قد يظن المرء، للوهلة الأولى، أن ما أعلنه رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار هو موقف نابع من رغبة في رسم صورة مشرقة للديمقراطية الداخلية والتناوب الحزبي، ومنح فرصة لمناضلي الحزب من أجل القيادة وضخ دماء جديدة داخل مكوّن حزبي ارتبط صعوده بشكل شبه كلي باسم عزيز أخنوش. غير أن المثل الفرنسي القائل إن “الشيطان يكمن في التفاصيل” يبدو حاضراً بقوة في هذه الحالة.
صدمة الانسحاب غير المتوقع
من يتابع الدينامية التواصلية للحزب ومسار “الإنجازات” التي حاول تسويقها عبر جولات ميدانية شملت مختلف جهات المغرب، من جنوبه إلى شماله ومن شرقه إلى غربه، وما تطلبه ذلك من كلفة لوجستية وتنظيمية كبيرة، تشمل حجوزات للإعلاميين وتعبئة للمناضلين وغيرهم ممن حضروا تلك اللقاءات، سواء لسماع خطاب رئيس الحزب أو للاستفادة من “وليمة” اللقاء، لم يكن ليتوقع هذا القرار المفاجئ. بل إن بعض أعضاء الحزب أنفسهم فوجئوا به، وربما خلّف صدمة حتى داخل القيادة والصف الأول، وهو ما يجعل التساؤل مشروعاً ويفتح الباب أمام فرضيات متعددة.
هل هي تقنية في التسويق السياسي؟
هل نحن أمام تقنية في “الماركوتينغ السياسي” تهدف إلى جعل الحزب في صدارة المشهد والنقاش العمومي؟
من يعرف عزيز أخنوش يدرك أنه رجل أعمال ماهر، وأن مساره السياسي لم يكن يوماً مرتبطاً بقناعات فكرية راسخة أو تموقع إيديولوجي واضح، بقدر ما كان مرتبطاً بمنطق “الخدمة تحت الطلب”. فقد جاء أخنوش إلى قيادة الحزب بمظلة تجاوزت حتى النظام الأساسي، وهو الذي لم يكن عضواً لا في الحزب ولا في مجلسه الوطني، ليترشح ويصعد إلى القيادة متجاوزاً كل تلك الشكليات القانونية.
وكانت مهمته الأساسية آنذاك ما عُرف بـ”البلوكاج”، وقد نجح فيها بعد ستة أشهر من تعطيل تشكيل الحكومة، ما أدى إلى إعفاء رئيس الحكومة المعيّن آنذاك وتعويضه بالدكتور سعد الدين العثماني في حكومة “البيجيدي” الثانية.
وقد يكون هذا الخروج محاولة لإعادة التموضع، أو تعبيراً عن غضب سياسي في ظل مؤشرات عديدة تفيد بأن عزيز أخنوش لن يكون رئيسا للحكومة لولاية ثانية، وهو ما يفرضه منطق الزمن السياسي في المغرب. كما أن “بطاقة” أخنوش أصبحت مستهلكة لدى الرأي العام، في ظل تراكم وضع اجتماعي واقتصادي لا يعكس طموحات المواطنين، ولا حتى تطلعات الملك الذي عبّر صراحة عن رفضه لمغرب يسير بسرعتين: سرعة فئة مستفيدة من الريع والامتيازات والصفقات وتضارب المصالح، وسرعة فئة أخرى تعاني الفقر والهشاشة وارتفاع معدلات البطالة.
فهل يحاول أخنوش، من خلال هذا الإعلان، تسويق نفسه في صورة “سوبرمان السياسة” أو الرجل المنقذ، كما فعل سابقا غريمه عبد الإله بنكيران؟
خروج أخنوش هزيمة انتخابية سابقة لأوانها
إن القرار الذي اتخذه أخنوش، وإن كانت جديته محل شك بالنظر إلى مساره السياسي المتقلب، فإن ترجمته الفعلية خلال مؤتمر فبراير، في حال تم تعويضه فعلاً، ستُعد اعترافاً بالفشل وهروباً من المحاسبة. كما سيكون لذلك أثر مباشر على التموضع الانتخابي للحزب، وقد يدفع بـ”محترفي الانتخابات” إلى الهجرة نحو أحزاب وألوان سياسية أخرى.
ولا يبدو أن من سيخلفه سيكون من عيار مولاي حفيظ العلمي، لأن كلفة خلافة أخنوش داخل الحزب ستكون ثقيلة ومكلفة سياسياً وتنظيمياً. وإذا كان أخنوش يسعى من خلال هذا الخروج المبكر إلى تفادي كلفة تدبير المرحلة الحكومية الحالية، فلا يبدو أن خليفته سيجني ما جناه هو، ولا أنه سيكون قادراً على حشد الإمكانيات نفسها، إلا إذا اقتصر دوره على لعب دور “الكومبارس” أو القائد المُدار من خلف الستار.
إن المستفيد الأكبر من هذا الانزواء السياسي المحتمل لعزيز أخنوش هما حليفاه في الأغلبية الحكومية الحالية، في حين يبقى المتضرر الأكبر هم جوقة المطبّلين خلال السنوات الخمس الماضية، سواء داخل الحزب أو في حقل الصحافة والإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي. وهؤلاء ينطبق عليهم فعلاً وصف “أيتام مرحلة عزيز أخنوش”.




تعليقات الزوار ( 0 )