في وقت تتجه فيه أنظار العالم إلى بؤر التوتر في شرق المتوسط وليبيا ومنطقة الساحل، يتشكل بهدوء محور استقرار على الضفة الغربية للمتوسط تقوده كل من تركيا والمغرب. محور لا تصنعه الشعارات الكبرى، بل تبنيه المصالح المتقاطعة، والبراغماتية الاقتصادية، والتكامل الأمني المتدرج.
ووفق تقرير نشره موقع Caucasus & Caspian Intelligence المتخصص في التحليلات الجيوسياسية، فإن العلاقات بين أنقرة والرباط شهدت خلال عام 2025 تحولا نوعيا، انتقلت معه من تعاون اقتصادي تقليدي إلى شراكة استراتيجية متكاملة، تقوم على رافعتين أساسيتين: الاقتصاد والدفاع.
واستنادا إلى المصادر ذاتها، فإن الاتفاقية التجارية الحرة بين البلدين، الموقعة سنة 2006، شكلت قاعدة هذا التقارب، غير أن السنوات الأخيرة عرفت مراجعات عملية لمعالجة اختلال الميزان التجاري الذي كان يثير تحفظات مغربية.
وبحلول 2025، تجاوز حجم المبادلات التجارية سقف 5 مليارات دولار، مع حضور قرابة 250 شركة تركية في السوق المغربية، واستثمارات مباشرة تتجاوز مليار دولار، وفرت نحو 20 ألف فرصة عمل.
ويعكس هذا التحول انتقال العلاقة من منطق “التصدير نحو المغرب” إلى “الإنتاج داخل المغرب”، حيث أصبحت المناطق الصناعية في الدار البيضاء وطنجة تستقبل مشاريع تركية في مجالات النسيج والبنية التحتية والصناعة التحويلية، ما يعزز تموقع المملكة كمنصة أطلسية نحو إفريقيا والأمريكتين، ويمنح أنقرة موطئ قدم استراتيجيا خارج فضائها التقليدي.
وعلى المستوى الأمني، تسارعت وتيرة التعاون العسكري بين البلدين، خاصة في مجال الطائرات المسيرة. فبعد اقتناء المغرب لمنظومة “بيرقدار TB2” سنة 2021، شهد فبراير 2025 تسليم دفعات من طائرات “بيرقدار أقينجي” المتطورة، في خطوة تعكس مستوى الثقة السياسية والعسكرية بين الجانبين.
وأضاف التقرير، أن هذا التعاون لا يقتصر على اقتناء المعدات، بل يتجه نحو نقل الخبرات وبناء قدرات محلية في الصيانة وربما التجميع، بما يعزز استقلالية القرار الدفاعي المغربي في بيئة إقليمية متوترة، تمتد من تحديات الساحل إلى النزاع المفتوح حول الصحراء.
ويرى المصدر ذاته، أن التقارب المغربي التركي يجد تفسيره أيضا في الجغرافيا السياسية. فالمغرب يمثل بوابة أطلسية وإفريقية مهمة، مستفيدا من شبكة اتفاقياته التجارية مع الولايات المتحدة وإفريقيا جنوب الصحراء، بينما تفتح تركيا أمام الرباط آفاق البلقان وآسيا الوسطى والبحر الأسود.
كما أن الاستعدادات المغربية لاستضافة كأس العالم 2030 تعزز فرص الشركات التركية في مجالات البناء والبنية التحتية، ما يرسخ بعدًا عمليًا للتكامل الاقتصادي بين البلدين.
ويخلص التقرير إلى أن محور أنقرة الرباط يقدم نموذجا لما يمكن تسميته “الاستقلالية الاستراتيجية المتبادلة”، حيث يختار الطرفان الاستثمار في شراكتهما بدل الارتهان لمعادلات القوى الكبرى.




تعليقات الزوار ( 0 )