في شتنبر 1978، اتخذ الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو قرارا غير معتاد في مساره الفكري، حين سافر إلى إيران للعمل مراسلا صحافيا لجريدة كورييري ديلا سيرا الإيطالية، في لحظة كان قد بلغ فيها ذروة الاعتراف الأكاديمي والفلسفي.
لم يكن فوكو في حاجة إلى هذه المغامرة المهنية، فقد كانت أعماله الكبرى حول المعرفة والسلطة والانضباط قد رسخت مكانته منذ ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، ولكن مع ذلك فضل أن يغادر مكتبه الجامعي وينخرط ميدانيا في متابعة حدث تاريخي استثنائي، معّضاً سمعته الفكرية والأكاديمية لمخاطر التأويل وسوء الفهم.
يطرح هذا الخيار سؤالا مركزيا: لماذا ارتضى ميشال فوكو أن يكون مراسلا صحافيا في قلب الثورة الإيرانية؟
الجواب لا ينفصل عن طبيعة اللحظة التاريخية ولا عن التحولات التي عرفها فكر فوكو نفسه، فقد رأى في الثورة الإيرانية حدثا يصعب إدراجه ضمن القوالب التحليلية الجاهزة للحداثة الأوروبية، واعتبرها لحظة انفلات من “الترسيمة الغربية” التي اعتادت تفسير الثورات من خلال ثنائيات التقدم والتخلف، العقلانية واللاعقلانية، العلمنة والدين.
ما شد انتباه فوكو في إيران لم يكن البرنامج السياسي للثورة بقدر ما كان ذلك الزخم الجماعي الذي اجتاح الشارع، حيث امتزجت السياسة بالدين، والاحتجاج بالطقس، والعنف بالأمل الجماعي، لقد لاحظ الفيلسوف كيف تحولت الممارسة السياسية إلى تجربة وجودية وأخلاقية، يعيشها الأفراد بأجسادهم ومعتقداتهم، في مواجهة آلة القمع المتمثلة في جهاز “السافاك”.
من هنا صاغ فوكو مفهومه الإشكالي: “الروحانية السياسية”، أي تلك اللحظة التي يتجاوز فيها الفعل السياسي منطقه الأداتي ليصبح بحثا عن معنى وعن شكل جديد للتحرر.
ولا يمكن فهم هذا المفهوم دون استحضار السياق الفلسفي الذي كان يشتغل فيه فوكو آنذاك، خاصة تأثره بأفكار الفيلسوف والمؤرخ الماركسي الألماني إرنست بلوخ صاحب كتاب “مبدأ الأمل“.
لقد اعتبر بلوخ أن الأمل ليس مجرد نزعة نفسية أو انتظار سلبي، بل هو قوة تاريخية ووجودية قادرة على فتح أفق المستقبل، هذا التصور وجد صداه عند فوكو الذي كان يبحث عن أشكال بديلة للفعل السياسي خارج مركزية الحداثة الغربية ومنطقها العقلاني الصارم.
لهذا السبب، لم يتعامل فوكو مع الثورة الإيرانية بوصفها نكوصا دينيا أو تعبيرا عن تأخر تاريخي، بل بوصفها تجربة مغايرة تزعزع اليقين الأوروبي وتحرج ادعاءه الكونية، وهكذا اتسمت كتاباته عن إيران بنبرة انبهار حذر، هي أقرب إلى محاولة الفهم من الداخل بعيدا عن التحليل البارد أو الحكم المسبق.
غير أن ما آلت إليه الثورة، ولا سيما بعد قيام نظام ديني قائم على القمع، والعقوبات الجسدية، وتصفية شركاء الثورة من اليساريين، والتضييق على النساء، جعلت فوكو عرضة لنقد لاذع من لدن جمهرة من المثقفين، خاصة من اليسار الأوروبي، حيث وجهت إليه اتهامات بالسذاجة السياسية، وبالعجز عن رؤية تشكل سلطة جديدة لا تقل عنفا عن سلطة الشاه، وظهر فوكو في نظر منتقديه بأن فيلسوف السلطة أخطأ في تشخيص ميلاد سلطة دينية جديدة.
وقد ترك هذا الجدل أثرا عميقا في فوكو، لا سيما أن النقد تجاوز النقاش الفكري إلى التجريح الشخصي، لذلك نشر مقالاً شهيرا في صحيفة لوموند الفرنسية في ماي 1979، أكد من خلاله موقفه الأخلاقي الواضح قائلا إنه يعارض قطع الأيدي التي يمارسها نظام الملالي، تماما كما عارض جرائم “السافاك” في عهد الشاه، وأعلن رفضه اختزال موقفه في مراجعة سياسية انتهازية.
بالنسبة لميشيل فوكو، لم تكن تجربته الإيرانية “خطأً سياسياً” بقدر ما كانت مغامرة فكرية واعية. فالفكر، في نظره، لا يُقاس بصحة نتائجه العملية، بل بقدرته على تعريض نفسه للمخاطرة، وعلى طرح أسئلة محرجة ومفتوحة.
وقد خلفت هذه المغامرة أسئلة ما تزال راهنة إلى اليوم، ومن أهم هذه الأسئلة: كيف يمكن فهم الثورات خارج مركزية الغرب؟ وكيف يمكن التمييز بين لحظة التحرر ولحظة تأسيس سلطة جديدة؟ وهل يمكن للروحانية أن تكون أفقا للتحرر دون أن تنقلب إلى أداة للقمع؟
بهذا المعنى، لم يكن اختيار فوكو العمل مراسلا صحافيا يشتغل في الميدان عن قرب مجرد قرار مهني عابر، بل كان تعبيرا عن قناعة فلسفية عميقة بأن التفكير الحقيقي يبدأ حين يغامر الفيلسوف بالنزول إلى قلب الحدث، وأقرب سبيل للميدان هي الصحافة والإعلام الذي تحول في زمن الـ GAFAM والذكاء الاصطناعي والستارلينك إلى كتاب مقدس يتلاعب بالعقول عن بعد.
والفيلسوف اختار أن يغطي الحدث عن قرب، والسبيل هي صحافة الميدان.





تعليقات الزوار ( 0 )