صدر حديثاً عن دار La Croisée des Chemins بالدار البيضاء كتاب جديد للباحث المغربي الدكتور رحال بوبريك باللغة الفرنسية تحت عنوان Sahara 1975 Crépuscule de la colonisation espagnole، في عمل علمي ضخم يقع في أكثر من 500 صفحة، يقدّم قراءة دقيقة ومُوثّقة للمرحلة الحاسمة التي أنهت الوجود الاستعماري الإسباني في الصحراء المغربية.
ينقل المؤلف القارئ إلى قلب التحولات التي عرفتها المنطقة منذ ستينيات القرن الماضي، حين شرعت إسبانيا، في ظل نظام فرانثيسكو فرانكو، في إعادة ترتيب وضع الصحراء عبر ما سُمّي بـ“مقْرَنة” الإقليم، ومحاولات بناء كيان سياسي مستقل يخدم مصالحها الاستراتيجية. غير أن هذه الترتيبات ستصطدم بتسارع الأحداث سنة 1975، حيث تداخلت عوامل داخلية وإقليمية ودولية، من بينها تدهور الوضع الصحي لفرانكو، واحتدام التنافس الجيوسياسي، واحتكام الملف إلى محكمة العدل الدولية.
ويبرز الكتاب أن تاريخ 16 أكتوبر 1975 شكّل لحظة مفصلية، حيث أطلق المغرب مبادرة المسيرة الخضراء، التي حشدت مئات الآلاف من المغاربة في تعبئة سلمية غير مسبوقة، أعادت تشكيل موازين القوى، ومهّدت لتوقيع اتفاق مدريد، إيذاناً بأفول آخر معاقل الاستعمار الإسباني في إفريقيا.
غير أن المؤلف لا يكتفي بسرد لحظة النهاية، بل يتوقف عند المرحلة الرمادية الممتدة بين نونبر 1975 وفبراير 1976، حيث اتسمت السياسة الإسبانية بالتردد والمناورات، ما ساهم في تعقيد مسار إنهاء الاستعمار وإطالة أمد النزاع. وفي هذا الإطار، يقدم الكتاب قراءة نقدية لهذه المرحلة، معتمداً على مادة أرشيفية غنية ومعرفة ميدانية دقيقة.
ويكتسي هذا العمل أهمية خاصة ضمن المسار البحثي لصاحبه، الذي يُعد من أبرز الباحثين في قضايا الصحراء والمجتمعات الصحراوية، حيث يواصل من خلاله تعميق الاشتغال على تقاطعات التاريخ والأنثروبولوجيا والسياسة، بعد أعمال سابقة تناولت البنيات الاجتماعية والدينية والتحولات الحضرية، فضلاً عن الجذور الاستعمارية لقضية الصحراء.
كما يشكّل هذا الكتاب إضافة نوعية إلى حقل الدراسات التاريخية حول الصحراء المغربية، ويقدّم مساهمة علمية رصينة في فهم لحظة مفصلية من تاريخ إنهاء الاستعمار، ليس فقط بوصفها حدثاً سياسياً، بل كمسار مركّب تداخلت فيه الاستراتيجيات الدولية، والرهانات الإقليمية، وديناميات الفعل المجتمعي.



تعليقات الزوار ( 0 )