أخبار ساعة

21:49 - أزيد من 34 ألف مغربي يؤدون مناسك الحج والتكلفة تشهد انخفاضا21:42 - حقوقيون يطالبون بحماية المواطنين من خطر “الكلاب الشرسة” بشواطئ الدار البيضاء20:36 - تأجيل ترحيل سوق “لافيراي السالمية” بالبيضاء إلى حين جاهزية بديل مديونة20:30 - احتجاجات مرتقبة للمتقاعدين للمطالبة بالزيادة في المعاشات19:54 - السغروشني: الساعة الإضافية قرار مؤسساتي وتقييم آثارها يتطلب مقاربة شمولية19:40 - الأمير مولاي رشيد يفتتح الدورة الـ18 للملتقى الدولي للفلاحة بالمغرب19:28 - بوريطة: لا يمكن ضمان مصداقية أي مسار انتخابي إذا كان يقصي جزءا من الساكنة19:00 - من حرب خاطفة إلى مأزق استراتيجي.. واشنطن وطهران بين وهم الحسم العسكري وضغط الحصار البحري18:49 - انطلاق هدم درب “موحى أوسعيد” بالدار البيضاء لتنفيذ مشروع المحج الملكي18:01 - وهبي ينتقد بطء تفعيل العقوبات البديلة ويدعو لتجاوز مقاربة السجن
الرئيسية » مقالات الرأي » مقارنة بنيوية ووظيفية في السردية الجهادية زمن العصر الرقمي بين نموذجي القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)

مقارنة بنيوية ووظيفية في السردية الجهادية زمن العصر الرقمي بين نموذجي القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)

تمثل “الخزانة المعرفية” في سياق التنظيمات الجهادية المستودع الفكري والإعلامي الذي تستمد منه هذه الحركات شرعيتها، وتؤصل من خلاله لأيديولوجيتها، وتجند عبره أتباعها. وبينما تشترك “القاعدة” و”داعش” في الجذور السلفية الجهادية، إلا أن تحليل “الخزانتين” يكشف عن تباينات جوهرية في الاستراتيجية، البناء المعرفي، والوسائط الاتصالية. تهدف هذه الدراسة إلى تعميق التحليل المقارن بين الخزانتين، مع التركيز على التحول من “النخبوية المعرفية” إلى “الشعبوية الرقمية”.

مفهوم الخزانة الجهادية وتطورها

لا يوجد تعريف واحد ومباشر لمصطلح )الخزانة الجهادية( في الأدبيات الأكاديمية أو الإعلامية، إلا أنه يمكن استخلاص مفهومه من سياق استخدام الحركات الجهادية له ومن طبيعة المواد التي تنتجها. تشير )الخزانة الجهادية( إلى مجموعة متكاملة من الأفكار، المفاهيم، النصوص الدينية، الأدبيات، الاستراتيجيات، والتكتيكات التي طورتها الحركات والتنظيمات الجهادية (مثل القاعدة، داعش، الجهاد المصري، الجماعة الإسلامية) على مر الزمن. تهدف هذه الخزانة إلى توفير الأساس الشرعي والأيديولوجي لأفعالهم ومعتقداتهم، وتبرير الجهاد المسلح، واستقطاب أفراد جدد إلى صفوفهم من خلال تقديم رؤية متكاملة ومحفزة، بالإضافة إلى توعية وتعبئة أتباعهم، وتعزيز الولاء والانتماء، وتوجيه العمليات وتحديد الأهداف من خلال إطار عمل للمقاومة المسلحة، لتكون بمثابة مرجعية فكرية وعملية لأعضاء التنظيم في مختلف الظروف.

تطور هذا المفهوم بشكل كبير مع امتداد التجربة الجهادية. في بداياتها، كانت هذه الخزانة تعتمد بشكل كبير على المواد المطبوعة والخطابات الشفهية. ومع مرور الوقت، خاصة بعد أحداث مثل الجهاد الأفغاني الذي جمع الجهاديين من مختلف أنحاء العالم، تراكم رصيد ضخم من هذه الأدبيات والأفكار. شهدت فترة التسعينات وما بعدها، مع توسع تنظيم القاعدة، زيادة كمية ونوعية في إنتاج المواد الجهادية. ومع ظهور تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، تحولت الجهادية إلى أيديولوجية تمرد أساسية، وبنت على جهود القاعدة مع تقديم نموذج جديد في التمكين وإنشاء الفروع، مما أثرى الخزانة الجهادية بمواد جديدة تعكس هذا التطور. كما أن التحول الرقمي، الذي سيتم تفصيله لاحقا، أثر بشكل كبير على كيفية نشر هذه الخزانة وتوزيعها، مما يعكس تكيف هذه التنظيمات مع التقنيات الحديثة في نشر أفكارها واستقطاب الأفراد.

 خزانة تنظيم القاعدة: البناء المعرفي والمنهجي

تعتبر الخزانة الفكرية لتنظيم القاعدة من أغزر وأعمق الخزائن المعرفية التي أفرزتها الحركات الجهادية المعاصرة منذ أواخر القرن العشرين. فهي ليست مجرد تجميع انتقائي للنصوص، بل منظومة معرفية ممنهجة تم بناؤها عبر عقود، تستند في جوهرها إلى المصادر الشرعية الكلاسيكية، من كتب الفقه، والتفسير، والحديث، وأمهات كتب العقيدة السلفية، فضلا عن الإنتاج المعاصر لمنظّري التيار الجهادي. وتشير التقديرات إلى أن هذه الخزانة تضم ما يزيد عن 4500 كتاب ومقال، تغطي طيفا واسعا من الموضوعات الشرعية، والمنهجية، والتكتيكية، والعملياتية، أنتجها أكثر من 100 عالم، ومجاهد، وداعية من داخل التيار وخارجه.

تتميز خزانة القاعدة بطابعها )التأصيلي( أي أنها تسعى إلى تقديم الجهاد باعتباره امتدادا شرعيا وتاريخيا لمفهوم )القتال في سبيل الله( كما ورد في التراث الإسلامي، مع التركيز على قضايا محورية مثل الولاء والبراء، الحاكمية، الجهاد العالمي، وإقامة الخلافة. ولتحقيق ذلك، اعتمدت على تراث علماء السلفية التقليديين، جنبا إلى جنب مع اجتهادات المعاصرين من منظّري الحركات الجهادية مثل عبد الله عزام، وأبو محمد المقدسي، وأيمن الظواهري، ويوسف العيري وغيرهم.

كما أن تنظيم القاعدة لم يكتفِ بالطرح النظري، بل وظّف هذه الخزانة في بناء )منهج إعداد( متكامل لأفراده. هذا المنهج يجمع بين التأهيل الشرعي والفكري من خلال دراسة مقررات منتقاة بعناية، وبين الإعداد العسكري والأمني عبر دورات عملية وتدريبات ميدانية، فضلًا عن مراحل غربلة صارمة تشبه أساليب أجهزة الاستخبارات في التحقق من الولاء والانضباط. وقد كان الهدف من ذلك ضمان أن المنخرط في التنظيم لا يحمل فقط الحماسة القتالية، بل أيضًا قناعة فكرية راسخة، وقدرة على الدفاع عن مواقفه بالحجج الشرعية.

ومن الناحية السوسيولوجية، يمكن القول إن خزانة القاعدة كانت أداة مزدوجة الوظيفة: فهي وسيلة تعبئة داخلية لتثبيت العقيدة الجهادية لدى الأعضاء، وأداة دعائية خارجية لتسويق الفكر الجهادي إلى جمهور أوسع، خصوصا في البيئات التي ترى في خطابها امتدادا للنضال ضد ما يعتبر الهيمنة الغربية أو الأنظمة المرتدة. ولعل هذه القدرة على الدمج بين المرجعية الشرعية والإطار الحركي العملي هي التي منحت القاعدة مكانتها القيادية في المشهد الجهادي العالمي لسنوات طويلة، قبل ظهور منافسين مثل تنظيم الدولة الإسلامية.

خزانة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) ومقوماتها الإعلامية والفكرية

على خلاف تنظيم القاعدة الذي اعتمد بدرجة أكبر على البنية الفكرية المتجذرة والمراجع الشرعية التقليدية، اتسمت خزانة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بالتركيز المكثف على المحتوى الرقمي والإعلامي متعدد الأشكال، وهو ما يعكس تحولا استراتيجيا في أدوات الاستقطاب والتأثير. ويمكن تقسيم هذه الخزانة إلى ثلاثة محاور أساسية:

الإصدارات الإعلامية الرسمية

اعتمدت داعش على منظومة إعلامية منظمة ذات مؤسسات فرعية، لكل منها هوية ورسالة خاصة. فخلال فترة نشاطها الأبرز (2013-2020)، أصدرت المؤسسات الإعلامية التابعة لها نحو 3973 إصدارا رسميا، شملت:

إذاعة البيان 1252 إصدار تضمنت نشرات أخبار، خطب، بيانات عمليات، وبرامج دعوية.

مؤسسة الفرقان للإنتاج الإعلامي 469 إصدارا: وهي الذراع الإعلامية الأبرز التي أنتجت بيانات مصورة، إصدارات مرئية طويلة، وخطب صوتية للقيادات.

مكتبة الهمة 366 إصدارا: ركزت على النشر الورقي والرقمي للكتب والكتيبات الشرعية والفكرية.

بالإضافة إلى مئات الإصدارات الأخرى الصادرة عن )الولايات( الميدانية، والتي كانت تتنوع بين نشرات إخبارية، مقاطع فيديو قصيرة، وصور ميدانية توثق المعارك أو الأنشطة الدعوية والخدمية.

هذا الكم الهائل من الإصدارات يعكس استراتيجية إعلامية هجومية تقوم على الإغراق البصري والسمعي، وفرض الحضور المستمر في فضاء المتابعين عبر التكرار والتجديد السريع للمحتوى.

المحتوى الإلكتروني والرقمي

يمثل الفضاء الإلكتروني البنية التحتية الأخطر في مشروع داعش الإعلامي؛ إذ تشير تقارير رسمية (منها رصد دار الإفتاء المصرية) إلى وجود أكثر من 846,265 كتابا رقميا ومادة فكرية من إنتاج أو نشر التنظيم على الإنترنت، بحجم بيانات تجاوز 3 تيرابايت. كما تم اكتشاف مكتبة إلكترونية خاصة بداعش تضم أكثر من 90,000 مادة كتب، وثائق، صور، تسجيلات صوتية ومرئية كانت متاحة للعامة، ويزورها نحو 10,000 مستخدم شهريا.

هذه المكتبات الرقمية لم تكن مجرد أرشيف، بل كانت أداة تعبئة معرفية وتجنيدية، حيث أُتيح للزائر تحميل كتب في الفقه والعقيدة الجهادية، ومراجع قتالية، ودروس في التكتيكات العسكرية، فضلًا عن كتيبات تقنية تشرح كيفية تصنيع المتفجرات أو تأمين الاتصالات عبر الإنترنت.

وقد استفادت داعش من ميزات الفضاء الرقمي  خصوصا الشبكات الاجتماعية وخدمات التخزين السحابي  في توزيع هذا المحتوى بسرعة، وتجاوز الرقابة، وإعادة رفع المواد المحذوفة عبر حسابات بديلة أو منصات غير خاضعة لرقابة دولية مشددة.

المناهج التعليمية والورش التكوينية

شرعت داعش منذ أكتوبر 2015 في إنتاج مناهج تعليمية خاصة، ضمن ما سمته )مناهج الدولة الإسلامية(، تستهدف الأطفال واليافعين في المناطق الخاضعة لسيطرتها. هذه المناهج شملت:

مواد شرعية: القرآن، العقيدة، الفقه، الحديث.

مواد عامة: الرياضيات، العلوم، قواعد اللغة، إضافة إلى التدريب البدني والعسكري.

الهدف من هذه المناهج كان خلق جيل مؤدلج منذ الصغر، يتمتع بمهارات قتالية ومعرفة شرعية مؤطرة بفكر التنظيم، بما يضمن استدامة المشروع على المدى البعيد.

يلاحظ أن آلية التجنيد في داعش كانت أكثر بساطة ومرونة من القاعدة؛ إذ يكفي إعلان البيعة العلنية لخليفة المسلمين للانضمام، دون المرور بسلسلة اختبارات فكرية أو التدرج التنظيمي التقليدي. هذه السياسة عززت سرعة النمو العددي، لكنها أفرزت أعضاء أقل عمقا من الناحية الشرعية مقارنة بخريجي )مدارس القاعدة(.

الاستراتيجيات الإعلامية

تعتبر الاستراتيجيات الإعلامية عنصرا حاسما في قدرة التنظيمات الجهادية على نشر أفكارها، تجنيد الأتباع، وتبرير أعمالها. لقد تطورت هذه الاستراتيجيات بشكل ملحوظ بين تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، متأثرة بالتقدم التكنولوجي وتغير المشهد الإعلامي العالمي.

الاستراتيجية الإعلامية لتنظيم القاعدة

تنظيم القاعدة يعد  من أوائل الفاعلين غير الدوليين الذين أدركوا مبكرا الأهمية الاستراتيجية للإعلام في تشكيل الرأي العام، وصياغة السرديات المؤطِّرة لأعمالهم، وحشد التأييد لقضيتهم. فمنذ نشأته أواخر ثمانينيات القرن العشرين، أولى التنظيم عناية خاصة بإنشاء أذرع إعلامية موازية للذراع العسكرية، إدراكا منه أن المعركة على مستوى الصورة والرواية لا تقل أهمية عن المعركة الميدانية.

في بدايات الألفية الجديدة، مثّل الإعلام التقليدي، وخصوصا القنوات الفضائية العربية، المنصة الأساسية لبث رسائل التنظيم. اعتمدت القاعدة بشكل كبير على التسجيلات الصوتية والمرئية لزعيمها أسامة بن لادن، والتي كانت تبث عبر قنوات إخبارية بارزة كالجزيرة، لتصل إلى جمهور واسع داخل العالم الإسلامي وخارجه. كانت هذه المواد الإعلامية تتسم بالخطاب الديني المؤطر، والاستشهاد بالنصوص الشرعية، وتوظيف الأحداث السياسية العالمية، خاصة الصراعات في أفغانستان والعراق، لإبراز رواية التنظيم حول المظلومية والجهاد المشروع

ومع تطور التكنولوجيا وانتشار الإنترنت، سعت القاعدة إلى استثمار الفضاء الرقمي، إلا أن انتقالها كان بطيئا نسبيا مقارنة ببعض التنظيمات الجهادية اللاحقة مثل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). اقتصرت أدواتها الرقمية في المرحلة الأولى على المنتديات الجهادية المغلقة والمواقع الإلكترونية الموجهة، التي كانت بمثابة منصات للتعبئة الفكرية ونشر الإصدارات المرئية والمكتوبة. وفي هذا الإطار، شكل تأسيس (إدارة إعلام القاعدة) عام 1988، ثم تطورها إلى (الجناح الإعلامي) للتنظيم، خطوة مؤسسية هامة. اضطلع هذا الجناح بمهمة صياغة البيانات الرسمية الصادرة عن القيادة المركزية، وتعميمها على مختلف الأفرع والمناصرين، بما يضمن توحيد الرسالة الخطابية وحماية الانضباط الفكري داخل صفوف التنظيم.

يمكن توصيف الاستراتيجية الإعلامية للقاعدة بأنها ذات طبيعة مركزية وتقليدية، حيث تنتج الرسائل في مركز القرار ثم توزع على القواعد، مع التركيز على المحتوى الشرعي والفقهي الذي يهدف إلى ترسيخ شرعية التنظيم الفكرية والدينية. كان الجمهور المستهدف في الأساس يتكون من المتعاطفين المحتملين والنخب الدينية والسياسية التي يمكن استمالتها عبر خطاب عقلاني نسبيًا يستند إلى الحجج النصية والمسوغات التاريخية. وفي هذا السياق، لم يكن الهدف المباشر هو الحشد الميداني السريع بقدر ما كان بناء بنية تحتية فكرية طويلة الأمد، تشكل قاعدة أيديولوجية صلبة تدعم استمرارية التنظيم على المدى البعيد.

استراتيجية الإعلامية لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)

تعتبر الاستراتيجية الإعلامية لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) إحدى أبرز الظواهر التي استرعت انتباه الباحثين في دراسات الحركات الجهادية المعاصرة، إذ لم يكن الإعلام بالنسبة إلى التنظيم مجرد أداة مساندة للعمل العسكري، بل تحول إلى ركيزة بنيوية في مشروعه السياسي والعسكري على السواء. فمنذ لحظة الإعلان عن الخلافة سنة 2014 في مدينة الموصل، بدا واضحا أن التنظيم يستثمر في الصورة بقدر ما يستثمر في السلاح، ويدرك أن المعركة لم تعد ميدانية فقط، بل نفسية ورمزية وعابرة للحدود. لقد نشأ داعش في سياق ثورة رقمية غير مسبوقة، حيث أتاح الإعلام الجديد إمكانيات هائلة للإنتاج السريع، والنشر الفوري، والوصول المباشر إلى جمهور عالمي دون المرور عبر القنوات التقليدية أو الرقابة المؤسسية، وهو ما لم يكن متاحا بالدرجة نفسها أمام تنظيم تنظيم القاعدة في ذروة نشاطه خلال العقد الأول من الألفية.

استفاد التنظيم من تراكم الخبرة الإعلامية التي راكمتها القاعدة، لكنه نقلها إلى مستوى أكثر احترافية وتنظيما. فبينما اعتمدت القاعدة على تسجيلات مصورة تقليدية تبث عبر قنوات فضائية، خصوصا قناة الجزيرة، وعلى أشرطة صوتية توزع بطرق شبه سرية، عمل داعش على بناء منظومة إعلامية متكاملة ذات طابع مؤسساتي واضح. أنشأ مؤسسات إنتاج مركزية مثل (الفرقان) و(الحياة) و(أعماق)، ووزع الأدوار بينها بدقة، بحيث تتكفل كل جهة بنمط محدد من الرسائل، سواء كانت بيانات عسكرية، إصدارات مرئية كبرى، أو مواد موجهة للجمهور الغربي بلغات متعددة. هذا التنظيم الهرمي منح الخطاب الإعلامي درجة من الانضباط والاتساق، وجعل الرسائل الصادرة عنه متكاملة من حيث الشكل والمضمون.

فلسفة العمل الإعلامي لدى داعش قامت على تصور يعتبر الإعلام قوة موازية – بل متقدمة أحيانا – على القوة العسكرية. فالمعركة، في منظور قادته، لا تحسم فقط في ساحات القتال، بل في وعي الجمهور وتصوراته. من هنا جاء الاستثمار الكبير في الاحترافية التقنية؛ إذ ظهرت الإصدارات المرئية بجودة عالية، مع استخدام تقنيات تصوير متطورة، وزوايا كاميرا مدروسة، ومؤثرات بصرية وصوتية تعكس معرفة بأساليب الإنتاج السينمائي الحديث. كما اعتمد التنظيم على الإخراج الدرامي وبناء السرد القصصي، بحيث لا تقدم العملية العسكرية كحدث معزول، بل كجزء من ملحمة كبرى ذات بعد ديني وتاريخي. هذا التوظيف الجمالي للصورة لم يكن اعتباطيا، بل استهدف مخاطبة جيل نشأ في بيئة بصرية رقمية، يتفاعل بسرعة مع المحتوى المكثف والقصير والمؤثر.

إلى جانب الاحترافية، اعتمد التنظيم على ما يمكن تسميته الصدمة البصرية بوصفها أداة للحرب النفسية. فقد جرى توظيف مشاهد العنف بطريقة مسرحية محسوبة، تهدف إلى إحداث أثر مزدوج: ترهيب الخصوم وبث الرعب فيهم، وفي الوقت ذاته إقناع الأنصار بأن التنظيم يمتلك الحزم والقدرة على فرض الهيبة. غير أن هذه الاستراتيجية، رغم فعاليتها اللحظية في خلق حالة من الذهول الإعلامي العالمي، أسهمت لاحقا في توحيد جهود دولية واسعة ضده، إذ تحولت تلك المشاهد إلى مادة تعبئة مضادة استخدمت لتبرير التدخلات العسكرية وتكثيف الملاحقة الأمنية.

أما على مستوى أدوات الانتشار، فقد كان التنظيم سباقا في استغلال منصات التواصل الاجتماعي، خاصة تويتر وتلغرام وفيسبوك، إلى جانب المنتديات المغلقة ومنصات تبادل الملفات. اعتمد ما يعرف بالانتشار الفيروسي، أي نشر المحتوى عبر حسابات متعددة ومتجددة باستمرار، بحيث يصعب القضاء عليه نهائيا. كما استخدم تقنيات إعادة النشر السريع، والوسوم الموحدة، والترجمة الفورية إلى لغات عدة، ما مكنه من الوصول إلى جمهور متنوع ثقافيا وجغرافيا. ولم يقتصر الأمر على الفيديوهات، بل شمل مجلات إلكترونية مصممة بعناية مثل (دابق) و(رومية)، التي حاكت في إخراجها المجلات الغربية، واحتوت على مواد دعائية وفقهية واستراتيجية تسعى إلى تأطير الأتباع فكريا وإضفاء مشروعية دينية على المشروع السياسي.

الأهداف التي سعت الاستراتيجية الإعلامية إلى تحقيقها كانت متعددة ومتكاملة. فقد لعبت دورا محوريا في التجنيد العابر للحدود، إذ نجحت في استقطاب آلاف المقاتلين من أوروبا وآسيا وإفريقيا، من خلال خطاب هوياتي يستثير مشاعر الاغتراب والبحث عن الانتماء. كما استخدمت لبناء صورة الدول القادرة على الحكم وتقديم الخدمات، عبر إبراز مشاهد الأسواق، والمحاكم، وتوزيع المساعدات، في محاولة لتقديم نموذج بديل عن الدولة الوطنية القائمة. وفي الداخل، أسهم الإعلام في رفع الروح المعنوية للمقاتلين، عبر الاحتفاء بالعمليات وتخليد الرموز في سرديات بطولية تعزز الإحساس بالرسالة والاصطفاء.

تتجلى الفروقات الجوهرية بين داعش والقاعدة في طبيعة الخطاب وأسلوبه. فبينما مالت القاعدة إلى الإطالة في التحليل السياسي والفقهي، وإلى خطاب نخبوي نسبيا، اتجه داعش نحو التكثيف والاختزال والتركيز على الصورة المؤثرة. لقد أدرك أن زمن القراءة المطولة يتراجع أمام ثقافة المشاهدة السريعة، فصاغ رسائل قصيرة ومشحونة بالرمزية، تتلاءم مع إيقاع المنصات الرقمية. هذا التحول لم يكن تقنيا فقط، بل يعكس فهما عميقا لتغير أنماط التلقي في العصر الرقمي.

مع ذلك، فإن تقييم هذه الاستراتيجية يقتضي التمييز بين المدى القصير والمدى البعيد. فعلى المدى القصير، حققت نجاحًا لافتًا في الانتشار وبناء صورة قوة صاعدة، وأسهمت في توسيع رقعة التعاطف والتجنيد. أما على المدى البعيد، فقد أسهم الإفراط في العنف المُمَسرح والاعتماد المكثف على الصدمة في تقويض التعاطف المحتمل، وأدى إلى عزلة متزايدة، كما سهل على الخصوم بناء سردية مضادة تصف التنظيم بالوحشية المطلقة. ومع خسارة التنظيم لمراكزه الحضرية الأساسية في العراق وسوريا، تراجعت قدرته على إنتاج خطاب الدولة القائمة، وتحول تدريجيا إلى نمط إعلامي أقرب إلى اللامركزية، يعتمد على خلايا متناثرة ومنصات مشفرة.

إن التجربة الإعلامية لداعش تكشف عن تحول عميق في طبيعة الصراع المعاصر، حيث تتداخل القوة الصلبة بالقوة الناعمة، وتصبح الصورة أداة تعبئة لا تقل أثرًا عن الرصاصة. كما تبرز أهمية فهم البيئة الرقمية بوصفها فضاء للصراع الرمزي، تبنى فيه الشرعيات وتُخاض فيه المعارك على العقول والقلوب، لا على الأرض فقط.

الخاتمة

تظهر هذه الدراسة المقارنة بين تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) تحولا وتطورا في الفكر الجهادي واستراتيجياته. بينما اعتمدت القاعدة على بنية معرفية تقليدية راسخة ومحتوى فكري عميق، مع منهجية أكثر حذرا في العمليات، تبنت داعش استراتيجية مختلفة تماما تركز على الكم الهائل من المحتوى الرقمي والإعلامي، واستخدام العنف المفرط كأداة دعائية، ورؤية فورية لإقامة الخلافة.

إن الفروقات الجوهرية بين التنظيمين، سواء في البنية المعرفية، الاستراتيجيات الإعلامية، أو طبيعة العمليات، تعكس تكيف الفكر الجهادي مع التطورات التكنولوجية وتغير المشهد العالمي. لقد أدت هذه الاختلافات إلى نتائج متباينة في قدرة كل تنظيم على التجنيد، الانتشار، والتأثير. فبينما حافظت القاعدة على منهجية أكثر تقليدية، اندفعت داعش نحو استخدام أقصى درجات العنف والانتشار الإعلامي الرقمي لتحقيق أهدافها.

           
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

من حرب خاطفة إلى مأزق استراتيجي.. واشنطن وطهران بين وهم الحسم العسكري وضغط الحصار البحري

20 أبريل 2026 - 7:00 م

يشكل الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران أحد أكثر الملفات الجيوسياسية تعقيداً واستمرارية في منطقة الشرق الأوسط، حيث يتداخل فيه

التشيع المهدوي في المغرب… خطاب ديني جديد يتمدد عبر الفضاء الرقمي ويثير أسئلة الهوية والتدين

19 أبريل 2026 - 1:25 ص

بعيدا عن المرجعيات الشيعية المقلّدة في المغرب، و الولاءات الدينية المتبعة المعروفة، ظهر نوع جديد من التشيع و بدأ ينتشر

مالي تسقط ورقة البوليساريو الأخيرة في غرب إفريقيا.. تحول استراتيجي يعزز مغربية الصحراء

19 أبريل 2026 - 1:12 ص

في تحول دبلوماسي بارز يعكس تغيراً عميقاً في موازين القوى بغرب إفريقيا، أعلنت جمهورية مالي يوم 10 أبريل 2026 سحب

من يدفع ثمن قرارات تقييد استيراد اللحوم في المغرب؟

17 أبريل 2026 - 12:11 ص

في سياق اقتصادي واجتماعي دقيق، لم يعد ملف اللحوم في المغرب مجرد قضية فلاحية أو تجارية، بل تحول إلى اختبار

التفسير الإشاري للقرآن الكريم

16 أبريل 2026 - 11:35 م

ما إن نزل القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدأت عملية التفسير، وكان النبي صلى الله عليه وسلم

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°