريس مبدأ القدوة الحسنة من قبل الإدارات والمنتخبين والمؤسسات العمومية والقطاع الخاص.

*التطبيق العادل والحازم للقوانين المتعلقة بحماية الفضاءات العمومية واحترامها.

وبذلك، فإن الخلاصة الأساسية للتقرير ليست أن المغاربة يفتقرون إلى الحس المواطناتي، وإنما أن هناك فجوة بين القيم التي يؤمن بها كثير من المواطنين وبين الممارسات اليومية في الفضاء العام، وأن تجاوز هذه الفجوة يتطلب عملاً تربويًا ومؤسساتيًا وقانونيًا متكاملاً، وليس الاكتفاء بتحميل المسؤولية للأفراد وحدهم. وبالتالي ، فإذا كان المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي قد نجح في إبراز أن السلوك المدني داخل المجال العمومي يشكل رهانًا تنمويًا، لكنه تبنى مقاربة مؤسساتية ذات طابع معياري وعملي أكثر من تبنيه تحليلًا سوسيولوجيًا أو تاريخيًا معمقًا لأسباب هذه السلوكيات.

ومن ثم، فإن تقريره يمثل مدخلًا مهمًا للنقاش العمومي، لكنه لا يغني عن الأبحاث المتخصصة في علم الاجتماع الحضري والأنثروبولوجيا والتاريخ الاجتماعي، التي تستطيع تقديم تفسير أعمق وأكثر تركيبًا لعلاقة المغاربة بالمجال العمومي. وفي انتظار إعداد مثل هذه الدراسات ينبغي بالأساس اقناع واقتناع صانع القرار الوطني أو الجهوي أو المحلي بضرورة الانكباب على فهم ومواكبة هذه السلوكات واعتبارها قضية محورية ينبغي التركيز عليها من خلال عقد اتفاقيات شراكة بين هذه السلطات ومختلف الجامعات والهيئات الاكاديمية المختصة لوضع دراسات سوسيولوجية وعلمية تراعي الخصوصيات الثقافية والمجالية والبشرية لكل جهة للاعتماد عليها لبلورة ضوابط ملزمة تحدد تحركات المغاربة في مجالاتهم المشتركة والعمومية وذلك من خلال وضع ميثاق للسلوك المدني بالمغرب . لكن يبقى أن نجاح تطبيقر مثل هذا الميثاق سيتوقف على طريقة صياغته وآليات تنفيذه. حيث يمكن التمييز بين مستويين: ميثاق وطني للسلوك المدني يصادق عليه البرلمان أو يعتمد بقانون ، و
قواعد تنظيمية محلية تضعها الجماعات الترابية والسلطات المختصة لتدبير الفضاءات العمومية.

أولًا- ميثاق وطني للسلوك المدني يتضمن مبادئ عامة مثل:

*احترام حق الآخرين في استعمال المجال العمومي.

*احترام الطوابير.

*المحافظة على النظافة والممتلكات العمومية.

*احترام الأرصفة وحقوق الراجلين.

*احترام الهدوء في بعض الفضاءات.

*عدم احتلال الملك العمومي دون ترخيص.

*احترام الأشخاص في الفضاء العام ومنع مختلف أشكال التحرش والإزعاج.
ولعل مثل هذا الميثاق قد تكون له قيمة تربوية ورمزية، خاصة إذا أُدرج في المناهج الدراسية، وربط بحملات تحسيسية وإعلامية يتم نشرها عن طريق القنوات التلفزية والاذاعية العامة والخاصة.

ثانيًا- الضوابط المحلية المكتوبة داخل الفضاءات العمومية التي يمكن أن تشمل :

* المقاهي من خلال تحديد المساحات المرخص باستغلالها ومنع احتلال الرصيف خارجها.

* المحلات التجارية من خلال منع عرض السلع خارج الحدود المسموح بها.
* الحدائق العمومية من خلال لوحات توضح قواعد الاستعمال.

* الشواطئ والمسابح العمومية والخاصة من خلال تحديد حقوق المصطافين وقواعد كراء المظلات والكراسي.

* الإدارات العمومية من خلال ارتداء اللباس المناسب قبل ولوج المصالح الإدارية إذ لا يعقل كما يرى حاليا ولوج أشخاص لعمالات أو مقاطعات أو ملحقات إدارية أو جماعات بسراويل قصيرة وصندلات خفيفة، و كذا احترام قواعد الطابور وعدم التدخين والمحافظة على النظافة.

* مواقف السيارات من خلال وضع بيان حقوق وواجبات المستعملين.
فوضع قواعد وضوابط مكتوبة يجعل الجميع على علم بالحقوق والواجبات، ويسهل تطبيق القانون بشكل متساوٍ.

لكن الميثاق أو الضوابط المكتوبة لا تكفي لوحدها ، فقد أظهرت تجارب دول عديدة أن إصدار المواثيق لا يغير السلوك تلقائيًا. فهو يحتاج إلى:

*تطبيق عادل للقانون دون استثناء.

*تصميم جيد للفضاءات العمومية يسهل احترام القواعد.

*تربية مدرسية مستمرة على المواطنة.

*قدوة من المسؤولين والمنتخبين والإدارات، إذ لا يعقل أن سيارات الشرطة تجد بعضها لا يحترم علامات المرور أو الإشارات الضوئية في الوقت الذي شوهدت سيارة الملك محمد السادس تتوقف أمام إشارة المرور في شوارع كبرى أثناء زياراته لبعض مدن المملكة. وقد كان حريا أن تلتقط هذه الصور لتوضع ، بعد الموافقة الملكية، في إشارات مرور كل شوارع المملكة وذلك للقدوة وأيضا لتحميس رجال الشرطة المكلفين بتنظيم السير والجولان بتطبيق القانون بشكل صارم وكيفما كان المخالف.

*حملات تواصلية منتظمة ومدروسة.

كما قد يكون من المفيد ألا يقتصر الأمر على “ميثاق للسلوك المدني”، بل أن يصاغ “ميثاق وطني لاستعمال المجال العمومي”، يحدد بصورة واضحة:
*حقوق المواطن في المجال العمومي و واجباته.

*حقوق ذوي الإعاقة، والراجلين، والأطفال، وكبار السن.

*التزامات الجماعات الترابية في توفير فضاءات نظيفة وآمنة.

*التزامات أصحاب المقاهي والمحلات التجارية تجاه الأرصفة والملك العمومي.
وبذلك يصبح الميثاق ليس مجرد مجموعة من الواجبات المفروضة على المواطن، بل عقدًا متبادلًا بين الدولة والجماعات الترابية والمواطنين، يقوم على التوازن بين الحقوق والواجبات. وهذا النهج يكون عادة أكثر فاعلية من الاقتصار على خطاب يركز على انضباط الأفراد وحدهم. كما أنه وفي إطار ترسيخ السلوك المدني واحترام والالتزام بضوابط التحرك في المجال العمومي بالمغرب ، ينبغي العمل على أن يشمل التشريع المغربي مخالفات مدنية من قبيل:

*تخريب أو تلويث الفضاءات العمومية.

*إتلاف الممتلكات الجماعية.

*احتلال الملك العمومي دون ترخيص في الحالات التي لا ترقى إلى جرائم جسيمة.

*رمي النفايات في غير الأماكن المخصصة.

*الكتابة أو الرسم على الجدران دون إذن.

وبدل الاقتصار على الغرامة أو الحبس، يمكن أن تكون العقوبة البديلة مرتبطة بطبيعة المخالفة، مثل:

*تنظيف الحدائق أو الشوارع أو الشواطئ لعدد معين من الساعات.
*المشاركة في صيانة المرافق العمومية.

*حضور دورات في التربية على المواطنة والسلوك المدني.

*المساهمة في حملات توعية تشرف عليها الجماعات الترابية أو جمعيات معتمدة.

ولعل هذا النوع من العقوبات قد يحقق غايتين: الزجر، لأن المخالف يتحمل تبعات فعله. والإصلاح، لأنه يربط العقوبة بالمصلحة العامة ويجعل المخالف يدرك قيمة الفضاء العمومي. لذلك، قد يكون من الأنسب اعتماد قانون للمخالفات المدنية في المجال العمومي، يحدد السلوكيات المخالفة والعقوبات المناسبة لها، مع إعطاء الأولوية للعقوبات البديلة ذات الطابع الإصلاحي والخدمة المجتمعية. وبهذا يصبح الهدف ليس فقط معاقبة المخالف، بل أيضًا ترسيخ ثقافة احترام المجال العمومي بطريقة تربوية وعملية.

وفي هذا السياق ، يمكن أن يشكل إحداث فرق متخصصة في حفظ النظام والانضباط في الفضاءات العمومية إحدى الآليات المساعدة على ترسيخ السلوك المدني، لكن فعالية هذه الآلية تتوقف على طبيعة مهامها، وإطارها القانوني، وطريقة اشتغالها ، واعتماد مقاربة تجمع بين التوجيه والإنفاذ. حيث من الممكن أن تتولى هذه الفرق مهام مثل:

*السهر على احترام استعمال الأرصفة والساحات والحدائق.

*ضبط احتلال الملك العمومي غير المشروع.

*مراقبة رمي النفايات في الأماكن العامة.

*المساهمة في تنظيم الطوابير في المرافق التي تعرف ازدحامًا بما فيها الملاعب التي تعرف مظاهر شغب وازدحام.

* توجيه المواطنين وإرشادهم قبل اللجوء إلى تحرير المخالفات.

*التنسيق مع الجماعات الترابية والشرطة الإدارية والسلطات المحلية.
غير أن نجاح هذه التجربة يقتضي عدة ضمانات: أساس قانوني واضح يحدد الاختصاصات بدقة، حتى لا يقع تداخل مع مهام الأمن الوطني أو القوات المساعدة أو الشرطة الإدارية. و التكوين في التواصل والوساطة واحترام حقوق المواطنين.و المساواة في تطبيق القانون دون انتقائية أو تمييز. والرقابة والمساءلة حتى لا تتحول السلطة التقديرية إلى تعسف. ففي تجارب مقارنة، نجد أشكالًا مختلفة من هذه الفرق: شرطة بلدية أو محلية تهتم بالنظام العام والمخالفات البسيطة.و مفتشو المجال العمومي التابعون للبلديات.أو فرق لمراقبة النظافة والبيئة والملك العمومي.وهذه الأجهزة لا تعتمد على العقاب وحده، بل تقوم أيضًا بدور وقائي وتوعوي. وبالتالي ، يكون من الأنسب في الحالة المغربية، التفكير في تعزيز الشرطة الإدارية الجماعية، ومنحها وسائل بشرية وتقنية أكبر، بدل إنشاء جهاز جديد بالكامل. كما يمكن أن تعمل بتنسيق مع السلطات المحلية والأمن الوطني وفق اختصاصات محددة. ولعل تجربة “شرطة النظافة” بالدار البيضاء تعد من أبرز المبادرات التي طُرحت في المغرب للانتقال من الاعتماد على حملات التحسيس فقط إلى الجمع بين التوعية والزجر.وحسب ما أعلنته جماعة الدار البيضاء، فإن المشروع يندرج ضمن الشرطة الإدارية الجماعية، وليس جهازًا أمنيًا جديدًا. وقد شرعت الجماعة، بتنسيق مع السلطات المختصة، في انتقاء عناصر خاصة وتكوينها، على أن يتم توزيعها على مقاطعات المدينة.فمن بين المهام المعلنة لهذه الفرق:

مراقبة المخالفات المتعلقة بالنظافة في الفضاءات العمومية. و معاينة رمي النفايات خارج الحاويات أو في غير الأوقات المحددة.وتحرير محاضر للمخالفات وفق القوانين الجاري بها العمل. و القيام بدور تحسيسي إلى جانب الدور الزجري.

و التنسيق مع السلطات المحلية وشركات تدبير النظافة.كما أشارت الجماعة إلى إمكانية فرض غرامات مالية على بعض المخالفات، وتحدث مسؤولون عن غرامة مبدئية في حدود 100 درهم لبعض الأفعال، مع التأكيد على أن التطبيق سيكون في إطار النصوص القانونية المنظمة. ومع ذلك، يمكن القول أن هذه التجربة ، التي لم تخرج بعد إلى حيز التطبيق ، قد كشفت عن نقطة أعمق، وهي أن النظافة ليست مجرد خدمة تقنية، بل هي أيضًا قضية سلوك مدني وحوكمة. فحتى مع وجود شركات كفؤة، قد تستمر المشاكل إذا لم تتغير بعض الممارسات اليومية أو إذا غابت المراقبة الفعالة.

وبالتالي ، فمن منظر أوسع قد يكون من الأجدى ألا يقتصر الأمر على “شرطة للنظافة”، بل أن يُنشأ جهاز أوسع يمكن تسميته شرطة النظام المدني أو شرطة المجال العمومي، تكون مهمته: مراقبة النظافة. وحماية الملك العمومي ، و ضبط احتلال الأرصفة ، و تنظيم استعمال الفضاءات العامة ، و السهر على احترام قواعد السلوك المدني.وبذلك تنتقل السياسة العمومية من معالجة نتيجة واحدة (النفايات) إلى حماية النظام المدني في المجال العمومي ككل، وهو ما قد يكون أكثر استدامة إذا كان مؤسسًا على إطار قانوني واضح، ومقترنًا بالتوعية وتحسين الخدمات وتطبيق القانون بصورة متساوية على الجميع.

4-المسابقات وتعزيز السلوك المدني

يشكل تنظيم مسابقات بين الساكنة بشأن نظافة الاحياء ترسيخا للسلوك المدني وكذا انتخاب المواطن النموذج سنويا .حيث يمكن أن تشكل مثل هذه المبادرات وسيلة فعالة لتعزيز السلوك المدني، وهي تدخل ضمن ما يسمى في السياسات العمومية بالحوافز الإيجابية Positive Incentives)) التي تشجع على السلوك المرغوب بدل الاقتصار على العقوبات.ففكرة تنظيم مسابقات بين الأحياء واختيار المواطن النموذجي لها مزايا عدة:

*تعزيز روح الانتماء إلى الحي أو الجماعة.

*تحويل المحافظة على النظافة من واجب قانوني إلى قيمة اجتماعية يفتخر بها السكان.

*تشجيع المنافسة الإيجابية بين الأحياء.

*إبراز نماذج يحتذي بها الآخرون، بدل الاقتصار على إبراز المخالفين.

*إشراك المجتمع المدني والمدارس والتجار في تحسين الفضاء العمومي.

لكن حتى تنجح هذه المبادرات، ينبغي أن تتوافر لها شروط، منها:

*معايير واضحة وشفافة للتقييم.

*لجان مستقلة تضم ممثلين عن الجماعة والمجتمع المدني وخبراء في البيئة.
*جوائز ذات قيمة رمزية ومادية مناسبة.

*تقييم دوري وليس موسميًا فقط.

*ربط المنافسة بتحسين الخدمات البلدية، حتى لا يُطلب من السكان المحافظة على النظافة في ظل غياب جمع منتظم للنفايات أو نقص التجهيزات.
كما يمكن تنظيم مباريات محلية أو وطنية ينتخب فيها “المواطن النموذجي” ويحتفل به كمواطن السنة . حيث تقوم فكرة هذه المباريات على معايير تشمل سلوكيات مدنية متنوعة، مثل:

*احترام الفضاء العمومي.

*التطوع لخدمة الحي.

*احترام القانون.

*المساهمة في المبادرات البيئية.

*مساعدة الفئات الهشة.

*المحافظة على الممتلكات العمومية.

وربما يكون من الأنسب توسيع الفكرة لتشمل أيضًا:
*الحي النموذجي.

*المدرسة المواطنة.

*المقهى المواطن الذي يحترم الرصيف والنظافة والهدوء.

*المحل التجاري المواطن الذي لا يحتل الملك العمومي.

*الجماعة الأكثر نظافة واحترامًا للفضاء العمومي.

وتجدر الإشارة إلى أن مدنًا في دول مختلفة اعتمدت مسابقات من هذا النوع، سواء تحت عنوان “أنظف مدينة” أو “الحي الأخضر” أو “المدينة المزهرة”، وحققت نتائج إيجابية عندما اقترنت بتحسين الخدمات العمومية، والتوعية، والمتابعة المستمرة. وبالتالي ، يمكن أن تندرج هذه المبادرات في حالة المغرب ضمن سياسة وطنية لترسيخ المواطنة والسلوك المدني، بحيث تجمع بين ثلاثة عناصر متكاملة: التحفيز (المسابقات والجوائز والتكريم). و التربية (المدرسة والإعلام والجمعيات).و الزجر (تطبيق القانون على المخالفات الجسيمة).وهذا التوازن بين التشجيع والمساءلة يكون عادة أكثر فاعلية من الاعتماد على أحدهما دون الآخر.

كما يمكن توسيع هذه الفكرة لتشمل مجال السياقة وحوادث السير .فأمام النزيف السنوي الذي يعانيه المغرب جراء حرب الطرق وفي إطار الوقاية من حوادث السير، يمكن تخصيص جائزة للسائق المثالي .وهي فكرة تنسجم مع ما يسمى في علوم السلوك والسياسات العامة بـ التحفيز الإيجابي، أي مكافأة السلوك الجيد بدل الاقتصار على معاقبة السلوك المخالف.ففي المغرب، تعتمد سياسة السلامة الطرقية بدرجة كبيرة على: المراقبة والرادارات.و الغرامات وسحب النقط.و حملات التحسيس.أما تكريم السائقين الملتزمين فهو جانب أقل حضورًا، رغم أنه قد يساهم في تغيير الثقافة المرورية. وهكذا يمكن أن تتبنى هذه المبادرة جهات مختلفة، منها: شركات التأمين ، و الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية (نارسا) ، والاتحاد المهني لشركات التأمين ، و الجماعات الترابية، و الجمعيات العاملة في مجال السلامة الطرقية. حيث يمكن أن تقوم الفكرة على مؤشرات موضوعية، مثل:عدد سنوات القيادة دون حوادث أو مخالفات، و احترام قانون السير، و المشاركة في حملات التوعية ، حسن التعامل مع مستعملي الطريق.وقد تكون الجائزة:تخفيضًا في قسط التأمين، و شهادة تقديرية وطنية، ، وسام أو جائزة سنوية ، وتغطية إعلامية لتقديم السائق كنموذج يحتذى به.لكن نجاح هذه المبادرة يتطلب معالجة بعض التحديات، منها:وضع معايير دقيقة وشفافة للاختيار، و عدم الاقتصار على سائقي السيارات الخاصة، بل إشراك سائقي سيارات الأجرة، والحافلات، والشاحنات، والدراجات النارية. وكذا الاستناد إلى بيانات موثوقة، مثل سجل الحوادث والمخالفات، مع احترام قواعد حماية المعطيات الشخصية.وبالتالي ، تجدر الإشارة إلى أن بعض شركات التأمين في دول مختلفة تعتمد بالفعل أنظمة “المكافأة على القيادة الآمنة”، حيث يحصل السائق الذي لا يتسبب في حوادث أو يقود بطريقة آمنة على تخفيضات في أقساط التأمين أو مزايا إضافية. غير أن تحويل ذلك إلى احتفاء مجتمعي سنوي يضيف بعدًا رمزيًا يمكن أن يعزز ثقافة احترام القانون.لذلك، يمكن اقتراح برنامج وطني تحت شعار مثل “السائق المواطن” أو “السائق المثالي”، بحيث لا يكون مجرد حفل لتوزيع الجوائز، بل جزءًا من استراتيجية أوسع للسلامة الطرقية تجمع بين: الزجر للمخالفات الخطيرة، التحفيز للسلوك الإيجابي، و التربية على احترام قانون السير، والتواصل لإبراز النماذج الإيجابية. ففي كثير من الأحيان، لا يتغير السلوك فقط بالخوف من العقوبة، بل أيضًا بالرغبة في الحصول على الاعتراف الاجتماعي والتقدير.

وعموما ، فيمكن اعتبار هذا المقترح جزءًا من منظور شمولي لتعزيز السلوك المدني في المغرب، بل إنه يعكس انتقالًا من مقاربة قطاعية إلى مقاربة مجتمعية.فالسلوك المدني لا يقتصر على احترام النظافة أو قانون السير، بل يشمل مختلف أنماط التعامل مع المجال العام والمؤسسات والآخرين. ومن هذا المنطلق، فإن مختلف المبادرات السالفة الذكر (ميثاق للسلوك المدني، مسابقات نظافة الأحياء، المواطن النموذجي، شرطة النظام، تكريم السائق المثالي…) يمكن أن تُفهم باعتبارها مكونات سياسة عمومية متكاملة.وقد تقوم هذه السياسة على خمسة محاور مترابطة:

1-التربية والتنشئة من خلال إدماج التربية على المواطنة في المدرسة و إشراك الأسرة والإعلام والجمعيات.

2-التحفيز من خلال منح جائزة المواطن النموذجي. و الحي الأنظف.والمدرسة المواطنة. والسائق المثالي. والتاجر أو المقهى النموذجي.

3-الزجر وإنفاذ القانون من خلال تفعيل الشرطة الإدارية. والعقوبات البديلة للمخالفات المدنية. و تطبيق القانون على الجميع دون استثناء.
4-تحسين الفضاءات والخدمات من خلال توفير حاويات النفايات ،و صيانة الأرصفة والحدائق ، و تنظيم الملك العمومي ، و تسهيل احترام القانون من خلال تصميم حضري جيد.

5-التقييم والمتابعة من خلال وضع مؤشرات لقياس تطور السلوك المدني. وإعداد تقارير دورية. و تنظيم مسابقات وطنية بين الجماعات الترابية.
ومن الناحية الفكرية، فإن هذه المقاربة تنطلق من فكرة أن السلوك المدني ليس مسؤولية المواطن وحده، بل هو نتيجة تفاعل بين:التربية. و القانون.و المؤسسات.و جودة الخدمات.و الحوافز.والثقافة الاجتماعية.

لذلك فإن الاقتصار على الخطاب الأخلاقي (“يجب أن يكون المواطن منضبطًا”) لا يكفي، كما أن الاعتماد على العقوبات وحدها لا يكفي أيضًا. وفي الحالة المغربية، يمكن تصور استراتيجية وطنية للسلوك المدني تشارك فيها وزارات الداخلية، والتربية الوطنية، والعدل، والنقل، والثقافة، والوكالة الوطنية للسلامة الطرقية، والجماعات الترابية، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص (ومنه شركات التأمين). وتكون لها أهداف قابلة للقياس، مثل: خفض رمي النفايات في الفضاء العام. و تقليص احتلال الملك العمومي.و تحسين احترام قانون السير.و تعزيز احترام الطوابير والمرافق العامة. و الرفع من مؤشرات الثقة والمسؤولية تجاه الممتلكات العمومية.

وبذلك لا يعود السلوك المدني موضوعًا هامشيًا، بل يصبح سياسة عمومية أفقية تتقاطع مع التنمية، والصحة، والبيئة، والأمن، والسياحة، وجودة الحياة، تمامًا كما أصبحت السلامة الطرقية أو حماية البيئة سياسات وطنية قائمة بذاتها.

من هنا يثار تساؤل عريض حول ميل الأحزاب بالمغرب إلى التركيز في برامجها على التشغيل، والدخل، والصحة، والتعليم، والسكن، لأنها قضايا ذات عائد انتخابي مباشر الناخب أكثر إلحاحًا. في حين تتغافل عن التركيز على تطوير وتعزيز السلوك المدني الذي يُنظر إليه أحيانًا على أنه قضية ثقافية طويلة الأمد، ولا يترجم سريعًا إلى مكاسب انتخابية. فكثير من البرامج الحزبية تتضمن عبارات مثل “تعزيز المواطنة”، و”ترسيخ قيم المسؤولية”، و”التربية على احترام القانون”، لكنها غالبًا ما تبقى شعارات عامة أكثر منها سياسات مفصلة تتضمن أدوات تنفيذ، ومؤشرات للقياس، وآليات للتقييم. لأولوية للقضايا.؟؟؟ وألا يشكل ذلك عجزا من تحول الأحزاب من أحزاب وطنية إلى أحزاب مواطنة؟؟؟

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

خلافات حول التزكيات .. اتحاديو أيت ملول يتمسكون باستقلالية القرار الحزبي

16 يوليو 2026 - 12:00 ص

أعرب مكتب فرع حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بمدينة أيت ملول عن رفضه لما اعتبره تدخلا من أحد المنتخبين المنتمين

المفتش الإقليمي لحزب الاستقلال بالداخلة يلتحق بحزب الأصالة والمعاصرة

15 يوليو 2026 - 9:20 م

اعلن أحمد نافع المفتش الإقليمي لحزب الاستقلال بالداخلة التحاقه رسميا بحزب الأصالة والمعاصرة مؤكدا استقالته من كافة الأجهزة التنظيمية لحزب الميزان.

المغرب يوقع اتفاق المشاركة في قوة الاستقرار الدولية بغزة

15 يوليو 2026 - 6:09 م

تنفيذا للتعليمات السامية للملك، القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، ورئيس لجنة القدس، استقبل وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، والوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بإدارة الدفاع الوطني، عبد اللطيف لوديي، بحضور الفريق أول، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية، والفريق أول، قائد الدرك الملكي، اليوم الأربعاء بمقر هذه الإدارة، الممثل السامي لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ملادينوف، الذي يقود وفدا رفيع المستوى يضم مسؤولين من هذا المجلس وقائد قوة الاستقرار الدولية في غزة.

“لبؤات التايكواندو” يتوجن بذهبية كأس العالم للفرق بكوريا الجنوبية

15 يوليو 2026 - 6:00 م

بصم المنتخب الوطني المغربي النسوي للتايكواندو على إنجاز رياضي غير مسبوق، عقب تتويجه بالميدالية الذهبية لكأس العالم للفرق لأول مرة في تاريخه، وذلك ضمن منافسات البطولة العالمية المقامة بمدينة تشونشون الكورية الجنوبية في الفترة الممتدة ما بين 11 و16 يوليوز الجاري.

“اليسار الجديد المتجدد” يطلق نقاشا وطنيا لإعادة بناء اليسار المغربي

15 يوليو 2026 - 5:51 م

أعلنت التنسيقية الوطنية لتيار “اليسار الجديد المتجدد” (N.G.R – Maroc) عن تنظيم ندوة وطنية عمومية تحت عنوان “سؤال اليسار بالمغرب، بين ضرورة التجديد وآفاق إعادة البناء”، وذلك يوم السبت فاتح غشت 2026، على الساعة الثالثة مساءً بمدينة الرباط في قاعة سيتم الإعلان عنها لاحقا.

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°