تشهد المملكة المغربية خلال الأسبوع الجاري انطلاق واحدة من أضخم التمارين العسكرية متعددة الجنسيات في القارة الإفريقية، وهي مناورات African Lion 2026، التي تنظم بشراكة بين القوات المسلحة المغربية ونظيرتها الأمريكية، بمشاركة واسعة لقوات من أكثر من 20 دولة، وبعدد إجمالي يفوق 10 آلاف عسكري.
وتأتي نسخة هذه السنة، وهي النسخة الثانية والعشرون منذ إطلاق هذه المناورات سنة 2004، في سياق يوصف بـ”التحول النوعي” في طبيعة التعاون الدفاعي بين واشنطن والرباط، خاصة مع إدماج تقنيات متقدمة مثل الطائرات المسيّرة وأنظمة الاتصالات المشفرة والذكاء الاصطناعي في التدريبات العسكرية.
وتؤكد المعطيات الميدانية والتقارير العسكرية أن المغرب بات يشكل نقطة ارتكاز أساسية في الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية في شمال وغرب إفريقيا، خصوصا في ظل تنامي التحديات الأمنية في منطقة الساحل وامتداد تأثيرها نحو السواحل الأطلسية.
وتجري مناورات هذه السنة في عدد من المواقع العسكرية المغربية، من بينها: أكادير، طانطان، تارودانت، القنيطرة وبنكرير، وهو ما يعكس تنوع الجغرافيا العملياتية المعتمدة في التمرين، مع تركيز خاص على اختبار الجاهزية في البيئات الصحراوية والساحلية.
وتركز النسخة الحالية من “الأسد الإفريقي” بشكل غير مسبوق على توظيف التكنولوجيا العسكرية الحديثة، حيث سيتم تدريب القوات المشاركة على استخدام الطائرات المسيّرة (Drones)، وأنظمة الاتصالات الآمنة، وتقنيات الذكاء الاصطناعي الموجهة للأغراض الدفاعية.
كما تم الإعلان عن إطلاق برنامج تكوين عسكري لفائدة ضباط من دول إفريقية متعددة، يهدف إلى تعزيز قدراتهم في التعامل مع التهديدات غير التقليدية، خصوصا تلك المرتبطة بالحروب غير المتكافئة والتنظيمات المسلحة في منطقة الساحل.
وقبل انطلاق المناورات، وقّعت الرباط وواشنطن “خارطة طريق للتعاون الدفاعي” تمتد من 2026 إلى 2036، وتضع ضمن أولوياتها تحديث القوات المسلحة المغربية وتعزيز قدراتها التكنولوجية.
ويشار إلى أن المغرب أصبح من أكبر مستوردي العتاد العسكري الأمريكي في القارة الإفريقية، كما عزز شراكاته الدفاعية مع عدة دول، من بينها إسرائيل، في إطار سياسة تنويع مصادر التسليح وتطوير القدرات الدفاعية.
ومن أبرز مخرجات التعاون الجديد، تحويل المغرب إلى منصة إقليمية لتدريب العسكريين الأفارقة على تقنيات الطائرات المسيّرة، حيث سيستضيف مركزًا متخصصًا في هذا المجال، يشرف عليه خبراء من الولايات المتحدة وشركاء دوليين.
ويرتبط هذا التطور بالتحول العالمي في طبيعة الحروب الحديثة، حيث أصبحت الطائرات المسيّرة والأنظمة الذكية عنصرا حاسما في العمليات العسكرية والاستخباراتية.
وتحمل هذه المناورات، بحسب مراقبين، أبعادا تتجاوز الطابع التدريبي البحت، إذ تعكس إعادة تشكيل ميزان التعاون الأمني في المنطقة، وتعزيز حضور الولايات المتحدة وحلفائها في محيط استراتيجي حساس يضم شمال إفريقيا والواجهة الأطلسية.
كما تبرز أهمية المغرب ضمن منظومة الأمن الإقليمي المرتبطة بحلف شمال الأطلسي، في ظل تصاعد التحديات المرتبطة بالإرهاب العابر للحدود، والهجرة غير النظامية، وتنامي استخدام التكنولوجيا في النزاعات المسلحة.
وتعرف المنطقة الإفريقية تحولات أمنية متسارعة، ما يجعل من “الأسد الإفريقي” منصة اختبار حقيقية لتحديث العقائد العسكرية وتطوير آليات التنسيق بين الجيوش المشاركة، خاصة في ما يتعلق بتبادل المعلومات والاتصالات الميدانية المؤمنة.
وترسخ نسخة 2026 من هذه المناورات موقعها كأكبر تمرين عسكري في إفريقيا، وكإحدى أهم أدوات إعادة تشكيل التعاون الدفاعي بين الولايات المتحدة وشركائها في القارة.



تعليقات الزوار ( 0 )