في ظل تصاعد النزاعات الممتدة وعجز الآليات الدبلوماسية التقليدية عن إنتاج حلول عملية، بدأت تتبلور أشكال جديدة من حكامة السلام على المستوى الدولي، من أبرزها مبادرة “مجلس السلام”، التي تسعى إلى الانتقال من الدبلوماسية الخطابية إلى مقاربات أكثر عملية واستدامة في تدبير النزاعات، خاصة في مناطق التوتر المزمن مثل الشرق الأوسط وإفريقيا.
وفي هذا السياق، سلط تقرير تحليلي نشرته منصة Modern Diplomacy الأمريكية، بقلم الدكتور الشرقاوي الروداني، الضوء على خلفيات ودلالات توجيه دعوة رسمية إلى المملكة المغربية للانضمام إلى مجلس السلام، معتبرا أن هذه الدعوة لا تندرج في إطار المجاملة الدبلوماسية، بل تعكس اعترافا دوليا بدور المغرب كفاعل موثوق في هندسة السلام والاستقرار في نظام دولي يشهد تحولات عميقة.
ويشير التقرير إلى أن النظام الدولي لم يعد يواجه نزاعات ظرفية أو محدودة، بل صراعات طويلة الأمد، متشابكة، تتغذى من الانقسامات الجيوسياسية، وتستنزف أدوات الوساطة التقليدية، وعلى رأسها التعددية التصريحية وقرارات الإدانة غير المصحوبة بآليات تنفيذ. وفي هذا السياق الجديد، لم يعد السؤال المطروح هو “من يتحدث عن السلام؟” بل “من يمتلك القدرة العملية على بنائه والحفاظ عليه؟”.
ويبرز التقرير أن مجلس السلام جاء استجابة لهذه التحولات، باعتباره إطارا عمليا يهدف إلى ترجمة الإرادة السياسية إلى آليات تنسيق واستقرار ملموسة، دون أن يشكل بديلا عن منظومة الأمم المتحدة، بل مكملا لها، خاصة في الحالات التي تعرف جمودا سياسيا أو إنهاكا مؤسساتيا يعيق التنفيذ الفعلي لقرارات الشرعية الدولية.
ويرى كاتب التقرير أن حضور المغرب داخل هذه البنية الناشئة يستند إلى شرعية دبلوماسية وقانونية ومؤسساتية عالية، تعززها الدعوة الشخصية التي وجهها الرئيس الأمريكي إلى الملك محمد السادس للانضمام إلى المجلس كعضو مؤسس.
ويؤكد أن هذه الخطوة تحمل دلالة استراتيجية في لحظة يشهد فيها النظام الدولي إعادة تشكل عميقة في مقاربات إدارة النزاعات.
ويضيف أن المغرب يتموقع داخل هذه المعادلة كفاعل يتبنى دبلوماسية غير اصطفافية، قائمة على التوازن وضبط النفس، مع التزام صارم بالمرجعيات الأممية، ما يمنحه مصداقية خاصة داخل أي آلية دولية تسعى إلى الجمع بين الشرعية والفعالية.
ويربط التقرير بين إنشاء مجلس السلام ومستجدات الوضع في الشرق الأوسط، خاصة في قطاع غزة، مذكرا بأن قرار مجلس الأمن رقم 2803 (2025) دعا إلى إرساء آليات مخصصة للاستقرار والتنسيق والحكامة في مرحلة ما بعد النزاع.
وبحسب التقرير، لم تعد غزة بحاجة فقط إلى مساعدات إنسانية طارئة، بل إلى تصور شامل لإعادة البناء المؤسساتي والاقتصادي والاجتماعي.
ويؤكد أن هذا القرار يعكس إدراكا دوليا متزايدا بأن إدارة الأزمات في المنطقة لا يمكن أن تتم عبر مقاربات مجزأة أو متعاقبة، بل تتطلب آليات مندمجة تجمع بين الأمن، والحكامة الانتقالية، وإعادة الإعمار، والبعد السياسي.
وفي تحليله لدور المغرب، يبرز التقرير تجربة المملكة في إفريقيا، حيث لعبت أدوارا وازنة في دعم مسارات الحوار، كما هو الحال في ليبيا، من خلال توفير منصة محايدة منسجمة مع المرجعيات الأممية، أو في منطقة نهر مانو، عبر ربط الأمن بالحكامة والتنمية والتعاون الإقليمي.
كما توقف التقرير عند المبادرة المغربية الرامية إلى فك العزلة عن منطقة الساحل، عبر مشاريع الربط اللوجستي والاقتصادي، معتبرا أن هذا التوجه يقدم نموذجا مختلفا للاستقرار، يقوم على التنمية والاندماج بدل الاقتصار على المعالجة الأمنية، وهو ما يشكل إسهاما نوعيا في أدبيات بناء السلام.
وعلى مستوى الشرق الأوسط، يشير التقرير إلى أن المغرب يحتل موقعا دبلوماسيا فريدا، يتيح له التواصل مع مختلف أطراف النزاع الفلسطيني الإسرائيلي دون الانخراط في اصطفافات جامدة.
كما يبرز دوره العملي في إيصال المساعدات الإنسانية إلى غزة خلال فترات التصعيد، والمساهمة في تسهيل مرور المساعدات والتجارة بين الأردن والضفة الغربية.
ويرتبط هذا الدور، بحسب التقرير، بالرئاسة التي يضطلع بها الملك محمد السادس للجنة القدس، بما تمنحه من شرعية سياسية وأخلاقية قائمة على القانون الدولي وحماية الحقوق الفلسطينية، بعيدا عن الشعارات الظرفية.
ولا يغفل التقرير الإشارة إلى التحديات التي قد تواجه مجلس السلام، من بينها مخاطر التوظيف السياسي، وإشكالية الشرعية مقارنة بالآليات الأممية، فضلا عن رهانات الاستمرارية في ظل تغير السياقات السياسية. غير أن مشاركة المغرب، وفق التحليل، تشكل عنصر توازن داخل هذه البنية، بحكم التزامه الدائم بالشرعية الدولية ورفضه لمنطق الاستقطاب.
ويخلص التقرير إلى أن النموذج المغربي يجسد ما يسميه بـ“السلام التطبيقي”، أي القدرة على تصميم السلام وتنفيذه والحفاظ عليه عبر مزاوجة القانون الدولي بالأمن والحكامة والعمل الإنساني.
وبحسب التقرير، يبرز المغرب كفاعل إسناد استراتيجي، شريطة أن ينظر إلى السلام لا كشعار سياسي، بل كمسار طويل يتطلب الانضباط، والصبر الاستراتيجي، والقدرة على الفعل.



تعليقات الزوار ( 0 )