المقدمة
شهدت سوريا في ديسمبر 2024 حدثا تاريخيا فارقا: سقوط نظام بشار الأسد بعد ما يقرب من 14 سنة من الحرب الأهلية، وأكثر من خمسة عقود من حكم الأسرة الحاكمة. كان هذا السقوط السريع الذي استغرق 11 يوما فقط في عملية عسكرية أطلقت عليها هيئة تحرير الشام (HTS) اسم (ردع العدوان) نقطة تحول حاسمة في تاريخ المنطقة والحركات الإسلامية عموما . لكن هذا الانتصار العسكري لم يكن ليتحقق بدون دور حاسم لآلاف المقاتلين الأجانب الذين التحقوا بصفوف الحركات الجهادية المختلفة على مدار سنوات الصراع.
ما يميز هذه اللحظة التاريخية هو التحول الجذري الذي شهده قائد هيئة تحرير الشام، أحمد الشرع (المعروف سابقا بـ (أبو محمد الجولاني)، من قائد جهادي يحمل سعرا على رأسه بقيمة 10 ملايين دولار أمريكي إلى رئيس دولة يتحدث عن الشمولية السياسية والإصلاحات المؤسسية والتعاون الأمني الدولي . هذا التحول الدراماتيكي يطرح أسئلة عميقة حول مستقبل المقاتلين الأجانب الذين قاتلوا تحت راية الجهاد العالمي، وليس تحت راية دولة قومية.
تكمن أهمية هذه الدراسة في أنها تسعى إلى فهم الديناميات المعقدة التي تنشأ عند تحول حركة جهادية عابرة للحدود إلى سلطة دولة قومية. فالدولة بطبيعتها كيان وطني محدود جغرافيا، بينما الجهادية الأممية مشروع يتجاوز الحدود ويرفض منطق الدولة القومية والسيادة الشعبية. هذا التناقض الأساسي يخلق توترا محتملا بين قيادة الدولة الجديدة والمقاتلين الأجانب الذين يحملون أيديولوجيا مختلفة تماما. لان اشكالية وضع المقاتلين الأجانب بمن فيهم العرب والمغاربة والآسيويون الوسطيون في مرحلة ما بعد استقرار السلطة الانتقالية ، وتحولها من فاعل جهادي عابر للحدود إلى سلطة تسعى للشرعية الدستورية والاعتراف الدولي. ينتج فجوة هوية وأيديولوجية حادة لدى الفاعلين الأجانب الذين بايعوا مشروعا أمميا قائما على مبدأ (الحاكمية) والجهاد المستدام. براي هناك ثلاثة سيناريوهات مستقبلية محتملة للمقاتلين الأجانب،: (1) اندماج مشروط ضمن مؤسسات الدولة، (2) انكفاء صامت مع تدين محافظ غير مسيس، أو (3) إعادة اصطفاف ضمن مشاريع جهادية عابرة للحدود.
الأجانب كرصيد أمني وعبء استراتيجي
لا يمكن فهم مسار الصراع السوري في سنواته الأخيرة دون التوقف عند الدور العسكري الذي لعبه المقاتلون الأجانب داخل عدد من الفصائل المسلحة، إذ تحول حضورهم من عنصر رمزي أو دعائي في بدايات الحرب إلى قوة قتالية فعلية ذات تأثير مباشر في موازين المعارك. وخلال ما عرف بعملية )ردع العدوان( في ديسمبر 2024 برز هذا الدور بشكل واضح، حيث شارك مقاتلون أجانب ضمن تشكيلات منظمة مرتبطة بهيئة تحرير الشام أو متحالفة معها، وأسهموا في العمليات القتالية التي أدت إلى انهيار مواقع أساسية لقوات النظام السوري في عدة جبهات.
تميز هؤلاء المقاتلون بدرجة عالية من الانضباط والتنظيم العسكري، كما أن كثيرا منهم يمتلك خبرة قتالية تراكمت عبر سنوات من الحروب في أفغانستان أو القوقاز أو مناطق نزاع أخرى. وقد تشكلت وحداتهم على أسس عرقية أو لغوية، ما سهل عملية القيادة والتنسيق الداخلي. من أبرز هذه التشكيلات الحزب الإسلامي التركستاني الذي يضم مقاتلين من الإيغور، ويعد من أكبر الفصائل الأجنبية عددا، إذ يقدر عدد مقاتليه بين ألف وألفي مقاتل، وقد لعب دورا بارزا في العمليات الهجومية. كما ظهرت كتيبة الإمام البخاري التي تضم في معظمها مقاتلين أوزبك، وتربطها علاقات أيديولوجية وتنظيمية بتيارات جهادية عابرة للحدود، ويقدر عدد أفرادها بما بين ثمانمائة وألف وخمسمائة مقاتل.
كذلك برزت مجموعات من شمال القوقاز مثل أجناد القوقاز التي تضم مقاتلين شيشانا وداغستانيين، وقد اكتسبت سمعة قتالية بسبب خبرة أفرادها في حرب العصابات، ويقدر عددهم بين خمسمائة وألف مقاتل. وإلى جانبها ظهر تنظيم جيش المهاجرين والأنصار الذي يضم أيضاً مقاتلين من القوقاز ويقدر عددهم بين ثلاثمائة وخمسمائة. أما كتيبة توحيد والجهاد، التي تضم مقاتلين من أوزبكستان وقيرغيزستان، فقد شاركت في عدد من العمليات القتالية ويقدر عدد أفرادها بين مئتين وأربعمائة مقاتل. كما سجل حضور محدود لمجموعة تضم مقاتلين من أصول ألبانية ويبلغ عددهم نحو مئة مقاتل.
وجود هذه الفصائل الأجنبية لم يكن مجرد إضافة عددية إلى القوى المقاتلة، بل مثّل أيضا بعدا أيديولوجيا وتنظيميا عابرا للحدود داخل ساحة الصراع السوري. فقد حمل العديد من هؤلاء المقاتلين خلفيات فكرية مرتبطة بالسلفية الجهادية، ما جعلهم ينظرون إلى الحرب في سوريا باعتبارها جزءا من مشروع أوسع يتجاوز الإطار المحلي. ومع ذلك، فإن تأثيرهم العسكري الفعلي ارتبط أساسا بقدرتهم على العمل في وحدات صغيرة عالية الحركة، والمشاركة في العمليات الصعبة مثل الاقتحامات والهجمات المباغتة، وهو ما منحهم مكانة خاصة داخل البنية القتالية للفصائل التي قاتلوا ضمنها.
في بيئة تتسم بتعدد الجبهات الأمنية توترات مع قوات سوريا الديمقراطية ، تصاعد نشاط تنظيم الدولة الإسلامية، وضغوط إقليمية من إسرائيل وتركيا يشكل المقاتلون الأجانب قوة عسكرية متمرسة وموثوقة يمكن توظيفها مرحليا لتعزيز الأمن والاستقرار.
لهذا السبب، قام النظام الانتقالي بدمج آلاف المقاتلين الأجانب في الجيش السوري الجديد. وفقا للتقارير، تم تعيين حوالي 3,500 مقاتل أجنبي، معظمهم من الأويغور والشيشان والداغستانيين، في الفرقة 84 للقوات الخاصة، التي تتخذ من الأكاديمية البحرية في اللاذقية مقراً لها . كما تمت ترقية عدد من القادة الأجانب إلى رتب عسكرية عالية، منهم:
عبدالعزيز داود خودابردي (أبو محمد التركستاني): رتبة لواء، قائد مشارك للفرقة 84.
عمر محمد جفتشي (مختار التركي): رتبة لواء، قائد مشارك للفرقة 84.
عبدالرحمن الخطيب (أبو حسين الأردني): قائد الحرس الجمهوري.
لكن استمرار وجود مقاتلين أجانب في مواقع قيادية داخل الجيش السوري يثير جملة من الإشكالات القانونية والسياسية والدبلوماسية. فإسناد مناصب عسكرية حساسة، خاصة في وحدات استراتيجية مثل الحرس الجمهوري المسؤول عن حماية رئيس الدولة، إلى أشخاص غير سوريين يطرح تساؤلات لدى القوى الدولية حول مدى شرعية هذه التعيينات وطبيعتها.
وتبدي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وعدد من الحلفاء الإقليميين مخاوف من أن يؤدي هذا الواقع إلى تعقيد مسار الاعتراف أو التطبيع مع أي بنية عسكرية أو سياسية جديدة في سوريا، إذ ينظر إلى وجود قيادات أجنبية داخل مؤسسة يفترض أنها وطنية على أنه مؤشر على اختلال في طبيعة الدولة أو في استقلالية قرارها السيادي.
كما أن هذا الوضع قد يتحول إلى عامل ضغط إضافي في ملف العقوبات الدولية المفروضة على سوريا. فمن المرجح أن تربط بعض الدول الغربية أي خطوات لتخفيف العقوبات أو تقديم دعم اقتصادي وإعادة إعمار بمدى قدرة السلطات السورية على تقليص نفوذ المقاتلين الأجانب داخل مؤسساتها العسكرية والأمنية، والعمل على تهميش دورهم تدريجيا أو دمجهم بطرق لا تمنحهم مواقع حساسة في هرم القيادة. وبذلك يصبح ملف هؤلاء المقاتلين جزءا من معادلة التفاوض الدولي حول مستقبل سوريا الاقتصادي والسياسي.
وفي الداخل السوري، لا تخلو المسألة من مخاطر أمنية محتملة، فالمقاتلون الأجانب الذين شاركوا في الصراع بدوافع أيديولوجية أو عقائدية قد ينظرون إلى أي محاولة لإقصائهم أو تقليص دورهم باعتبارها خيانة للمشروع الذي قاتلوا من أجله. وفي مثل هذه الحالات يمكن أن يتحول هؤلاء من عنصر دعم عسكري إلى مصدر توتر وعدم استقرار، خصوصا إذا توفرت لديهم الخبرة القتالية والتنظيمية والشبكات العابرة للحدود التي اكتسبوها خلال سنوات الحرب.
أما على المستوى الإقليمي، فإن التجارب التاريخية تشير إلى أن فائض المقاتلين الجهاديين غالبا ما يتحول إلى عامل عدم استقرار يتجاوز حدود الدولة التي شهدت الصراع، فقد أظهرت تجارب سابقة، مثل ما حدث بعد حرب البوسنة في التسعينيات، أن عودة المقاتلين الأجانب إلى بلدانهم الأصلية أو انتقالهم إلى ساحات صراع أخرى قد يسهم في تغذية شبكات العنف العابر للحدود. ولذلك تخشى العديد من الدول أن يؤدي بقاء هؤلاء المقاتلين دون تسوية واضحة لوضعهم القانوني أو العسكري إلى إعادة تدويرهم في بؤر توتر أخرى أو إلى انخراط بعضهم في نشاطات متطرفة تهدد الأمن الإقليمي والدولي.
الانتقال من الحاكمية إلى السيادة الشعبية
يمثل التحول الأيديولوجي الذي شهده أحمد الشرع منعطفا حادا في مسار الفكر السياسي المرتبط بالحركات الجهادية المعاصرة. ففي خطابه من الجامع الأموي في دمشق يوم 8 ديسمبر 2024، تعمد الشرع تجنب الخطاب الجهادي التقليدي أو أي تأكيد مباشر على فرض الشريعة بوصفها مشروعا سياسيا فوريا، وبدلا من ذلك ركز على قضايا الوحدة الوطنية وتطهير البلاد من الطائفية والظلم والفساد والنفوذ الإيراني. هذا التحول في اللغة لم يكن مجرد تغيير في الأسلوب الخطابي، بل حمل دلالات أعمق تتعلق بإعادة تعريف مصدر الشرعية السياسية في المرحلة الجديدة.
وتجلت هذه الدلالة بوضوح عندما سئل عما إذا كانت سوريا ستصبح دولة ديمقراطية، فأجاب بأن )الديمقراطية إذا كانت تعني أن الشعب يقرر من يحكمه ومن يمثله في البرلمان، فإن سوريا تتجه في هذا الاتجاه(.
قد يبدو هذا التصريح بسيطا للوهلة الأولى، لكنه يحمل تحولا مفاهيميا كبيرا، لأنه يشير إلى تبني مبدأ أساسي من مبادئ السيادة الشعبية، أي أن الشرعية السياسية تستمد من موافقة الشعب لا من تفويض ديني مباشر. هذا الطرح يمثل ابتعادا واضحا عن العقيدة المركزية التي قامت عليها السلفية الجهادية لعقود، والتي تؤكد أن السيادة لله وحده، وأن الشريعة يجب أن تطبق كاملة دون تعديل أو تكيف مع السياقات السياسية، وأن الديمقراطية تمثل شكلا من أشكال الكفر لأنها تمنح الإنسان سلطة التشريع بدلا من الله.
غير أن هذا التحول لم يمر دون آثار عميقة داخل البيئة الجهادية نفسها، خصوصا بين المقاتلين الأجانب الذين شاركوا في الحرب السورية تحت شعار )الجهاد العالمي(. فبالنسبة إلى كثير منهم، لم تكن مشاركتهم مجرد انخراط في صراع سياسي محلي، بل كانت التزاما دينيا عابرا للحدود. البيعة التي قدموها كانت تفهم باعتبارها عقدا دينيا مقدسا، يتجاوز الاعتبارات الوطنية أو البراغماتية السياسية. ولذلك وجد بعض هؤلاء المقاتلين أنفسهم فجأة أمام واقع جديد: دولة قومية تتحدث عن الانتخابات والديمقراطية والتعاون مع المجتمع الدولي، بدلا من مشروع أممي قائم على الجهاد المستمر.
هذا التباين خلق توترا متزايدا بين القيادة الجديدة وبعض المقاتلين الأجانب، وقد بدأت تقارير متعددة تشير إلى ظهور انقسامات داخل هذه الأوساط، حيث اتهم بعض المتشددين الشرع بالتخلي عن المشروع الجهادي واعتبروا تحوله نوعا من )البيع( أو )الخيانة(. واستغلت التنظيمات الجهادية المنافسة هذه الانقسامات لمحاولة استقطاب المقاتلين الساخطين، وعلى رأسها تنظيم الدولة الإسلامية، الذي دعا في أحد أعداد نشرته )النبأ( في عام 2025 المقاتلين الأجانب غير الراضين عن هذا المسار إلى الالتحاق بصفوفه.
في هذا السياق تبرز فرضية يطرحها بعض الباحثين في دراسة الحركات الثورية، وهي ما يمكن تسميته )تأثير الدولة(. فالتاريخ يظهر أن كثيرا من الحركات الراديكالية تميل إلى الاعتدال النسبي عندما تنتقل من مرحلة التمرد إلى مرحلة إدارة الدولة. ومع تحسن الظروف المعيشية وظهور قدر من الاستقرار الأمني، قد يتحول جزء من المقاتلين إلى نمط من التدين المحافظ غير المسلح، حيث تصبح الأولوية للحياة اليومية والاستقرار الأسري بدلا من الاستمرار في مشروع الجهاد العابر للحدود. فإذا نجحت السلطة الجديدة في توفير قدر من الأمن والاستقرار، وخلقت فرصا اقتصادية للمقاتلين وعائلاتهم، ونجحت في إدماج هذه العائلات اجتماعيا داخل المجتمع السوري، فإن قسما معتبرا من المقاتلين الأجانب خصوصا أولئك القادمين من دول عربية ولا يواجهون حواجز ثقافية حادة قد يفضل الاستقرار والحياة المدنية على العودة إلى ساحات القتال المفتوحة.
مع ذلك، فإن هذه الفرضية لها حدود واضحة. فالتحسن الاقتصادي وحده لا يكفي بالضرورة لتفكيك العقيدة الجهادية المتجذرة لدى كثير من المقاتلين. فالبيعة في التصور الجهادي ليست مجرد التزام سياسي يمكن التراجع عنه مع تغير الظروف، بل تفهم بوصفها عقدا دينيا يرتبط بالولاء الديني وبالمسؤولية الأخروية. كما أن بعض المقاتلين قد يعيدون تفسير مرحلة بناء الدولة باعتبارها مرحلة مؤقتة من (التمكين)، أي محطة على طريق مشروع جهادي أوسع، لا نهاية له. إضافة إلى ذلك، فإن أي خطوات نحو التطبيع السياسي أو التعاون الأمني مع الدول الغربية قد تفسر لدى السلفيين الجهاديين على أنها ارتداد عن المنهج الأصلي، وهو ما قد يعيد إنتاج الانقسامات داخل هذا الوسط.
وبذلك يصبح التحول من خطاب (الحاكمية) إلى خطاب (السيادة الشعبية) ليس مجرد تغير في المفردات السياسية، بل اختبارا عميقا لقدرة الحركات الجهادية على التحول إلى فاعلين سياسيين داخل إطار الدولة. نجاح هذا التحول أو فشله لن يحدد فقط مستقبل السلطة الجديدة في سوريا، بل قد يؤثر أيضا في المسار الأوسع للحركات الجهادية العابرة للحدود في المنطقة.
وضع الأجانب العرب والمغاربة تحديدا
يمثل وضع المقاتلين الأجانب في سوريا، وخاصة العرب منهم والمغاربة على وجه الخصوص، إحدى أكثر القضايا تعقيدا في مرحلة ما بعد الصراع وإعادة تشكيل الدولة. فهؤلاء لم يعودوا مجرد فاعلين عسكريين عابرين للحدود، بل أصبحوا جزء من واقع سياسي وأمني واجتماعي جديد تشكل خلال سنوات الحرب. ومع ذلك، فإن موقعهم داخل هذا الواقع يظل ملتبساً ومعلقاً بين الاعتبارات القانونية، والحسابات السياسية للدولة السورية الناشئة، والقيود التي تفرضها دولهم الأصلية. فحتى الآن لم تقدم السلطات السورية الانتقالية تصورا قانونيا واضحا يحدد وضعهم النهائي، كما لم يتم الحسم في مسألة منحهم الجنسية أو تنظيم إقامتهم بشكل دائم. ويعود ذلك جزئيا إلى أن هذا الملف يرتبط بمسائل سيادية حساسة يرجح تأجيلها إلى ما بعد صياغة دستور دائم يحدد طبيعة الدولة ونظامها القانوني.
هذا الغموض القانوني يضع المقاتلين الأجانب في حالة من التعليق السياسي والقانوني فهم ليسوا مواطنين كاملي الحقوق داخل الدولة الجديدة، لكنهم في الوقت نفسه ليسوا مجرد عناصر عسكرية مؤقتة يمكن الاستغناء عنها بسهولة، خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار الدور القتالي الذي لعبه كثير منهم خلال سنوات الحرب.
وفي ظل هذا الوضع قد يتجه بعضهم إلى تبني خيار الاندماج الحذر داخل البنية الجديدة للدولة، سواء عبر المؤسسات العسكرية أو الأمنية أو عبر الاستقرار الاجتماعي المحدود، مع انتظار تسوية قانونية تمنحهم وضعا أكثر استقرارا. غير أن هذا الانتظار الطويل قد يخلق أيضا شعورا بالإحباط لدى بعضهم، خاصة إذا استمر الغموض أو ظهرت مؤشرات على إقصائهم من الترتيبات المستقبلية، وهو ما قد يدفع فئات منهم إلى البحث عن مسارات بديلة، مثل المغادرة نحو ساحات صراع أخرى أو الانخراط في شبكات معارضة أو غير نظامية.
غير أن التعامل مع ملف المقاتلين الأجانب لا يمكن أن يتم باعتبارهم كتلة واحدة متجانسة، إذ توجد فروقات واضحة بين المقاتلين العرب وغير العرب من حيث اللغة والثقافة وإمكانية الاندماج الاجتماعي. فالمقاتلون العرب يتمتعون عادة بدرجة عالية من التوافق اللغوي والثقافي مع المجتمع السوري، وهو عامل يسهل اندماجهم النسبي داخل البيئة المحلية، سواء عبر المصاهرة أو الانخراط في الحياة اليومية أو التكيف مع الأعراف الاجتماعية. أما المقاتلون القادمون من مناطق بعيدة ثقافيا مثل آسيا الوسطى أو القوقاز أو البلقان، فإنهم غالبا ما يواجهون صعوبات أكبر في الاندماج بسبب الحواجز اللغوية والثقافية، ما يجعل وجودهم أكثر عزلة داخل مجتمعات مغلقة نسبيا. هذه الفجوة لا تؤثر فقط في حياتهم الاجتماعية، بل تنعكس أيضا على تقديرات المخاطر الأمنية المرتبطة بهم، إذ ينظر إلى الجماعات الأكثر انعزالا على أنها أكثر عرضة للحفاظ على هويات قتالية أو تنظيمية منفصلة عن المجتمع المحلي.
ضمن هذا السياق العام، تبرز حالة المقاتلين المغاربة بوصفها حالة خاصة تتسم بدرجة عالية من التعقيد. فهؤلاء وجدوا أنفسهم بين خيارين كلاهما صعب: البقاء في سوريا ضمن وضع قانوني غير محسوم، أو العودة إلى بلدانهم الأصلية مع ما قد يرافق ذلك من تبعات قانونية وأمنية قاسية، فالدول المغاربية، مثل المغرب والجزائر وتونس، اعتمدت خلال السنوات الماضية مقاربات أمنية صارمة تجاه مواطنيها الذين التحقوا بالحركات الجهادية في الخارج، حيث تم تصنيف كثير منهم ضمن قوائم الإرهاب، كما صدرت تشريعات تجرم الالتحاق بالتنظيمات المسلحة خارج الحدود. وبناء على هذه القوانين قد يواجه العائدون تحقيقات مطولة ومحاكمات قد تنتهي بأحكام سجن طويلة، وهو ما يجعل خيار العودة محفوفا بمخاطر كبيرة.
لهذا السبب يميل عدد من المقاتلين المغاربة إلى اعتبار البقاء في سوريا، حتى في ظل وضع قانوني غامض، خيارا أقل خطورة من العودة إلى بلدانهم الأصلية. فالبقاء يمنحهم على الأقل هامشا من الاستقرار النسبي وإمكانية بناء حياة جديدة داخل بيئة أصبحت مألوفة لهم بعد سنوات من الإقامة والقتال. كما أن بعضهم أسس بالفعل علاقات اجتماعية أو عائلية داخل المجتمع المحلي، وهو عامل يعزز رغبتهم في الاستقرار بدلا من العودة إلى واقع قانوني غير مؤكد في بلدانهم. ومع مرور الوقت قد يتحول وجودهم من حالة استثنائية مرتبطة بالحرب إلى مسألة اندماج اجتماعي طويل الأمد، خاصة إذا قررت السلطات السورية مستقبلا تبني سياسات أكثر مرونة في تسوية أوضاعهم القانونية.
وفي المحصلة، فإن مستقبل المقاتلين الأجانب، وخاصة العرب والمغاربة، سيظل مرتبطا بثلاثة عوامل رئيسية: شكل الدولة السورية الجديدة وإطارها القانوني، وموقف الدول الأصلية من مواطنيها الذين شاركوا في النزاع، وقدرة هؤلاء المقاتلين أنفسهم على التحول من فاعلين عسكريين إلى أفراد يسعون إلى الاستقرار داخل مجتمع ما بعد الحرب. وفي ظل غياب حلول واضحة حتى الآن، يبقى وضعهم معلقا بين الاندماج المحتمل والتهميش القانوني، وهي معادلة دقيقة ستظل تؤثر في التوازنات الأمنية والسياسية في سوريا خلال السنوات المقبلة..
السيناريوهات المستقبلية
يرتبط مستقبل المقاتلين الأجانب في سوريا بعدة مسارات محتملة، تعكس توازنات معقدة بين ضرورات بناء الدولة الجديدة، وضغوط المجتمع الدولي، وحسابات الفاعلين المحليين. ومن أبرز هذه المسارات سيناريو يقوم على اندماج مشروط وتدريجي لهؤلاء المقاتلين داخل مؤسسات الدولة الناشئة. يقوم هذا المسار على تفكيك تدريجي للبنى الفصائلية التي تشكلت خلال سنوات الحرب، خاصة الوحدات العسكرية الأجنبية التي كانت تعمل بشكل شبه مستقل، ثم إعادة توزيع عناصرها على وحدات عسكرية سورية مختلطة لضمان الحد من الروابط الفصائلية الضيقة وتعزيز الانضباط المؤسسي. ويواكب هذا التفكيك برنامج من إعادة التأهيل الديني والفكري، يهدف إلى إعادة تفسير الخطاب الديني بطريقة أكثر ارتباطا بفكرة الدولة الوطنية، بما يقلل من النزعات الجهادية العابرة للحدود ويعزز مفهوم الولاء للدولة الجديدة. كما قد تفتح أمام بعض المقاتلين فرص عمل مدنية أو عسكرية محدودة، بعد إخضاعهم لعمليات تدقيق أمني صارمة للتأكد من استعدادهم للاندماج والالتزام بقواعد الدولة. وفي مرحلة لاحقة قد يطرح خيار منح الجنسية السورية لبعضهم، لكن بشكل مشروط وبعد فترة اختبار طويلة تسمح للسلطات بتقييم مدى التزامهم واستقرارهم داخل الإطار القانوني الجديد.
يساهم هذا المسار، في حال نجاحه، في تعزيز استقرار الدولة الناشئة من خلال تقليص احتمالات التمرد أو الانشقاق، كما يسمح بالاستفادة من الخبرات العسكرية التي اكتسبها هؤلاء المقاتلون خلال سنوات الحرب. غير أن هذا السيناريو لا يخلو من تحديات، إذ قد يرفض جزء من المقاتلين هذا التحول من مشروع جهادي عابر للحدود إلى إطار وطني ضيق، الأمر الذي قد يؤدي إلى انشقاقات محدودة أو حالات تمرد موضعية. كما أن عملية الاندماج وإعادة التأهيل قد تكون بطيئة ومعقدة، وتتطلب موارد سياسية وأمنية كبيرة، وهو ما يجعل هذا المسار طويلا نسبيا من حيث الزمن.
في المقابل، قد تتجه السلطات الجديدة إلى خيار أكثر حذرا يقوم على ما يمكن وصفه بالاحتواء الرمادي. في هذا السيناريو يتم الإبقاء على المقاتلين الأجانب في هامش غير رسمي من الدولة، بحيث لا يتم دمجهم بالكامل في المؤسسات السيادية، وفي الوقت نفسه لا يتم إقصاؤهم بشكل مباشر. ويقوم هذا الوضع على تجميد ملف الجنسية والحقوق السياسية، مع إبقائهم في وضع قانوني غير واضح يضعهم بين حالتي الإقامة المؤقتة والوجود غير المعترف به رسميا. ويواكب ذلك فرض رقابة أمنية مشددة على تحركاتهم ونشاطاتهم، إلى جانب تقييد وصولهم إلى المناصب الحساسة داخل الجيش أو الأجهزة الأمنية، مع السماح لهم في بعض الحالات بالعمل في القطاع الخاص أو في مجالات اقتصادية محدودة.
يوفر هذا النهج قدرا من المرونة السياسية للسلطات الجديدة، إذ يسمح لها بتجنب الالتزامات القانونية الثقيلة التي قد تترتب عن منح الجنسية أو دمجهم الكامل في المؤسسات، كما يمنحها مساحة للمناورة في مواجهة الضغوط الدولية التي تبدي حساسية كبيرة تجاه وجود مقاتلين أجانب في بنى الدولة السورية الجديدة. غير أن هذا الخيار يحمل في طياته مخاطر طويلة المدى، إذ إن إبقاء هذه الفئة في وضع قانوني غامض قد يخلق شعورا دائما بالتهميش وعدم اليقين، وهو ما قد يؤدي إلى توترات كامنة داخل المجتمع أو يدفع بعض الأفراد إلى البحث عن بدائل أكثر راديكالية. كما أن استمرار هذا الوضع لسنوات طويلة قد يزرع بذور عدم استقرار مستقبلي، خاصة إذا تراكمت الإحباطات أو ظهرت أزمات سياسية واقتصادية حادة.
أما المسار الثالث فيتمثل في احتمال حدوث إعادة اصطفاف وانشقاقات داخل صفوف المقاتلين الأجانب، خاصة بين أولئك الذين قد يرون في التحولات السياسية الجديدة تخليا عن المشروع الجهادي الذي جاؤوا من أجله. في هذه الحالة قد تنشق مجموعات محدودة وتنخرط مجددا في مشاريع جهادية عابرة للحدود، أو تلتحق بتنظيمات متطرفة مثل تنظيم الدولة الإسلامية أو غيره من الحركات التي ما تزال تنشط في المنطقة. وقد يتخذ هذا المسار أيضا شكل تشكيل خلايا احتجاجية داخل سوريا نفسها، تعمل بشكل سري أو شبه سري، وقد تنفذ عمليات عنف محدودة ضد أهداف حكومية أو عسكرية بهدف الضغط على السلطة الجديدة أو إثبات استمرار حضورها.
ورغم أن هذا السيناريو قد يؤدي من ناحية معينة إلى تقليص عدد المقاتلين الأجانب الموجودين داخل بنية الدولة، فإنه يحمل مخاطر أمنية واضحة، إذ قد يؤدي إلى موجة جديدة من الاضطرابات أو الهجمات المحدودة التي تهدد الاستقرار الداخلي. كما أن عودة بعض هؤلاء المقاتلين إلى النشاط الجهادي العابر للحدود قد تستقطب عناصر جديدة من الخارج، أو تعيد إحياء شبكات قديمة كانت قد تراجعت خلال السنوات الأخيرة. إضافة إلى ذلك، فإن حدوث مثل هذه الانشقاقات قد يضر بسمعة الدولة السورية الجديدة على المستوى الدولي، خاصة إذا اعتبر أنها لم تنجح في ضبط المجموعات المسلحة التي شاركت في إسقاط النظام السابق.
وعند النظر إلى هذه المسارات مجتمعة، يبدو أن السيناريو الأقرب للتحقق هو ذلك الذي يجمع بين عناصر من الاندماج المشروط والاحتواء الرمادي، بحيث تسعى الدولة الجديدة إلى دمج بعض المقاتلين الذين تثق بولائهم، مع إبقاء آخرين في وضع مراقَب ومحدود الصلاحيات. أما سيناريو الانشقاق الواسع والعودة إلى العمل الجهادي، فيظل احتمالا قائما لكنه أقل ترجيحا، ما لم تتدهور الظروف السياسية والأمنية بشكل كبير أو يحدث صدام مباشر بين السلطة الجديدة وهذه المجموعات. وفي كل الأحوال سيظل مستقبل المقاتلين الأجانب أحد أكثر الملفات تعقيدا في مرحلة ما بعد الحرب في سوريا، نظرا لتشابك أبعاده الأمنية والقانونية والأيديولوجية، وتأثيره المباشر على استقرار الدولة الناشئة وعلاقاتها الإقليمية والدولية.
الخلاصات الرئيسية
تمثل قضية المقاتلين الأجانب الاختبار الأكثر حساسية لتحول أحمد الشرع من قائد جهادي إلى رئيس دولة. الدولة بطبيعتها كيان وطني يسعى للاعتراف الدولي والاستقرار، بينما الجهادية الأممية مشروع يتجاوز الحدود ويرفض منطق الدولة القومية والسيادة الشعبية.
الفجوة الأيديولوجية بين الشرع والمقاتلين الأجانب حقيقية وعميقة. التحول من خطاب الحاكمية إلى خطاب السيادة الشعبية ليس مجرد تكتيك سياسي، بل انقلاب جوهري في البنية المفاهيمية للمشروع.
الاحتمال الأكبر هو أن يحدث تكيف براغماتي لدى شريحة معتبرة من المقاتلين الأجانب، خاصة إذا توفرت فرص اقتصادية واجتماعية. لكن هذا التكيف لن يكون كاملا ستبقى نواة عقائدية صلبة ترى في الدولة محطة مؤقتة وليس غاية نهائية.




تعليقات الزوار ( 0 )