لم تكن هزيمة المنتخب الوطني أمام فرنسا موجعة بسبب النتيجة وحدها، فالهزيمة جزء من كرة القدم، وقد يسقط أفضل المنتخبات أمام منافس أكثر خبرة أو أكثر جاهزية. ما عمّق إحباط الجمهور المغربي هو الصورة الباهتة التي ظهر بها الفريق بعد مسار رفع سقف الأحلام، وأقنع المغاربة بأنهم أمام منتخب قادر على مواصلة المغامرة والاقتراب من منصة التتويج. وبين أداء غير مفهوم وصمت رسمي طويل، تمددت الإشاعات، وانتشرت روايات المؤامرة، وتحولت تفاصيل عادية إلى أدلة إدانة في محكمة مواقع التواصل الاجتماعي.
لهذا لم يعد صمت فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، مفيدًا للمنتخب أو للجامعة أو للمشروع الكروي الوطني. ففي لحظات الانتصار، تتكفل الصور والنتائج والاحتفالات بصناعة الرواية، أما في لحظات الخيبة، فإن الصمت لا يحمي المؤسسات، بل يترك فراغًا تملؤه التأويلات والأساطير. والمطلوب اليوم ليس خطابًا انفعاليًا ولا محاولة سريعة لتبرير الهزيمة، وإنما تواصل مؤسساتي واضح يحترم ذكاء الجمهور ويضع الوقائع أمامه.
لقد عاش المغاربة أياما من الحلم الحقيقي، وشاهدوا منتخبهم يتجاوز خصومًا أقوياء ويبلغ ربع النهائي، قبل أن يتوقف مساره أمام فرنسا. وكانت الصدمة مرتبطة خصوصًا بالهيئة التي ظهر بها اللاعبون، وبالعجز عن تنفيذ خطة المدرب، وفق ما تسرب من روايات داخل الجامعة، إلى جانب الإرهاق الذهني وقلة خبرة بعض العناصر الشابة في هذا المستوى من المنافسة، وكثرة التنقلات واختلاف المناخات والمسافات الطويلة التي قطعها المنتخب.
هذه المعطيات يجب أن يسمعها الجمهور مباشرة من المسؤول الأول عن الكرة المغربية، لا عبر مصادر مجهولة أو تسريبات متفرقة. فالجامعة ليست جهازًا سريًا، والمنتخب ليس ملكًا لدائرة مغلقة، بل مؤسسة وطنية تمثل مشاعر ملايين المغاربة. ومن حق هؤلاء أن يعرفوا ماذا وقع فنيًا وذهنيًا وتنظيميًا، ولماذا ظهر الفريق بصورة مختلفة تمامًا عن تلك التي قدمها في مبارياته السابقة.
لقد غذّى غياب المعلومة الرسمية روايات وصلت إلى حد اتهام المنتخب أو الجامعة بـ«بيع المباراة» لفرنسا، وربط الهزيمة بزيارة وزراء فرنسيين إلى المغرب، أو بملف قضائي يخص أشرف حكيمي، أو بابتسامته بعد اللقاء، أو بتغيير لقجع مكان جلوسه في المدرجات. وهي تأويلات لا تقوم على دليل، لكنها تجد تربة خصبة في لحظة الغضب والإحباط.
غير أن تفنيد نظرية المؤامرة لا يتم بالسخرية من أصحابها فقط، بل بتقديم المعلومات والوثائق والأرقام. وكلما تأخرت الجامعة في شرح ما وقع، ارتفعت قدرة الإشاعة على التحول إلى «حقيقة» في أذهان الناس. لذلك يتحمل لقجع مسؤولية مزدوجة: الدفاع عن سمعة المنتخب واللاعبين من الاتهامات غير المؤسسة، وعدم تحويل هذا الدفاع إلى وسيلة للهروب من المحاسبة أو إغلاق باب النقد.
فالمنتخب حقق إنجازًا مهمًا بوصوله إلى ربع النهائي، ولا يجوز تبخيس هذا المسار لأن مباراة واحدة جاءت مخيبة. لكنه إنجاز لا يمنع التقييم، ولا يلغي حق الجمهور في السؤال عن الاختيارات الفنية، والتحضير النفسي، وتدبير الإصابات، والبرنامج اللوجستي، وكفاءة الطاقم، وطبيعة العلاقة بين الإدارة والمدرب واللاعبين. الدفاع عن المنتخب لا يعني تبرئة الجميع مسبقًا، بل حمايته عبر كشف الحقيقة وتصحيح الأخطاء.
وإلى جانب الملف الرياضي، يطرح ملف الإنفاق نفسه بإلحاح. فقد تحدثت الصحافة المغربية عن سفريات واستفادات لأشخاص لا تربطهم بالبعثة مهام رياضية أو إدارية أو إعلامية واضحة. وهنا يصبح من حق الرأي العام أن يسأل: ما القيمة الإجمالية للنفقات التي تحملتها الجامعة؟ من استفاد من تذاكر السفر والإقامة والاعتمادات؟ وما المعايير التي اعتمدت في اختيار أعضاء الوفد؟ وهل كانت كل الأسماء المدرجة ضرورية لخدمة المنتخب؟
لا يحق إطلاق اتهامات جزافية من دون وثائق، لكن من واجب الجامعة أن تنشر قائمة واضحة لأعضاء الوفد وصفاتهم ومهامهم، وأن تكشف عن أبواب الإنفاق. فالشفافية ليست إساءة إلى المسؤولين، بل حماية لهم وللمؤسسة من الشبهة. وإذا كان كل من سافر قد أدى مهمة محددة، فلن يضر الجامعة أن تقول من هو، وماذا فعل، وكم كلفت مهمته.
إن المشروع الكروي المغربي أصبح أكبر من أن يدار بمنطق البيانات المقتضبة والتسريبات غير الرسمية. والمغرب، وهو يستعد لاستحقاقات عالمية، يحتاج إلى حكامة رياضية حديثة لا تقوم فقط على الملاعب والأكاديميات، بل أيضًا على التواصل، والشفافية، ونشر المعطيات، والتقييم المستقل.
لقجع اليوم أمام امتحان في التواصل والحكامة، لا في كرة القدم فقط. عليه أن يخرج إلى الرأي العام، وأن يعترف بخيبة الجمهور ويحترم مشاعره، ثم يشرح ما حدث، ويدافع عن اللاعبين من التشهير، ويفصل بين النقد المشروع والاتهام المجاني. وعليه بالتوازي أن يقدم حسابًا واضحًا عن موارد المشاركة ونفقاتها، وعن تركيبة الوفد والمهمات التي أسندت إلى أعضائه.
فأفضل مواجهة لنظرية المؤامرة ليست الإنكار الغاضب، بل الحقيقة. وأفضل علاج للإحباط ليس التهوين من مشاعر الناس، بل مخاطبتهم باحترام. وبعد توقف الحلم، لم يعد المطلوب البحث عن شماعة للهزيمة، وإنما تقديم الحساب، واستخلاص الدروس، والبدء منذ الآن في بناء منتخب يعود أقوى وأكثر نضجا.





تعليقات الزوار ( 0 )