عاد ملف تسقيف أسعار المحروقات إلى واجهة النقاش في المغرب بالتزامن مع تراجع أسعار النفط في الأسواق العالمية، حيث تجددت المطالب بتدخل الدولة لحماية القدرة الشرائية للمواطنين، في مقابل دعوات إلى الحفاظ على توازنات السوق وتفادي أي إجراءات قد تؤثر على الاستثمار أو استقرار التموين.
ويستمر ارتباط أسعار المحروقات بالمغرب بالتقلبات الدولية، نتيجة اعتماد المملكة على استيراد المشتقات النفطية في غياب مصفاة وطنية للتكرير، ما يجعل أي تغير في أسعار النفط العالمية ينعكس بدرجات متفاوتة على الأسعار بمحطات الوقود.
تقلبات الأسواق العالمية تنعكس على الأسعار المحلية
يرى الحسين اليماني، الكاتب الوطني للنقابة الوطنية للبترول والغاز، أن التراجع الأخير في أسعار المحروقات يعود إلى انخفاض أسعار النفط الخام والمشتقات المكررة بعد تراجع حدة التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، خاصة مع انحسار المخاوف المرتبطة بحركة الملاحة في مضيق هرمز.
وأوضح اليماني في تصريح لـ”الشعاع الجديد”، أن هذا الانخفاض يظل مرتبطا بالظروف الدولية، وقد يتغير في حال تجدد التوترات.
وأشار إلى أن السعر النهائي للمحروقات في المغرب لا يعتمد فقط على سعر برميل النفط، بل يتأثر أيضا بتكاليف التكرير والنقل والضرائب وهوامش أرباح شركات التوزيع.
من جانبه، أكد الخبير الاقتصادي الدكتور محسن الجعفري أن أسواق الطاقة أصبحت شديدة التأثر بالأحداث الجيوسياسية وبالتغيرات في مستويات العرض والطلب العالمي.
وأوضح في حديث مع الجريدة، أن السوق المغربية تعرف ما يسمى بظاهرة “الصاروخ والريشة”، حيث ترتفع الأسعار بسرعة عند صعود النفط، بينما يكون تراجعها أبطأ عند انخفاضه، ما يثير تساؤلات متكررة حول آليات التسعير وهوامش الربح.
مطالب بتسقيف الأسعار لحماية القدرة الشرائية
وتدعو لجنة المبادرة الوطنية لتسقيف أسعار المحروقات إلى اعتماد سقف قانوني للأسعار باعتباره إجراء يحد من تأثير تقلبات السوق على الأسر المغربية.
وقال منسق اللجنة عبد العاطي اربيعة إن المبادرة تستند إلى المقتضيات الدستورية والقانونية المتعلقة بالعرائض، معتبرا أن قانون حرية الأسعار والمنافسة يمنح الحكومة إمكانية التدخل في ظروف استثنائية لتنظيم أسعار المواد الأساسية.
وأضاف أن مطالب اللجنة لا تقتصر على تسقيف الأسعار، بل تشمل أيضا اعتماد الضريبة المتحركة، وفرض مساهمة تضامنية على الأرباح الاستثنائية التي تحققها شركات توزيع المحروقات خلال فترات الأزمات، إلى جانب إعادة تشغيل مصفاة “سامير” لتعزيز الأمن الطاقي وتقليص تكاليف الاستيراد والتكرير.
وأشار إلى أن اللجنة شرعت في جمع التوقيعات الورقية بعد تعذر إيداع العريضة عبر المنصة الإلكترونية الخاصة بالمشاركة المواطنة، مؤكداً استمرار المبادرة إلى حين عرض مطالبها على الحكومة.
النقابة تدعو إلى مراجعة شاملة لمنظومة التسعير
ورغم تأييده لتدخل الدولة، يميز الحسين اليماني بين تسقيف الأسعار ووضع سعر أقصى يراعي القدرة الشرائية للمواطنين والمقاولات.
ويرى أن المطلوب هو اعتماد آليات تضمن انسجام أسعار المحروقات مع مستوى الدخل، من خلال أدوات مالية مثل الضريبة المتحركة، وإقرار دعم مؤقت خلال فترات الارتفاعات الاستثنائية، إلى جانب مراجعة الإطار القانوني المنظم للقطاع.
كما دعا إلى تحديث التشريعات المؤطرة لسوق المحروقات، بما يشمل تدبير المخزون الاستراتيجي وآليات تنظيم الأسعار، معتبرا أن استمرار الأسعار عند مستويات مرتفعة ينعكس مباشرة على تكاليف النقل والإنتاج وأسعار السلع والخدمات.
خبراء يحذرون من تداعيات التسقيف على السوق
من جانبه، يرى الدكتور محسن الجعفري أن تسقيف الأسعار قد يكون وسيلة فعالة للتخفيف من الضغوط الاجتماعية على المدى القصير، لكنه قد يحد من هوامش أرباح الشركات ويؤثر على الاستثمار واستمرارية التموين إذا أصبحت الأسعار المحددة أقل من الكلفة الاقتصادية.
وأضاف أن تطبيق هذا الخيار قد يتطلب دعما ماليا أو إعفاءات ضريبية تتحملها الدولة، بما قد ينعكس على الميزانية العامة والتوازنات المالية.
واقترح الجعفري بدائل تشمل مراجعة النظام الضريبي المطبق على المحروقات، وتعزيز الرقابة على المنافسة، وتوجيه الدعم إلى الفئات الأكثر هشاشة، إضافة إلى الاستثمار في النقل العمومي، وتشجيع الطاقات المتجددة، وتطوير قدرات وطنية للتكرير وتكوين مخزون استراتيجي يدعم الأمن الطاقي.





تعليقات الزوار ( 0 )