يستأنف ملايين التلاميذ المغاربة مسارهم التعليمي بعد انقضاء عطلة عيد الفطر وسط تذمر مجتمعي واسع يتزامن مع العودة للعمل بتوقيت غرينتش زائد واحد.
ويمثل هذا التعديل الزمني قرارا إداريا مفروضا طيلة أيام السنة يتم تعطيله بشكل استثنائي خلال شهر رمضان فقط، ليعود بقوة مجددا عكس إرادة الشعب ومطالبه المتكررة.
وتتضاعف حدة هذا الاحتقان بتزامن هذه العودة مع انتهاء العمل بالتوقيت المدرسي الشتوي الذي كان يخفف نسبيا من وطأة الاستيقاظ المبكر خلال الأشهر الماضية.
ويشكل هذا التزامن ضغطا مزدوجا يربك الساعة البيولوجية للأسر ويفرض إعادة برمجة قسرية ومفاجئة للإيقاع اليومي لملايين المواطنين بمختلف شرائحهم العمرية والمهنية.
انتهاء التوقيت الشتوي وتجاهل المطالب
وتؤكد المذكرة الرسمية الصادرة عن المديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية بالقنيطرة تحت رقم 25/5445 انتهاء العمل بالصيغة الشتوية لتدبير الزمن المدرسي بالوسطين القروي والحضري.
وتحدد هذه الوثيقة الإدارية تاريخ الحادي والعشرين من مارس كآخر أجل للعمل بالتوقيت الميسر، ليعود التلاميذ لولوج الأقسام في أوقات مبكرة جدا قد تكون محفوفة بالمخاطر في الوسط القروي.
وتجاهلت الجهات الحكومية ملايين التوقيعات التي تضمنتها عريضة إلكترونية واسعة تطالب بالإلغاء النهائي للمرسوم 2.18.855 المتعلق بالساعة القانونية والعودة الدائمة للتوقيت الطبيعي للمملكة.
ويكشف هذا التجاهل الرسمي فجوة عميقة بين المطالب المجتمعية الملحة والقرارات الفوقية التي تمس بالتوازن اليومي للمواطنين وتستنزف طاقاتهم بشكل مجاني ومتواصل.
اضطرابات بيولوجية وتداعيات نفسية
وفي هذا الصدد، ربطت جريدة الشعاع الجديد الاتصال بلمياء حديوي، الأخصائية النفسية الإكلينيكية، لتفكيك التداعيات الصحية والسلوكية لهذا التعديل الزمني المزدوج على الأسر والمتمدرسين.
وأوضحت المتحدثة للمنبر تسجيل اضطرابات مؤقتة وحادة في الساعة البيولوجية للبالغين والأطفال على حد سواء كنتيجة حتمية للتلاعب القسري بنظام النوم والاستيقاظ المرتبطين بحركة الشمس.
وينتج عن هذه الاختلالات آثار نفسية وسلوكية واضحة تشمل التوتر المفرط، والعصبية، وتقلب المزاج المستمر، مصحوبة بتعب جسدي وصعوبة بالغة في التركيز وزيادة معدلات النعاس نهارا.
وترتبط هذه الأعراض الطبية الموثقة عياديا بقلة النوم الناتج عن تغيير التوقيت والعودة لروتين صباحي يفرض مغادرة الفراش في ساعات متأخرة من الليل فعليا.

تراجع الأداء المدرسي وتنامي العنف
وينعكس التعب الجسدي المفرط والمستمر سلبا وبشكل مباشر على الأداء المدرسي للمتعلمين بسبب تشتت الانتباه داخل الفصول وعجزهم عن مسايرة الإيقاع التربوي والبيداغوجي.
وتتزايد السلوكيات المزعجة داخل المنازل والمؤسسات التعليمية كنتيجة للاندفاعية المفرطة وفرط الحركة الذي يسببه التوتر المتراكم وتقلبات المزاج المتكررة لدى الأطفال والمراهقين المحرومين من الراحة.
ويتحول الفضاء المدرسي لبيئة خصبة لصدامات يومية متكررة بين المدرسين وتلاميذ يفتقدون للحد الأدنى من التوازن البيولوجي الضروري للتحصيل المعرفي واستيعاب المقررات الدراسية المكثفة.
وتتراجع مؤشرات الفهم والتركيز خلال الحصص الصباحية الأولى لأدنى مستوياتها الممكنة، مما يهدد جودة المخرجات التعليمية ويزيد احتمالات الفشل الدراسي بشكل ملموس وخطير.
استنزاف مهني وتصدع أسري
ويتحمل الآباء والأمهات العاملون نصيبا مضاعفا من الآثار السلبية والمدمرة للعودة لتوقيت غرينتش زائد واحد بالتزامن مع الإلغاء الرسمي لتوقيت الدخول المدرسي الشتوي.
ويتداخل القلق والتعب والتوتر المرتبط بنقص ساعات النوم مع أعباء تدبير الحياة اليومية وتأمين وصول الأبناء لمدارسهم وسط ظلام الصباح الباكر واكتظاظ وسائل النقل العمومية.
وتزيد السلوكيات العدوانية والمزعجة للأطفال من حدة المعاناة النفسية لأولياء الأمور، مما ينعكس مباشرة على أدائهم المهني ويخفض مردوديتهم داخل مقرات العمل الخاصة والعامة.
وتتجاوز التداعيات الخطيرة الفضاء المهني لتتسبب في نشوب مشاكل واختلالات عميقة في العلاقات الزوجية والأسرية نتيجة الضغط النفسي المتواصل وغياب مساحات الاسترخاء والهدوء المنزلي.
معاناة التنقل وحوادث السير
ويبرز التناقض الواضح بين التوقيت الإداري المفروض والإيقاع الطبيعي، حيث يضطر العمال لمغادرة منازلهم في أوقات تتسم بانخفاض حاد في درجات الحرارة.
وتتفاقم أزمة التنقل الحضري خلال الفترة الصباحية لتضيف عبئا إضافيا يرهق كاهل المواطنين قبل وصولهم لمقرات عملهم أو مؤسسات أبنائهم وسط ازدحام مروري خانق.
ويمثل الاستنزاف اليومي المتكرر للطاقة الجسدية للمسافرين والراجلين عاملا حاسما ومحددا في تراجع جودة الخدمات وارتفاع معدلات حوادث السير الصباحية بمختلف المحاور الطرقية.
ويتحمل موظفو القطاعات الإنتاجية والصناعية الضريبة الكبرى لهذا التعديل الذي يربك مسارهم المهني ويهدد سلامتهم الجسدية أثناء التنقل في ظروف مناخية وبيئية غير مواتية.
تكلفة اجتماعية مقابل مبررات واهية
وتسوق القطاعات الوزارية مبررات ترتبط بحماية الاقتصاد وتقليص استهلاك الطاقة لتمرير قرار الاحتفاظ بالتوقيت الإضافي طيلة فترات السنة وتجاهل الرفض الشعبي الواسع والموثق.
وتصطدم هذه المبررات التقنية الجافة بالتكلفة الاجتماعية الباهظة التي يدفعها المواطن البسيط من صحته النفسية والجسدية، واستقراره الأسري، ومستوى تحصيل أبنائه بمختلف الأسلاك.
وتفتقر الجهات الوصية لتقارير علمية دقيقة ومحينة تثبت جدوى الاختيار الاقتصادي مقارنة بحجم الخسائر المسجلة على مستوى الرأسمال البشري والمردودية العامة للأجراء والموظفين.
وتبقى لغة الأرقام الرسمية الصماء عاجزة تماما عن تبرير حجم المعاناة اليومية للطبقات العاملة والأسر ذات الدخل المحدود التي تتحمل الفاتورة الأكبر لهذه التعديلات.
ضغط إضافي على المنظومة الصحية
وتسجل المراكز الصحية والمستشفيات والعيادات الطبية ارتفاعا ملحوظا في حالات الإرهاق المزمن والاضطرابات الهضمية المرتبطة باختلال مواعيد الوجبات والنوم لدى مختلف الفئات العمرية.
وتتطلب الحالات المرضية الناتجة عن التعديل الزمني بروتوكولات علاجية تكلف ميزانية الأسر مصاريف إضافية تثقل كاهلها المنهك أصلا بفعل تداعيات التضخم والارتفاع المتوالي للأسعار.
ويشكل هذا العبء المالي والصحي المتزايد ضريبة إجبارية يؤديها المواطن ضحية قرارات إدارية أحادية تفتقد للمقاربة التشاركية وتتجاهل الخصوصيات المجتمعية والجغرافية الشاسعة للمملكة.
وتتجاهل المنظومة الصحية التدخل الاستباقي العاجل للحد من هذه المخاطر مكتفية بوصف المهدئات والفيتامينات لمحاولة تعويض النقص الحاصل في الراحة الطبيعية والمناعة.
ويعكس الإصرار المستمر على تفعيل قرارات إدارية تتصادم كليا مع الإيقاع البيولوجي للمغاربة خللا عميقا في ترتيب الأولويات المرتبطة بتدبير الشأن العام والسياسات العمومية.
ويفرض الواقع الميداني اليومي المتسم بتراجع التحصيل الدراسي وتنامي الاحتقان الاجتماعي ضرورة مراجعة المقاربات التقنية الجافة التي تمس الاستقرار النفسي للمجتمع بشكل مباشر ويومي.
ويتحول التمسك الأعمى بمرسوم غرينتش زائد واحد، رغم ثبوت أضراره الطبية والنفسية وإجماع المواطنين على رفضه، إلى دليل إدانة لجهات تدبيرية تضع حسابات الطاقة فوق جودة الحياة.
وتتحمل هذه الدوائر التقريرية مسؤولية التكلفة الاجتماعية الباهظة التي يدفع ثمنها جيل كامل من المتعلمين والعمال المنهكين جسديا ونفسيا جراء استنزاف طاقاتهم في معارك مجانية مع الزمن.



تعليقات الزوار ( 0 )