أخبار ساعة

13:15 - بعد وفاة رضيع بكلميم.. بوانو يطالب وزير الصحة بفتح تحقيق وكشف ملابسات الواقعة12:43 - الزبيري يقترب من الانضمام إلى راسينغ سانتاندير على سبيل الإعارة12:35 - وفد بريطاني يؤكد بالرباط التزامه بتعزيز الشراكة الصحية مع المغرب استعدادا لمونديال 2030 (+ صور)12:05 - بنك المغرب يصدر قطعة نقدية تذكارية بمناسبة عيد العرش12:01 - شقير يكتب: الأحزاب بالمغرب من الانشقاقات التنظيمية إلى الترحال السياسي11:15 - محلل سياسي فرنسي: استقرار المغرب أصبح ركيزة استراتيجية في منطقة تشهد تحولات متسارعة10:00 - إيران تطلق صواريخ باليستية نحو قاعدة أمريكية في الشرق الأوسط وسنتكوم تعلن اعتراضها بالكامل09:00 - طقس الأربعاء.. أجواء حارة بعدد من مناطق المغرب08:54 - الذكاء الاصطناعي: جيرار جُنيت مغربيا02:39 - هل عاد إلياس العماري إلى قيادة الجرار من المقعد الخلفي؟ أم أن فوزي لقجع يقود مشروعا لا يعرف سائقه الحقيقي؟
الرئيسية » الرئيسية » شقير يكتب: الأحزاب بالمغرب من الانشقاقات التنظيمية إلى الترحال السياسي

شقير يكتب: الأحزاب بالمغرب من الانشقاقات التنظيمية إلى الترحال السياسي

عرفت الحياة الحزبية في المغرب تحولاً نوعياً في طبيعة إعادة تشكيل النخب السياسية. فإذا كانت مرحلة الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من القرن 20 قد اتسمت بـظاهرة الانشقاقات الحزبية، فإن مرحلة التسعينيات وما بعدها، وخاصة منذ بداية الألفية الثالثة، اتسمت أكثر بـظاهرة الترحال السياسي.

1- الانشقاقات الحزبية بالمغرب

تعد الانشقاقات الحزبية من أبرز السمات التي طبعت تطور الحياة الحزبية بالمغرب منذ نشأة الحركة الوطنية، حتى إن عدداً من الباحثين يعتبرها ظاهرة بنيوية وليست مجرد أحداث استثنائية. حيث ساهمت في تشكيل الخريطة الحزبية المغربية عبر عقود، إلى جانب عوامل أخرى مرتبطة بالنظام الانتخابي والسياق السياسي. فمن أهم الانشقاقات في التاريخ الحزبي المغربي انشقاق كتلة العمل الوطني في سنة 1937 ، و انشقاق حزب الاستقلال وتأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في سنة 1959.والانشقاقات المتعددة داخل حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وبعدالذي انشق عنه حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لينشق هذا الأخير إلى عدة تنظيمات حزبية جديدة حيث شهد حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية منذ نشأته وتطوره التاريخي سلسلة من التصدعات التنظيمية الكبرى. أفرزت هذه الانقسامات 8 أحزاب وتيارات سياسية رئيسية منها حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي والحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب المؤتمر الوطني الاتحادي وتيار الوفاء للديمقراطية الذي انشق بقيادة محمد الساسي بعد المؤتمر الوطني السادس، واندمج لاحقاً مع حزب اليسار الاشتراكي الموحد لتأسيس الحزب الاشتراكي الموحد. …بالإضافة إلى انشقاقات داخل التجمع الوطني للأحرار نتج عنها تأسيس أحزاب جديدة في مراحل مختلفة .
ويمكن فهم هذه الظاهرة من خلال مجموعة من العوامل:

1-1العوامل التاريخية حيث بدأت الانشقاقات حتى قبل الاستقلال؛ فقد انقسمت كتلة العمل الوطني سنة 1937 إلى حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال. وبعد الاستقلال عرف المغرب سلسلة من الانقسامات داخل الأحزاب الوطنية الكبرى، خاصة حزب الاستقلال ثم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ثم الاتحاد الاشتراكي، وغيرها.

2-1 العوامل التنظيمية التي تمثلت في احتكار القيادة لفترات طويلة من طرف زعامات سياسية التي كانت لا تقبل بمنافسين لها داخل الحزب، وضعف آليات الديمقراطية الداخلية. بالاضافة إلى غياب آليات مؤسساتية لحسم الخلافات. وكذا الصراع حول التزكيات الانتخابية والمناصب القيادية.

3-1العوامل الشخصية التي تتمثل في تنافس الزعامات ، و الطموحات الفردية ،والصراع حول الزعامة أكثر من الاختلاف حول البرامج.

4-1العوامل الإيديولوجية حيث في بعض الحالات كانت الانشقاقات ناتجة عن اختلافات حقيقية في الرؤية السياسية أو في العلاقة مع السلطة أو في المواقف من القضايا الكبرى. لكن مع تراجع البعد الإيديولوجي منذ التسعينيات أصبحت الدوافع التنظيمية والشخصية أكثر حضوراً.

1- 5استراتيجية النظام السياسي حيث يرى عدد من الباحثين أن طبيعة النظام السياسي المغربي، وسعيه تاريخياً إلى المحافظة على تعددية حزبية واسعة، أسهما في تشجيع إعادة تشكيل الخريطة الحزبية، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

وبالتالي ،فلعل ما يميز المنظومة الحزبية بالمغرب أن كثيراً من الانشقاقات لا تؤدي إلى اختفاء الحزب الأم، بل إلى ميلاد حزب جديد يستمر في المنافسة، وهو ما يفسر كثرة عدد الأحزاب مقارنة بحجم الهيئة الناخبة. كما أن عدداً من الباحثين يتحدثون عن “ثقافة الانقسام” باعتبارها جزءاً من تاريخ الممارسة الحزبية المغربية منذ الحركة الوطنية إلى اليوم، مع اختلاف أسبابها من مرحلة إلى أخرى. في حين ، يمكن اعتبار الانشقاقات الحزبية في المغرب مؤشراً مزدوجاً: فهي من جهة تعكس وجود خلافات وتعدد داخل النخب السياسية، لكنها من جهة أخرى تكشف عن صعوبات في إدارة الاختلاف داخل التنظيمات الحزبية وضعف مؤسساتها الداخلية، وهو ما يجعل الانشقاق في كثير من الأحيان بديلاً عن تسوية الخلاف داخل الحزب نفسه.وقد كان لهذه الانشقاقات بعض الإيجابيات تتمثل في تجديد النخب السياسية، و إتاحة المجال لتعدد الاجتهادات ، و خلق بدائل تنظيمية عندما تستعصي الإصلاحات الداخلية. في حين أدت كثرة هذه الانشقاقات إلى تشتيت الخريطة الحزبية، وإضعاف ثقة المواطنين في الأحزاب، وكذا تقليص قدرة الأحزاب على التأطير. بالإضافة إلى تعزيز الشخصنة بدل التنافس البرامجي ، بالإضافة إلى إرباك المشهد الانتخابي وإضعاف الحكومات الائتلافية.

2-الأحزاب المغربية و الترحال السياسي

أدى الترحال المستمر إلى إفراغ العمل السياسي من محتواه الإيديولوجي، حيث أصبح الانتقال من حزب إلى نقيضه أمراً مألوفاً دون تقديم مبررات فكرية للمواطنين. وقد ساهمت هذه “البراغماتية” المفرطة في تعميق العزوف السياسي لدى الناخبين، نتيجة تحول الأحزاب إلى مجرد “دكاكين انتخابية” تفتح أبوابها للوافدين الجدد لضمان الأصوات بغض النظر عن الكفاءة أو القناعة السياسية .وللحد من هذه الظاهرة داخل المشهد السياسي بالمغرب نص الفصل 61 من دستور فاتح يوليوز 2011 على تجريد البرلمانيين من صفتهم النيابية بمجرد تخليهم عن انتمائهم السياسي الذي ترشحوا باسمه. لكن رغم هذه الترسانة القانونية، فقد استمرت هذه الظاهرة إما بسبب التكيف عبر التحايل وتأجيل تغيير الانتماء إلى الفترات القانونية المسموح بها، أو الترشح بألوان جديدة في الانتخابات المحلية والمجالس المنتخبة. وقد ساهمت التزكيات إلى تفاقم ظاهرة الترحال الحزبي حيث شهدت الساحة السياسية المغربية احتداماً كبيراً في صراع “حرب التزكيات” داخل الأحزاب استعداداً للاستحقاقات الانتخابية، مما عزز من ظاهرة “الترحال الحزبي”.

-الترحال الحزبي والتنافس الشخصي

يعكس هذا المشهد تسابقاً محموماً بين الأعيان والسياسيين نحو المقاعد المضمونة، بعيداً عن أي برامج أو قناعات إيديولوجية. وهكذا يلهث السياسيون والمنتخبون وراء الأحزاب التي تمتلك حظوظاً أكبر للظفر بالمقاعد أو تصدر المشهد الانتخابي، مما يجعل الولاء الحزبي تكتيكاً ظرفياً. كما تتصاعد حدة التوتر بين القيادات المركزية للأحزاب التي تسعى لتجديد النخب، وبين شبكات النفوذ المحلية المتمثلة في الأعيان التي تستغل شعبيتها وإمكانياتها المادية لفرض شروطها. فمع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية في 23 شتنبر 2026 ، تعيش الساحة السياسية الوطنية على وقع حراك غير مسبوق، تجاوز في كثير من الأحيان منطق التنافس الديمقراطي الطبيعي، ليدخل مرحلة توصف لدى متتبعين بـ”الفوضى السياسية” التي يغذيها سباق محموم نحو التزكيات، وترحال انتخابي متسارع، وتحالفات ظرفية لا تؤطرها قناعة سياسية ولا مشروع مجتمعي واضح. فما يجري اليوم داخل عدد من الأحزاب السياسية، لم يعد مجرد إعادة تموقع عادية تسبق الانتخابات، بل تحول إلى ما يشبه “حرب التزكيات”، حيث أصبح بعض المنتخبين والوجوه السياسية يتنقلون بين الأحزاب بسرعة لافتة، بحثا عن “المقعد المضمون” أو “اللون الانتخابي الأكثر حظا”، في مشهد يطرح أسئلة عميقة حول مصداقية الخطاب الحزبي، وجدوى الانتماء السياسي، وحدود الأخلاق في الممارسة الانتخابية. ولعل أخطر ما في هذا المشهد، ليس فقط الترحال الحزبي في حد ذاته، بل ما يرافقه من حديث متزايد عن مفاوضات سرية، وضغوط داخلية، ووعود بالتزكيات، بل وحتى شبهات توظيف المال والنفوذ لإعادة ترتيب الخرائط الانتخابية قبل أشهر من الاقتراع. وهو ما يهدد بتحويل العملية الديمقراطية من فضاء للتنافس حول البرامج والرؤى إلى “سوق انتخابي” تتحكم فيه الحسابات المالية والمصالح الشخصية أكثر مما تحكمه الكفاءة أو القرب من انتظارات المواطنين. وفي هذا السياق، تبدو مدينة الدار البيضاء نموذجا صارخا لما يجري خلف الكواليس. فالمدينة الاقتصادية للمملكة عرفت قبيل هذا الاستحقاقات التشريعية حركية سياسية غير مسبوقة، عنوانها الأبرز: صراع خفي وعلني حول التزكيات، وسباق محموم لاستقطاب الأعيان وأصحاب النفوذ الانتخابي، في مشهد يختلط فيه السياسي بالمالي، والحزبي بالبراغماتي، إلى درجة أصبحت معها بعض المقرات الحزبية أشبه بغرف مفاوضات انتخابية مفتوحة. فمع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، لم يعد التنافس محصورا في الصراع التقليدي بين البرامج السياسية أو الوعود الانتخابية، بل انتقل إلى كواليس التنظيمات الحزبية نفسها، حيث تدور معركة غير معلنة حول مَن يملك حق منح «التزكية» ومَن يتحكم في مفاتيح بوابة العبور إلى المؤسسات المنتخبة.

-تفاقم حرب التزكيات قبيل استحقاقات 2026

تبدو”حرب التزكيات” قبيل انتخابات 2026 أكبر وأكثر ظهورًا إعلاميًا وسياسيًا مقارنة بانتخابات 2021. فلا ينبغي إغفال أن انتخابات 2021 شهدت أيضًا حرب تزكيات قوية، خصوصًا بعد تعديل القوانين الانتخابية واعتماد القاسم الانتخابي الجديد، كما عرفت خلافات داخل أحزاب متعددة حول اختيار وكلاء اللوائح والمرشحين، وإن كانت أقل بروزًا في الإعلام مقارنة بما يجري في 2026. وبالتالي ،فعلى الرغم من صعوبة الجزم بأنها أكبر من حيث الحجم الفعلي لغياب مؤشرات كمية دقيقة تقارن بين الاستحقاقين ، لكن يمكن القول بثقة عن تصاعد الانطباع والظهور العلني للصراع أكثر من الحديث عن زيادة قابلة للقياس.حيث يمكن تفسير ذلك بعدة عوامل من أبرزها:

*انطلاق الصراع في وقت مبكر ففي انتخابات 2026 بدأت معارك التزكيات قبل أشهر من موعد الاقتراع، مع إعلان عدد من الأحزاب عن دفعات أولى من المرشحين وإسقاط أسماء برلمانية معروفة، وهو ما خلق حالة من الاحتقان الداخلي مبكرًا.

*ارتفاع قيمة التزكية البرلمانية حيث أصبحت التزكية أكثر أهمية من السابق، لأن المنافسة لم تعد فقط على مقعد برلماني، بل أيضًا على موقع داخل أغلبية حكومية محتملة أو داخل أحزاب تتطلع لتصدر الانتخابات، مما زاد من شدة التنافس على الترشيحات.

*اشتداد الاستقطاب بين الأحزاب حيث تعرف انتخابات 2026 حركة انتقال واستقطاب لعدد من المنتخبين والأعيان، وهو ما جعل القيادات الحزبية تتعامل مع التزكيات باعتبارها أداة للحفاظ على المعاقل الانتخابية أو لاختراق معاقل المنافسين.

محاولة تجديد النخب

* عدم تجديد الثقة في عدد من البرلمانيين القدامى وتعويضهم بوجوه جديدة، وهو ما ولد مقاومة داخلية وصراعات تنظيمية.

لذا ، يمكن القول إن حرب التزكيات في 2026 ليست مجرد تكرار لما حدث في 2021، بل تعكس تحولًا أعمق في وظيفة الأحزاب المغربية، حيث أصبحت التزكية تمثل أداة لإعادة تشكيل موازين القوى داخل الحزب، ووسيلة لاستقطاب الأعيان والفاعلين المحليين ذوي “القابلية الانتخابية”.و كذا آلية مبكرة للتفاوض حول التحالفات والنفوذ. و امتحانًا للديمقراطية الداخلية ومدى احترام معايير الكفاءة والاستحقاق.لذلك، فإن ما يميز انتخابات 2026 ليس فقط كثرة الصراعات، بل تحول حرب التزكيات إلى مرحلة انتخابية قائمة بذاتها تسبق الحملة الرسمية بأشهر، وأصبحت تؤثر في صورة الأحزاب لدى الرأي العام وربما في نتائج الانتخابات نفسها.

-الترحال الحزبي وترسبات الثقافة السياسية التقليدية

يعكس الترحال الحزبي في المغرب خاصة ذلك الناجم عن التطاحن حول التزكية الحزبية ، بعض ترسبات الثقافة السياسية التقليدية، لكن لا يمكن اختزاله فيها وحدها. ففي الثقافة السياسية الحديثة يُفترض أن يرتبط الانتماء الحزبي بالبرنامج والإيديولوجيا والمواقف السياسية. أما في الثقافة التقليدية، فغالباً ما تكون الروابط قائمة على الأشخاص والزعامة والولاءات والشبكات الاجتماعية. وعندما ينتقل منتخب أو فاعل سياسي من حزب إلى آخر دون تغيير جوهري في أفكاره أو مواقفه، فإن بعض الباحثين يرون في ذلك أثراً لاستمرار منطق الولاء للأشخاص أو للمواقع أكثر من الولاء للأفكار.وتظهر بعض أوجه الشبه مع الثقافة التقليدية في: أهمية الزعيم أو الشخصية النافذة أكثر من التنظيم نفسه، والبحث عن الحماية السياسية أو النفوذ داخل جماعة جديدة، و اعتبار الانتماء وسيلة للوصول إلى المكانة والموارد السياسية. بالاضافة إلى ضعف الحدود الإيديولوجية بين عدد من الأحزاب.لكن هناك عوامل حديثة أيضاً تفسر الترحال الحزبي تتمثل في طبيعة النظام الانتخابي، و الصراع على التزكيات وكذا المنافسة على المناصب التمثيلية. بالإضافة إلى التحولات التي عرفها المشهد الحزبي المغربي منذ التسعينيات. لذلك فالأدق هو القول إن الترحال الحزبي في المغرب يعكس تداخلاً بين منطقين: منطق حديث انتخابي مرتبط بحسابات الربح والخسارة السياسية ،ومنطق تقليدي يرتبط بالشخصنة والوجاهة والولاءات والعلاقات. فسوسيولوجيا، يمكن اعتبار الترحال الحزبي أحد مظاهر ما يسمى بـ”الهجانة السياسية”، حيث تستمر بعض أنماط الثقافة التقليدية داخل مؤسسات حديثة كالأحزاب والانتخابات. ولهذا يلاحظ أن بعض المنتخبين ينتقلون من حزب إلى آخر مع احتفاظهم بنفس القاعدة الانتخابية المحلية، وكأن الناخبين يصوتون للشخص أكثر مما يصوتون للحزب أو للبرنامج السياسي. وهذا ما يجعل الترحال الحزبي موضوعاً متكرراً للنقاش حول مدى ترسخ الثقافة الحزبية الحديثة في المغرب.

3-عوامل التحول من مرحلة الانشقاقات الحزبية إلى الترحال السياسي

خلال مرحلة الانشقاقات الحزبية كان السياسيون، عند اختلافهم مع قيادة الحزب، يلجؤون غالباً إلى: تأسيس حزب جديد. أو الانضمام جماعياً إلى تنظيم سياسي جديد. أو إنتاج مشروع سياسي يحمل خطاباً مختلفاً نسبياً. حيث كان الانشقاق يهدف إلى بناء تنظيم بديل يمتلك قيادة وهياكل وبرنامجاً خاصاً به، حتى وإن كانت الدوافع الشخصية حاضرة في كثير من الأحيان. لكن ابتداءً من التسعينيات من القرن الماضي ، ومع اتساع الخريطة الحزبية وتراجع الفوارق الإيديولوجية، أصبح السياسي لا يحتاج إلى تأسيس حزب جديد، بل يكفيه الانتقال إلى حزب قائم. وهكذا أصبح المنتخب يغير انتماءه بين الانتخابات ، و الأعيان ينتقلون إلى الحزب الأكثر حظوظاً. في حين تتنافس الأحزاب على استقطاب المرشحين الجاهزين بدل إنتاج نخبها الخاصة. وبذلك انتقل مركز الثقل من إنتاج أحزاب جديدة إلى إعادة توزيع الأشخاص بين الأحزاب الموجودة. مما يطرح التساؤل عن هذا التحول السياسي والأسباب الكامنة وراءه؟؟

-عوامل تزايد الترحال السياسي

إذ يمكن القول أن هناك عدة أسباب وراء هذا التحول تتمثل في كثرة الأحزاب التي جعلت تأسيس حزب جديد أقل جدوى ، و تشابه البرامج الحزبية وضعف الاستقطاب الإيديولوجي. وكذا إلى هيمنة الاعتبارات الانتخابية والمحلية ، وارتفاع وزن الأعيان والمنتخبين القادرين على جلب الأصوات. بالإضافة إلى تطور قوانين الأحزاب والانتخابات التي جعلت تأسيس حزب جديد أكثر تعقيداً مقارنة بالانتقال إلى حزب قائم.

وقد أدى هذا التحول إلى عدة نتائج من أهمها :

*إضعاف الهوية الحزبية.

*تراجع الولاء التنظيمي.

*تعزيز مكانة الأعيان والوجهاء المحليين.

*تحول التنافس بين الأحزاب إلى منافسة على استقطاب المرشحين أكثر من التنافس على البرامج.

*تراجع وظيفة الحزب كفضاء للتنشئة السياسية وإنتاج النخب.

ولعل هذا التحول ، قد جعل السوق السياسي بالمغرب ينتقل من “سوق التنظيمات” إلى “سوق المرشحين”. ففي مرحلة الانشقاقات كان رأس المال السياسي يتمثل في القدرة على إنشاء تنظيم جديد واستقطاب المناضلين، أما اليوم فأصبح يتمثل في القدرة على استقطاب المنتخبين والأعيان الذين يمتلكون خزانات انتخابية محلية. ولهذا يمكن اعتبار الترحال السياسي شكلاً جديداً من إعادة تشكيل النخب الحزبية، يختلف عن الانشقاقات في الوسيلة، لكنه يتقاطع معها في كونه يعكس استمرار هشاشة الارتباط التنظيمي وضعف ترسخ الانتماء الحزبي. كما أن هذا التحول ينسجم مع انتقال الحياة الحزبية المغربية تدريجياً من منطق الأحزاب الإيديولوجية إلى منطق الأحزاب الانتخابية، حيث تصبح قابلية الفوز في الانتخابات عاملاً حاسماً في اختيار الانتماء الحزبي أكثر من الالتزام الفكري أو البرنامج السياسي.

-ترسخ ظاهرة الترحال السياسي

أصبحت ظاهرة «الترحال السياسي» أو المرشحين الموسميين لصيقة بالمشهد السياسي بالمغرب إذ رغم أن دستور 2011 حاول الحد من هذه الظاهرة عبر تجريد البرلمانيين من مقاعدهم في حال تغيير انتمائهم الحزبي أثناء الولاية، فإن الممارسة السياسية أفرزت أشكالاً جديدة من الالتفاف، حيث ينتقل بعض الفاعلين السياسيين بين الأحزاب قبل الانتخابات بحثًا عن أفضل عرض انتخابي. وقد أدت هذه الممارسات إلى بروز ما يسميه بعض المراقبين بـ «سوق التزكيات»، حيث تتحول الترشيحات في بعض الحالات إلى موضوع مفاوضات سياسية ومالية.

لكن يبدو أن سنة 2026 قد تشكل بداية تفكيك «الريع الانتخابي»، حيث تشير المعطيات المتداولة في الكواليس الحزبية إلى أن عددًا من التنظيمات السياسية بدأ بالفعل في مراجعة هذه الممارسات، عبر نقل مركز القرار من المستوى المحلي إلى القيادة المركزية. وتقوم هذه المقاربة الجديدة على إحداث «لجان وطنية» للترشيحات، تتولى دراسة ملفات المرشحين وفق معايير محددة تشمل الكفاءة العلمية والخبرة السياسية، والسمعة الشخصية داخل المجال المحلي، والقدرة على تمثيل الحزب سياسيًا وليس فقط انتخابيًا، إضافة إلى نظافة السِّجلّ القضائي.ولا يمكن فهم هذا التحول دون وضعه في سياقه العام والواسع المتعلق بمحاولات إصلاح المنظومة الانتخابية في المغرب خلال العقد الأخير. فمنذ اعتماد دستور 2011 وما تلاه من تعديلات في القوانين الانتخابية، سعت الدولة إلى الحد من ظواهر مثل الترحال السياسي أو استعمال المال في الانتخابات. ومع ذلك، ظل ملف التزكيات واحدًا من أكثر الملفات إثارة للجدل، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بترشيح شخصيات تلاحقها شبهات فساد أو متابعات قضائية، وهي المسألة التي أثارت نقاشًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والحقوقية، حيث طالب عدد من الفاعلين بإبعاد المرشحين المتابعين قضائيًا عن لوائح الترشيح، حفاظًا على مصداقية العملية الانتخابية. ويتوقع بعض المتتبعين نوعًا من الصدام بين المراكز الحزبية والفروع الجهوية والإقليمية لبعض الأحزاب، إذ يرون أن هذا التحول لن يمر دون مقاومة. فعدد من الأعيان المحليين الذين بنوا نفوذهم السياسي على التحكم في التزكيات يجدون أنفسهم اليوم أمام واقع جديد يهدد مواقعهم التقليدية. لذا تجلت بعض مظاهر هذه المقاومة قد في التهديد بالاستقالات الجماعية من الأحزاب، أو ممارسة الضغط على القيادات المركزية عبر القواعد المحلية، وربما البحث عن أحزاب صغيرة توفر تزكيات بديلة، مما قد ينذر بظهور ظاهرة جديدة يمكن تسميتها «الهجرة الانتخابية» نحو أحزاب أقل انضباطا تنظيميا لكنها قادرة على منح الترشح بسرعة. ويربط محللون سياسيون هذا التحول بالنتائج التي تمخض عنها الاجتماع الأخير الذي جمع وزير الداخلية بممثلي التنظيمات السياسية، والذي اعتبر حاسمًا في رسم معالم المرحلة المقبلة، حيث جرى التأكيد على أن نزاهة وديمقراطية الانتخابات لا تبدأ فقط من صندوق الاقتراع، بل من «نظافة» القوائم الانتخابية نفسها. كما جرى إبلاغ زعماء الأحزاب بضرورة تحمل مسؤوليتهم في «تخليق» الحياة السياسية، من خلال تصفية اللوائح من العديد من الوجوه، خاصة تلك التي تلاحقها شبهات فساد قوية. ويرى مراقبون أن الرسالة كانت واضحة: الدولة لن تسمح بأن تتحول التزكيات إلى «بضاعة» تُباع وتُشترى في «سوق سوداء» انتخابية. كما تمّ التشديد على أن مراقبة أوجه صرف الدعم المالي العمومي ومصاريف الحملات ستكون «مجهرية» هذه المرة، مما جعل القيادات الحزبية تدرك أن أي مغامرة مع «أباطرة التزكيات» قد تؤدي إلى عقوبات قانونية أو سياسية قوية.وفي نظر المتتبعين، يقف المشهد السياسي المغربي اليوم فعلاً عند مفترق طرق؛ فإما أن تنجح الأحزاب في فرض منطق المَأْسَسة والشفافية في اختيار مرشَّحيها، بما يسمح بتجديد النخب السياسية وإعادة الاعتبار للعمل الحزبي، وإمّا أن تستمر شبكات النفوذ المحلية في إعادة إنتاج نفسها بطرق مختلفة. والمؤكد أن معركة التزكيات لم تعد مجرد مسألة تنظيمية داخل الأحزاب، بل تحوّلت إلى واحدة من أهم المعارك التي ستحدد شكل التمثيلية السياسية في المغرب خلال السنوات المقبلة. وهو ما يدفع الرأي العام إلى طرح سؤال مقلق: هل يكون هذا «الزلزال التنظيمي» بداية نهاية زمن الأعيان والوجوه التقليدية؟ أم أنه مجرد فصل جديد من فصول الصراع القديم بين المركز الحزبي وهوامشه المحلية؟

– برجماتية الأحزاب وتكريس ظاهرة الترحال السياسي

تتحمل الأحزاب السياسية جزء كبيرا من المسؤولية في تكريس هذه الظاهرة، فبدلا من الاستثمار في تكوين شباب مخلصين لمشاريعها الفكرية، تهرع العديد من الأحزاب قبيل الانتخابات إلى “صيد” المرشحين الجاهزين الذين يمتلكون قواعد انتخابية مضمونة، حتى لو كان هؤلاء قد قضوا أمسهم في أحزاب منافسة، هذا “السلوك الانتهازي” من طرف القيادات الحزبية يفرغ القانون من محتواه؛ فكيف يمكن محاربة الترحال السياسي بينما الأحزاب نفسها هي من تغري “الرحالة” بالترشيح المباشر مقابل ضمان المقاعد؟ إن هذا التواطؤ الضمني يحول العملية الانتخابية من منافسة بين مشاريع مجتمعية إلى “سوق للمقايضات السياسية”. فمحاربة الترحال السياسي في المغرب لا يمكن أن تربح فقط عبر النصوص التشريعية والزجر القانوني، لأن القانون يعالج “الأعراض” ولا يعالج “المرض”. إذ أن الحل الحقيقي يكمن في إحداث قطيعة مع “الزبونية السياسية” وتفعيل ديمقراطيات داخلية حقيقية داخل الأحزاب، بحيث تكون التزكية مبنية على الكفاءة والالتزام لا على النفوذ المالي. وبدون تحول عميق في الثقافة السياسية للمرشحين، وفي وعي الناخب المغربي بضرورة التصويت للبرامج لا للأشخاص، سيبقى الترحال السياسي “ثقبا أسود” يبتلع الثقة في المؤسسات الحزبية، ويجعل من القوانين مجرد حواجز ورقية يتجاوزها البراغماتيون بمرونة فائقة.فبالرغم من أن القوانين التنظيمية تمنع الانتقال من حزب إلى آخر خلال فترة زمنية قريبة من موعد الاستحقاق، أو ربط شرعية التغيير بإجراءات داخلية داخل الحزب نفسه، إلا أن الإطار التشريعي يبقى محدودا في الواقع السياسي، لأن الانتقالات تتم قبل الدخول الرسمي في الانتداب، أو عبر استقالات مسبقة أو انتقالات داخل الأحزاب من مدينة إلى مدينة أو دائرة إلى أخرى، أو الانتقال من حزب يساري إلى آخر يميني مثلا، واختيار انتماء سياسي لا علاقة له بالخطاب والفكر السياسي، مما يبرز خللا في مستوى التطبيق في ظل غياب الالتزام الأخلاقي، لا سيما أن الترحال السياسي يؤثر على علاقة السياسي بالناس الذين انتخبوه، وتصبح هذه الحالة شكلا من الخيانة الانتدابية، أو خديعة الناس وعدم الالتزام بالتمثيل السياسي الحر، وصورته أمام الساكنة التي يمثلها في كل مرة بلون سياسي معين. كما تطرح ظاهرة الترحال السياسي من جهة أخرى، أكثر من سؤال حول مدى التزام الفاعل الحزبي بالانتماء السياسي والإيديولوجي، وعلاقته بالعزوف الانتخابي لدى فئة كبيرة من المجتمع، لا سيما في ظل الحديث عن كون جميع الأحزاب متشابهة وأن جل الفاعلين السياسيين لهم نفس التوجه والفكر المتعلق فقط بالبحث عن المصلحة الخاصة عوض الترافع عن قضايا ومشاكل المواطنين الاجتماعية والاقتصادية، بالإضافة إلى أن الترحال السياسي يساهم في الإساءة إلى الممارسة السياسية لدى فئة الشباب و”جيل زد”” بالخصوص، الذي خرج في احتجاجات ميدانية للتعبير عن رفضه للحالة السياسية التي وصلت إليها البلاد، محملا المسؤولية للأحزاب السياسية كلها.

وعموما ، فقد أصبح من الضروري اليوم فتح نقاش سياسي ووطني جدي حول ظاهرة الترحال الحزبي خاصة بعدما طبع معها العديد من الفاعلين السياسيين واعتبروا ذلك من أحد حقوق أي فاعل للانتقال من حزب لآخر. كما أصبح من الضروري العمل على تشديد المراقبة على مساطر منح التزكيات، وربط المسؤولية بالمحاسبة داخل التنظيمات الحزبية، حماية لسمعة المسار الديمقراطي، وصونا لصورة المغرب الذي راكم تجربة سياسية ومؤسساتية لا ينبغي أن تسيء إليها ممارسات انتخابوية ضيقة. فالرهان الحقيقي في أي انتخابات ليس عدد المقاعد فقط، بل الحفاظ على ثقة المواطن في السياسة، لأن أخطر ما يمكن أن تخسره الدول ليس الانتخابات بل إيمان الناس بجدواها. إذ أن استمرار هذا الوضع دون تدخل حازم من الجهات المختصة، ومن الهيئات المكلفة بتأطير الحياة السياسية، قد يسيء بشكل مباشر إلى صورة المؤسسات المنتخبة، ويعمق أزمة الثقة التي يعيشها المواطن تجاه الفاعل الحزبي. فحين يصبح الحزب مجرد “محطة عبور”، والتزكية مجرد “وثيقة عبور انتخابية”، فإن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه: من يمثل المواطن فعلا؟ الحزب أم المصالح؟

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

بعد وفاة رضيع بكلميم.. بوانو يطالب وزير الصحة بفتح تحقيق وكشف ملابسات الواقعة

29 يوليو 2026 - 1:15 م

طالب رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، عبد الله بوانو، وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي، بفتح تحقيق في ملابسات وفاة

وفد بريطاني يؤكد بالرباط التزامه بتعزيز الشراكة الصحية مع المغرب استعدادا لمونديال 2030 (+ صور)

29 يوليو 2026 - 12:35 م

أكد وفد من برنامج Healthcare UK التابع للمملكة المتحدة التزام بلاده بتعزيز التعاون الصحي مع المغرب، خلال مباحثات عقدها مع

محلل سياسي فرنسي: استقرار المغرب أصبح ركيزة استراتيجية في منطقة تشهد تحولات متسارعة

29 يوليو 2026 - 11:15 ص

أكد المحلل السياسي الفرنسي سيباستيان بوسوا أن المغرب رسخ مكانته كإحدى أبرز ركائز الاستقرار في منطقة تشهد اضطرابات سياسية وأمنية

إيران تطلق صواريخ باليستية نحو قاعدة أمريكية في الشرق الأوسط وسنتكوم تعلن اعتراضها بالكامل

29 يوليو 2026 - 10:00 ص

أعلنت القيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم” أن إيران نفذت، مساء أمس الثلاثاء، هجومًا صاروخيًا استهدف قاعدة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط،

هل عاد إلياس العماري إلى قيادة الجرار من المقعد الخلفي؟ أم أن فوزي لقجع يقود مشروعا لا يعرف سائقه الحقيقي؟

29 يوليو 2026 - 2:39 ص

في السياسة المغربية لا يموت الزعماء، بل يغيّرون أماكن جلوسهم فقط، قد يغادر أحدهم الأمانة العامة، وقد يختفي عن الشاشات،

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°