بات الفلاح القروي البسيط يقتحم سوق المواشي متسلحا بهاتف ذكي بدل العصا التي يهش بها على غنمه، حيث صار بمقدوره تحديد أسعار قطيعه قبل نزوله من الشاحنة.
يستمد هذا المربي أرقامه مباشرة من تصفح شبكة فيسبوك التي تحولت إلى بورصة عشوائية تتحكم في العرض والطلب الاستهلاكي.
ويفرض هذا الوافد الرقمي تسعيرة مسبقة لا تخضع لمنطق السوق الفعلي وتتجاهل القدرة الشرائية للمواطن البسيط المنهك بموجات الغلاء.
تلتقط الخوارزميات الرقمية هوس المغاربة الموسمي بالبحث عن أضاحي العيد وتتعرف بدقة على نوعية الفيديوهات المستهلكة بكثافة وتفاصيلها الدقيقة.
وتغرق هذه البرمجيات الذكية شاشات المستخدمين بمقاطع تركز على سلالة الصردي وتستعرض أحجاما ضخمة بأسعار خيالية تتجاوز المنطق التجاري.
ليكرس هذا الضخ الممنهج صورة مغلوطة توحي بارتفاع شامل في الأسعار وندرة مفتعلة في السلع المعروضة داخل الأسواق الأسبوعية.
يتداول المستخدمون بكثافة منشورات تظهر أكباشا ضخمة مرفقة بتعليقات تحدد الثمن في ثمانية آلاف درهم للرأس الواحد كحد أدنى غير قابل للتفاوض.
وتنتشر مقاطع فيديو لوسطاء يتجولون داخل ضيعات فلاحية ويسوقون لخطاب الندرة وارتفاع تكلفة الأعلاف لتبرير الزيادات القادمة.
وترفع هذه المواد البصرية سقف التوقعات وتدفع مربي الماشية الصغار إلى التشبث بأسعار مرتفعة تيمنا بما يشاهدونه يوميا على شاشاتهم.
تنشط آلاف الحسابات الوهمية بشكل مكثف خلال الأسابيع التي تسبق المناسبات الدينية لضمان استمرار حالة الهلع الشرائي بين المواطنين.
وتتعمد هذه الشبكات الافتراضية نشر صور قديمة لأسواق مكتظة وتصريحات مختلقة حول نفاذ القطيع الوطني من الضيعات الكبرى المعدة للتسمين.
ويساهم التضليل الممنهج في خلق أزمة مصطنعة تخدم مصالح كبار المضاربين وتمنحهم غطاء تسويقيا لتمرير زيادات صاروخية في الأسعار.
يلعب تطبيق فيسبوك دور أكبر فراقشي في العصر الحديث عبر سرقة جيوب المستهلكين بأساليب التلاعب النفسي وتوجيه الرأي العام بدل السطو المباشر.
ولا يقتصر هذا السطو الرقمي على موسم الأضاحي بل يتمدد ليشمل مواسم جني الزيتون وتسويق زيوته بأسعار مضاعفة بناء على إشاعات الجفاف.
ليتحول التطبيق مع كل مناسبة استهلاكية إلى سوق مفتوحة تنفخ في أثمنة المواد الأساسية وتستنزف ميزانيات الأسر بشكل مستمر ومدروس.
يؤدي المواطن فاتورة الفوضى الرقمية نقدا داخل أسواق تفقد توازنها وتخضع لتوجيهات منصات تواصل تسعى لزيادة التفاعل والربح الإعلاني.
وتتغول البورصات الافتراضية مستغلة غياب الرقابة الميدانية الصارمة على تداول المنتجات الفلاحية وتحديد أسعار المواد الحيوية بعيدا عن المضاربة.
ويستوجب العبث الرقمي تدخلا حازما لضبط الوسطاء وتقنين التسويق الإلكتروني لحماية المستهلك من سطوة شبكات التضليل الافتراضي.


تعليقات الزوار ( 0 )