رغم محدودية التساقطات المطرية، التي لا تتجاوز بضع مرات في السنة، تشهد المناطق الجبلية الواقعة بين الصحراء الكبرى والمحيط الأطلسي مرور سحب ضبابية كثيفة في ساعات الصباح الأولى، سرعان ما تتلاشى مع شروق الشمس. هذا التناقض الصارخ بين وفرة الرطوبة في الجو وندرة الماء على الأرض شكّل الشرارة الأولى لفكرة المشروع.
وبعد نحو سنة ونصف من البحث والتجريب، طوّر الفريق نظاماً يعتمد على شبكة ثلاثية الأبعاد مصنوعة من البولي إيثيلين، أطلق عليها اسم “Cloud Fisher”، قادرة على التقاط قطرات الضباب وتجميعها بشكل طبيعي، دون الحاجة إلى طاقة كهربائية أو معدات معقدة.
تقنية بسيطة وأثر ملموس
على جبل “بوت مسكيدة”، جرى تثبيت 31 وحدة لجمع الضباب، تغطي مساحة تقارب 1700 متر مربع. وتقوم هذه الوحدات على مبدأ فيزيائي بسيط، إذ تدفع الرياح كتل الضباب نحو الشبكات، حيث تتكاثف القطرات الدقيقة داخل مسارات مجهرية، ثم تنساب بفعل الجاذبية إلى خزانات مخصصة.
وفي فترات الضباب الكثيف، يستطيع النظام إنتاج ما يصل إلى 36 ألف لتر من المياه يومياً، أي نحو 22 لتراً لكل متر مربع من الشبكة، وهي كمية كافية لتأمين الاحتياجات الأساسية لعدد من القرى المجاورة.
وقبل تنفيذ المشروع، كان الحصول على الماء يتطلب ساعات من المشي عبر مسالك جبلية صعبة، وغالبا من مصادر مالحة تضر بالصحة وتتسبب في تلف التجهيزات. اليوم، بات الماء يصل إلى المنازل خلال دقائق، ما انعكس إيجاباً على صحة السكان، وانتظام التلاميذ في الدراسة، وتحسن شروط النظافة العامة.
كما ساهم توفر المياه في ظهور حدائق منزلية صغيرة، بعدما كان استعمال الماء لأغراض زراعية أمراً شبه مستحيل. وأكدت مصادر صحية محلية تسجيل انخفاض ملحوظ في الأمراض المرتبطة بالمياه الملوثة.
استدامة قائمة على إشراك السكان
يعتمد المشروع على نموذج تسيير تشاركي، حيث يساهم السكان برسوم رمزية لا تتجاوز جزءاً من يورو واحد لكل ألف لتر من الماء، تُخصص لتغطية الصيانة وضمان الاستمرارية، مع ترسيخ ثقافة ترشيد الاستهلاك بدل الاعتماد على المساعدات الظرفية.
وقد جرى تكوين السكان في صيانة الشبكات وإصلاح الأعطاب البسيطة، ما عزز اندماج المشروع في النسيج المحلي، وحوّله إلى مرفق جماعي يخدم ما بين 12 و16 قرية، إضافة إلى مدرسة محلية وقطعان الماشية.
لا يقتصر أثر “Cloud Fisher” على توفير الماء فقط، بل يمتد إلى إعادة ترتيب أولويات الحياة اليومية. فحين يتحرر المجتمع من هاجس البحث عن الماء، تتفتح أمامه إمكانيات جديدة للتعليم والعمل وتحسين شروط العيش.
وتبرز هذه التجربة المغربية كيف يمكن لحلول علمية بسيطة، تحترم الخصوصيات البيئية والاجتماعية، أن تُحدث تحولا عميقا في حياة مجتمعات ظلت لعقود على هامش الموارد الأساسية، وتقدم نموذجاً قابلاً للتطبيق في مناطق جافة أخرى حول العالم.



تعليقات الزوار ( 0 )