يعود النقاش حول موقع اليسار في المشهد السياسي المغربي إلى الواجهة في سياق يتسم بإعادة ترتيب التوازنات الحزبية واستحضار تجارب وحدوية سابقة امتدت لما يقارب عقدين، وهذا النقاش لا ينفصل عن التحولات التي تعرفها البلاد، سواء على مستوى تدبير الشأن العام أو في ارتباط بالقضية الوطنية وآفاق الإصلاح الديمقراطي، حيث إنه داخل هذا السياق، تتجدد الأسئلة حول قدرة اليسار على بلورة عرض سياسي موحد يستجيب لانتظارات المغاربة ويستثمر تراكماته التنظيمية.
وفي هذا الحوار، يستحضر عبد السلام العزيز، الأمين العام لحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي، محطات زمنية مفصلية انطلقت منذ منتصف العقد الأول من الألفية، ويقارب دعوات التنسيق الحالية في ضوء تلك التجارب، كما يتوقف عند طبيعة العلاقة مع فاعلين يساريين بارزين، ورهانات المرحلة السياسية المقبلة.
-كيف تقرؤون دعوة تنسيق اليسار التي طرحت مؤخرا؟
ما طرح اليوم لا يتعلق بتوحيد تنظيمي بالمعنى الذي اشتغلنا عليه منذ سنة 2006، وآنذاك بدأنا مسارا استراتيجيا توج سنة 2007 بالدخول إلى الانتخابات في إطار تحالف سياسي بين مكونات يسارية، ولم يكن الأمر انتخابيا فقط، بل قمنا بإحداث هيئات تقريرية وتنفيذية مشتركة استمرت إلى حدود 2014، وبعدها انتقلنا إلى صيغة أكثر تقدما عبر الفيدرالية.
واليوم يُطرح تنسيق انتخابي محدود قد يشمل ما بين 8 و10 دوائر انتخابية لتفادي التنافس، وكما هو بارز لنا، فهذا مستوى مختلف تماما، ونحن لا نرفض المبدأ، لكن أي تحالف يحتاج وضوحا في الرؤية والأهداف حتى لا يتحول إلى إجراء ظرفي قد يخلق التباسا لدى المواطنين.
-ما الفرق بين تلك التجربة الوحدوية والطرح الحالي؟
التجربة السابقة كانت مشروعا سياسيا طويل النفس هدفه تعميق العلاقات بين التنظيمات اليسارية وبناء قرار مشترك، وبعد محطة انتخابات 2016، ناقشنا سنة 2017 بشكل جماعي ضرورة الانتقال إلى مستوى تنظيمي أعلى، لأن الفيدرالية بلغت سقفا معينا.
وهذا النقاش لم يكن صراع زعامات كما يشاع، بل تفكير في مستقبل العمل الوحدوي، حتى إننا اقترحنا أن يقود هذا المشروع أحد الشباب الذين يقل عمرهم عن 50 عاما، واليوم الحديث يقتصر على تنسيق انتخابي، وهو شيء مختلف تماما عن مشروع الوحدة الاستراتيجية.
-كيف تنظرون إلى التقارب مع باقي مكونات اليسار؟
التقارب مع الحزب الاشتراكي الموحد ممكن جدا لأن الخلفية السياسية والبرامجية متقاربة إلى حد كبير، وقد لاحظنا في الانتخابات السابقة أن نقاط الالتقاء تصل إلى حوالي 90%.
وعلاقتنا اليوم قائمة على الحوار مع قيادته، سواء مع نبيلة منيب أو الأمين العام الحالي جمال العسري، وهذا الأخير جالسته في أكثر من مناسبة ولا زالت لدينا معه لقاءات في المستقبل القريب، باعتباره هو من يقود اليوم حزب الاشتراكي الموحد، ونرى إمكانية الاشتغال المشترك على أساس الوضوح السياسي.
وأما الدعوة التي أطلقها محمد نبيل بنعبدالله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية فهي تحتاج إلى مزيد من التوضيح، خاصة فيما يتعلق بتقييم التجربة الحكومية لهم الممتدة منذ حكومة التناوب أواخر التسعينيات، مرورا بحكومات لاحقة.
واعتبر أن أي تنسيق يجب أن يقوم على قراءة سياسية صريحة وواضحة حتى لا نقدم للمغاربة صورة لا تعكس الاختلافات الحقيقية في المشروع والممارسة، ونكون قادرين على تجاوز الاختلالات التي أدت إلى عدم تحقيق مطالب المواطنين والتخبط في إشكاليات عديدة، التي أبطأت سكة التنمية والنهوض بأحوال بلادنا.
-هل تعتبرون وحدة اليسار ضرورة مرحلية؟
بلادنا تحتاج يسارا قويا يحمل مشروعا ديمقراطيا واجتماعيا واضحا، والوحدة مطلوبة، لكن ليس كشعار، بل يجب أن تقوم على أرضية صلبة تقنع المناضلين أولا والمجتمع ثانيا.
والهدف الأساسي في الأخير هو تقديم بديل يعالج قضايا الفساد، وتضارب المصالح، والاختلالات الاجتماعية، ويعيد الثقة في العمل السياسي.
والوحدة وفق رؤيتنا التي لا تقوم على قناعة مشتركة قد تتحول إلى واجهة انتخابية فقط، وهذا لا يخدم أحدا، ولن يحقق الغايات المنشودة من طرفنا كفاعل سياسي يرغب في تغيير الواقع وإصلاح إشكالياته، وتحقيق مطالب المغاربة بمختلف شرائحهم واختلافاتهم.
-كيف تقاربون مسألة المشاركة في الحكومة؟
السؤال ليس هل نشارك أم لا، بل لماذا نشارك؟ كثيرا ما تتغير الحكومات دون أن تتغير السياسات، وهو ما يضعف الثقة.
واليوم، في ظل حكومة يقودها عزيز أخنوش، يظهر أن الإشكال أعمق من مجرد تداول حزبي، بل يتعلق بطبيعة القرار السياسي وقدرة البرامج على التنفيذ.
ونحن في فيدرالية اليسار الديمقراطي، نطمح للمشاركة عندما تتوفر شروط تسمح بتطبيق مشروع ديمقراطي حقيقي، لا مجرد حضور شكلي.
-ما تصوركم للمرحلة المقبلة في ظل التطورات الوطنية؟
التطورات المرتبطة بمقترح الحكم الذاتي، المطروح منذ سنة 2007، تفتح لحظة سياسية جديدة، ولا معنى لأن يتمتع جزء من المواطنين بصلاحيات موسعة في تدبير شؤونهم بينما تبقى باقي البلاد رهينة اختلالات ديمقراطية.
وما جاء به هذا القرار الأممي المهم، يمثل فرصة لإطلاق إصلاح سياسي حقيقي، ومعالجة التراجعات الحقوقية، ومحاربة تضارب المصالح والفساد.
ونحن في حاجة إلى هزة ديمقراطية تعيد الثقة للمغاربة في مؤسساتهم وفي العملية السياسية، عبر إشارات قوية تشمل احترام الحقوق والحريات وإشراك المواطنين في تدبير الشأن العام.
-ما زال مشروع توحيد اليسار مطروحا؟
مشروع توحيد اليسار ليس قرار شخص أو حزب، بل مسار جماعي، ومنذ 2006 ونحن نشتغل في هذا الاتجاه، ومررنا بمحطات 2007 و2014 و2016 و2017.
واليوم نركز بشكل جماعي على المستقبل، أي كيف نبني عرضا سياسيا عقلانيا ومفيدا للمغاربة، ويعزز حضور اليسار في المجتمع.
ونرى أنه إذا توصلنا إلى صيغة عمل وحدوي تقوم على الوضوح والمصداقية، ففي هذا الجانب، سيشكل ذلك مكسبا سياسياً حقيقيا.
ولا يكفي التنسيق الانتخابي وحده، بل المطلوب بناء بديل ديمقراطي متماسك يعيد الثقة في الفعل السياسي ويمنح اليسار موقعا فاعلا داخل المجتمع.




تعليقات الزوار ( 0 )