يثير ميثاق ما يُسمّى بـ“مجلس السلام”، الذي أعلن عنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، جملة من التساؤلات الجوهرية المرتبطة ببنيته التأسيسية وغموض مضمونه السياسي، سواء من حيث تحديد الأهداف والمبادئ أو ضبط الصلاحيات وآليات العمل. فالمبادرة التي تُطرح في سياق دولي شديد الحساسية، وفي ظل واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية والسياسية تعقيداً في غزة، تبدو حتى الآن أقرب إلى إطار رمزي فضفاض منها إلى مشروع مؤسسي مكتمل قادر على إدارة نزاعات ممتدة ومتعددة الأطراف.
على المستوى الشكلي، يكشف تفحص بنية الميثاق عن اختلال واضح بين تحديد الغاية وصياغة الآليات، فبينما لا تحظى الأهداف العامة للمجلس إلا بفقرة مقتضبة، تنصرف بقية المواد إلى تفصيلات إجرائية تتعلق بالعضوية والتمويل وتنظيم الاجتماعات والصلاحيات الإدارية. هذا التفاوت لا يبدو مجرد مسألة تقنية في الصياغة، بل يعكس استعجالاً في إطلاق المبادرة قبل بلورة تصور فكري وقانوني متماسك يحدد فلسفتها السياسية وموقعها ضمن النظام الدولي.
وعند مقارنته بمواثيق دولية راسخة مثل الأمم المتحدة، التي انطلقت من مبادئ تأسيسية واضحة قبل الانتقال إلى التفاصيل التنظيمية، يظهر الفارق في التدرج المنهجي وفي مركزية الأساس القيمي داخل البناء المؤسسي.
غير أن الإشكال لا يقف عند حدود الصياغة، بل يمتد إلى طبيعة توزيع السلطة داخل المجلس. إذ يمنح الميثاق للرئيس الأميركي ورئيس المجلس صلاحيات واسعة تشمل اختيار الأعضاء ومنح أو حجب العضوية، فضلاً عن امتلاك أدوات تنفيذية قد تصل عملياً إلى حق النقض. هذا التركّز للسلطة يخلق اختلالاً بنيوياً في ميزان القوة، ويحوّل المجلس من إطار يفترض أن يكون متعدد الأطراف إلى هيئة تدور في فلك إرادة سياسية واحدة. وبدلاً من أن يشكّل منصة دولية تشاركية لتدبير النزاعات، يصبح أقرب إلى جهاز يُدار من مركز قرار منفرد، الأمر الذي يثير تساؤلات حول استقلاليته وقدرته على عكس توازنات دولية حقيقية.
وتتضاعف هذه المخاوف عند النظر إلى الطابع المفتوح لاختصاصات المجلس. فالتوصيف الذي يقدّمه الميثاق لهيئة دائمة واسعة الصلاحيات في حل النزاعات العالمية يفتح الباب أمام توسيع نطاق التدخلات خارج السياق الذي أُعلن من أجله. وفي غياب ضوابط دقيقة تحدد مجالات الاختصاص وآليات التفويض الدولي، قد تتحول هذه الصلاحيات إلى أداة قابلة للاستخدام وفق أولويات السياسة الخارجية للدولة الراعية، ما يعزز الانطباع بأن المجلس قد يؤدي وظيفة نفوذ جيوسياسي أكثر مما يؤدي وظيفة وساطة متعددة الأطراف.
أما على المستوى الموضوعي، فإن أبرز ما يلفت الانتباه هو غياب ذكر غزة أو الشعب الفلسطيني بصورة صريحة في الوثيقة التأسيسية، رغم أن السياق السياسي الذي أحاط بإعلان المبادرة يرتبط مباشرة بتطورات القضية الفلسطينية. هذا الغياب لا يمس فقط الجانب الرمزي، بل يطال أساس الشرعية السياسية لأي مبادرة تدّعي معالجة نزاع قائم. فإقصاء أصحاب الشأن المباشرين، أو عدم النص على تمثيلهم ودورهم في صناعة القرار، يضعف صدقية المشروع ويحوّله إلى مبادرة تُدار من خارج فضاء النزاع لا من داخله. والسلام الذي لا يشارك في صياغته المتأثرون به يظل أقرب إلى تسوية مفروضة منه إلى عملية سياسية تفاوضية.
من زاوية أوسع، يستحضر هذا النموذج تجارب تاريخية لآليات إدارة خارجية للنزاعات رُفعت فيها شعارات إعادة الاستقرار وبناء السلام، بينما بقي القرار الفعلي بيد القوى المتدخلة. وتبرز هنا المقارنة مع مرحلة ما بعد عام 2003 في العراق، حين تولى بول بريمر إدارة سلطة الائتلاف المؤقتة باعتباره حاكماً مدنياً، لتتخذ الإدارة الأميركية قرارات مصيرية باسم العراقيين خلال المرحلة الانتقالية. ورغم اختلاف السياقات السياسية والقانونية، فإن التشابه يكمن في منطق تركّز القرار بيد طرف خارجي مقابل دور محلي محدود في تقرير المصير.
إن مجمل هذه المعطيات تجعل من “مجلس السلام” مبادرة تستدعي نقاشاً نقدياً يتجاوز المواقف السياسية الآنية إلى مساءلة بنيتها المؤسسية ومنطق اشتغالها. فالمسألة لا تتعلق فقط بجدوى المبادرة أو نواياها المعلنة، بل بطبيعة النموذج الذي تقترحه لإدارة النزاعات: هل هو نموذج وساطة متعددة الأطراف قائم على التمثيل والمشاركة، أم صيغة جديدة لإعادة إنتاج الهيمنة تحت عنوان السلام؟
وبين الخطابين تتحدد في النهاية حدود الشرعية السياسية لأي إطار دولي يسعى إلى التدخل في نزاعات معقدة وممتدة.





تعليقات الزوار ( 0 )