لطالما شكل الموقف العملي للجماعات الجهادية، وتحديدا تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وتنظيم القاعدة، من الصراع مع إسرائيل لغزا ومفارقة تحليلية. ففي الوقت الذي تتبنى فيه هذه التنظيمات خطابا عقائديا متشددا يضع اليهود والصليبيين في صدارة قائمة الأعداء، فإنها نادرا ما تخوض حربا مباشرة أو منظمة ضد إسرائيل، بل وتفضل في كثير من الأحيان قتال الأنظمة المحلية والفصائل الإسلامية الأخرى. وقد تجدد هذا التساؤل بقوة في أعقاب عملية طوفان الأقصى في أكتوبر 2023، حيث ظل التفاعل الجهادي مع الحدث محكوما بأولويات عقائدية واستراتيجية راسخة، لم تتغير جذريا بفعل التطورات الميدانية .
أولا: فقه الأولويات العقائدي: العدو القريب أولا
إن الرؤية الأساسية التي تفسر موقف الجماعات الجهادية، وخاصة داعش، هي عقيدة العدو القريب والعدو البعيد.
هذه العقيدة، المستمدة من قراءات للتراث الإسلامي، تضع قتال الأنظمة الحاكمة في الدول الإسلامية (التي تصنف باعتبارها مرتدة) في مرتبة متقدمة على قتال الكفار الأصليين (بمن فيهم اليهود والصهاينة) .
المنطق الهرمي للصراع
1ـ إزالة المرتدين: يعتبر الجهاديون أن الأنظمة المحلية هي الدرع الحقيقي الذي يحمي إسرائيل والمصالح الغربية. وبالتالي، فإن إسقاط هذه الأنظمة وإقامة دولة التوحيد الخالص هو الشرط الضروري والخطوة الأولى لتحرير فلسطين.
2ـ نموذج صلاح الدين: يستلهم هذا الفكر نموذج القائد صلاح الدين الأيوبي، الذي لم يتجه لتحرير القدس إلا بعد أن أسقط الدولة الفاطمية الشيعية في مصر، موحدا بذلك الجبهة الداخلية السنية. في التفكير الداعشي، يترجم هذا إلى ضرورة القضاء على الشيعة والفصائل المرتدة أولا .
3ـ الشرعية العقائدية للقتال: يرفض تنظيم داعش القتال تحت أي راية غير رايته، ويرى أن الفصائل الفلسطينية التي تعمل ضمن أطر وطنية أو سياسية (مثل حماس) هي فصائل شركية أو مرتدة لا يجوز نصرتها أو القتال معها، وهكذا، تصبح فلسطين هدفا رمزيا وأخرويا، وليست ساحة اشتباك راهنة.
ثانيا: موقف داعش والقاعدة من “طوفان الأقصى”
شكلت عملية “طوفان الأقصى” لحظة كاشفة لاختبار مدى قدرة التنظيمات الجهادية العابرة للحدود على تعديل أولوياتها الخطابية والاستراتيجية في ضوء حدث مركزي بحجم المواجهة الفلسطينية/الإسرائيلية، وقد أظهرت ردود الأفعال الصادرة عن تنظيمي الدولة الإسلامية (داعش) والقاعدة تباينا واضحا في المقاربة، لكنها في العمق أكدت ثبات الاستراتيجيات الكبرى لكل تنظيم وعدم قابليتها للاهتزاز أمام التحولات الظرفية.
ففي حين اختار تنظيم داعش موقفا متحفظا اتسم بالغموض المتعمد، إذ لم يبارك العملية صراحة ولم يشر إلى حركة حماس أو كتائب القسام بالاسم، مكتفيا بخطاب عام حول نصرة المسلمين، فإن هذا الصمت لم يكن حياديا ولا عارضا، بل منسجما تماما مع بنيته العقائدية الصلبة. فالتنظيم لا يزال ينظر إلى حماس باعتبارها حركة مرتدة بحكم مشاركتها في العملية السياسية، وقبولها بمنطق الدولة الوطنية، وعلاقتها الوثيقة بإيران التي تمثل في أدبيات داعش العدو العقدي الأول.
ومن هذا المنطلق، أعادت افتتاحيات صحيفة (النبأ) التأكيد على مركزية قتال المرتدين من حكام الدول الإسلامية قبل قتال اليهود، معتبرة أن هذه الأنظمة تشكل الدرع الحقيقي الذي يحمي إسرائيل ويضمن استمرار تفوقها.
وبهذا المعنى، لم تكن عملية طوفان الأقصى كافية لإعادة ترتيب سلم الأولويات الداعشية، التي بقيت أسيرة تصور عقدي مغلق يرفض أي تقاطع مرحلي مع فاعلين لا ينتمون إلى رؤيته الشاملة.
في المقابل، بدا تنظيم القاعدة وفروعه أكثر مرونة وبراغماتية في تعاطيه مع الحدث، إذ سارع إلى مباركة العملية والإشادة بـكتائب القسام بوصفها جناحا مقاوما، مع تعمد واضح لتجاهل ذكر حركة حماس ككيان سياسي. هذا التمييز بين الجناح العسكري والسياسي يعكس استراتيجية دعائية محسوبة، تهدف إلى استثمار الرمزية العالية للقضية الفلسطينية في استعادة الزخم الشعبي الذي فقدته القاعدة خلال السنوات الأخيرة، دون الدخول في صدام عقدي مباشر مع واقع معقد. فالقاعدة، بخلاف داعش، تعتمد خطابا أقل حدة في مسائل التكفير، وتسمح لنفسها بهوامش تكتيكية أوسع تمكنها من مخاطبة جمهور أوسع واستعادة موقعها كفاعل مركزي في خطاب الجهاد العالمي.
ورغم هذا التباين في المواقف، فإن الحدث لم يؤد إلى مراجعات استراتيجية حقيقية داخل أي من التنظيمين. فداعش، مع إدراكه لاستحالة تنفيذ عمليات منظمة داخل إسرائيل بسبب القبضة الأمنية المحكمة، اتجه نحو تفعيل استراتيجية الذئاب المنفردة خارج مسرح الصراع المباشر.
وقد تجلى ذلك في تصاعد خطاب التحريض على استهداف المصالح اليهودية والغربية في أوروبا وأمريكا الشمالية، في محاولة لاستثمار اللحظة العاطفية والغضب الشعبي دون التنازل عن ثوابته العقدية أو الاعتراف بشرعية فاعلين آخرين. هذا التحول لا يعكس مرونة فكرية بقدر ما يعبر عن تكيف تكتيكي مع القيود الأمنية والجيوسياسية، يهدف إلى إبقاء التنظيم حاضرا في المشهد العالمي بوصفه فاعلا منتقما لا شريكا في معركة تحرير وطنية.
وعليه، تكشف عملية طوفان الأقصى أن التنظيمات الجهادية، على اختلافها، لا تتعامل مع القضية الفلسطينية بوصفها أولوية مستقلة، بل كأداة ضمن صراعاتها الأوسع على الشرعية والتمثيل داخل الفضاء الجهادي العالمي. فالتباين بين داعش والقاعدة هو تباين في الأسلوب والخطاب، لا في الجوهر، إذ ظل كل منهما أسير استراتيجيته الكبرى التي تضع حسابات التنظيم والعقيدة فوق أي اعتبارات ظرفية أو وطنية، مهما بلغت رمزية الحدث أو زخمه.
ثالثا: المناعة الأمنية والبيئة المحلية
إلى جانب العوامل العقائدية، هناك قيود واقعية تمنع الجماعات الجهادية من تحويل فلسطين إلى ساحة مركزية لعملياتها:
1ـ المناعة الأمنية الإسرائيلية: تتمتع إسرائيل بأحد أقوى الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في العالم، مما يجعل اختراق الحدود وتنفيذ عمليات واسعة النطاق أمراً بالغ الصعوبة وعالي الكلفة على أي تنظيم.
2ـ هيمنة الفصائل المحلية: تسيطر فصائل المقاومة المحلية (حماس والجهاد الإسلامي) على الساحة الفلسطينية، وتتمتع بشرعية شعبية وتنظيمية قوية. هذه الفصائل تغلق المجال أمام أي اختراق واسع لتنظيمات مثل داعش، التي ترفضها البيئة الاجتماعية الفلسطينية بسبب منهجها التكفيري .
3ـ الرفض الشعبي: يرفض الشارع الفلسطيني، بمعظمه، المنهج التكفيري لداعش، خاصة ضد فصائل المقاومة التي تحظى بدعم واسع. هذا الرفض يمنع التنظيم من بناء قاعدة شعبية أو تنظيمية فاعلة داخل الأراضي الفلسطينية.
خاتمة: فلسطين كأداة رمزية لا كأولوية مركزية
إن غياب الاشتباك المباشر والمنظم للجماعات الجهادية مع إسرائيل ليس دليلا على تراجع العداء العقائدي، بل هو انعكاس لـقرار استراتيجي يقوم على فقه الأولويات.
بالنسبة لتنظيم داعش، تظل فلسطين أداة دعائية ظرفية ورمزا أخرويا، لا هدفا سياسيا مرحليا، لأن استراتيجية التنظيم تقوم على أن قتال المرتدين هو مفتاح تحرير القدس، وأن أي قتال تحت راية غير راية التوحيد الخالص هو قتال غير شرعي.
ومع استمرار الحرب في غزة، من المرجح أن يظل هذا النمط قائما، وستستمر الجماعات الجهادية في توظيف القضية الفلسطينية في خطابها الدعائي، لكنها ستظل تركز جهودها العملياتية على ساحات أخرى، سواء في قتال الأنظمة المحلية أو في تنفيذ هجمات الذئاب المنفردة في الغرب، بعيدا عن الاشتباك المركزي مع إسرائيل.





تعليقات الزوار ( 0 )